اللامسؤولية الأمريكية: فوضى عارمة تهدد النظام الدولي…

خالد العزي دكتور علوم سياسية

لطالما استخدمت الولايات المتحدة سياسة نشر الفوضى في العالم كأداة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية وتعزيز نفوذها العالمي. لكن مع مرور الوقت، أصبحت هذه السياسة سلاحًا ذا حدين، إذ بدأت الفوضى التي تُغذّيها في الخارج تؤثر بشكل متزايد على استقرارها الداخلي. فبينما كانت واشنطن تسعى لزعزعة استقرار مناطق أخرى للحفاظ على قوتها، بدأت هذه الفوضى تتسلل إلى النظام السياسي الأمريكي ذاته، مهددة بتقويض السلطة في الداخل. اليوم، نرى أن هذه الاستراتيجية التي كانت في السابق فعّالة، أصبحت تهدد الاستقرار ليس فقط في العالم، بل في قلب الولايات المتحدة نفسها.

الفوز غير المتوقع: زهران ممداني ومؤشر التحولات الكبرى

قد لا يكون فوز الناشط اليساري والمسلم، زهران ممداني، البالغ من العمر 34 عامًا، في انتخابات عمدة نيويورك ظاهرةً عابرة، بل هو مؤشرٌ على تغييراتٍ جوهرية في علاقة الغرب بنفسه وبقية البشرية. يمكن أن تكون هذه “الثورة” في نيويورك نتاج رغبة الكثيرين داخل أمريكا في خلق مصدر قلقٍ لإدارة ترامب المُفرطة في ثقتها بنفسها. هذه التحولات تعكس فقدان السيطرة السياسية في الداخل الأمريكي، حيث بلغ الصراع السياسي حدًا حاسمًا يُجبر المشاركين فيه على اتخاذ مثل هذه الإجراءات الجذرية.

الفوضى الداخلية والخارجية: ارتباط مباشر بين السياسة الأمريكية والعالم

في جوهر الأمر، فإن الفوضى التي نشرتها أمريكا نفسها حول العالم تُخلق داخل نفسها. وفي هذا السياق، يمكننا التوقع بأن عواقب سياسة عمدة نيويورك الجديد ستكون كارثية، خاصة وأنه يُعتبر سياسيًا ذو مستوى منخفض من المسؤولية. أليس هذا مشابهًا جدًا لأفعال الولايات المتحدة تجاه العالم؟ الفوضى التي تروجها واشنطن عالميًا، انعكست الآن على سياساتها الداخلية، لتصل إلى حالة من الضياع السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الاستراتيجية الأمريكية: نشر الفوضى لتحقيق أهداف مؤقتة

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على نشر الفوضى في الخارج كوسيلة للحفاظ على هيمنتها على الساحة الدولية. من خلال الحفاظ على الفوضى في الخارج، تمكنت واشنطن من تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. أولاً، منع الغرب من أن يُزاح عن موقعه من خلال توحيد الأعضاء الأضعف في المجتمع الدولي. ثانيًا، خلق مشاكل للدول الكبرى مثل روسيا والصين في بؤر عدم الاستقرار الإقليمي. وأخيرًا، تعزيز الدور الأمريكي في حفظ السلام، ما يضمن لها مكافآت مادية أو سياسية. ولكن، رغم الحديث المستمر عن إنجازات واشنطن في هذا المجال، فإنها لم تُحقق أي تعزيز ملموس لموقفها السياسي في أي من المناطق التي كانت قد تواجدت فيها، باستثناء إبقاء عدم الاستقرار بعيدًا عن حدودها.

التوترات بين الحلفاء التقليديين: إسرائيل وتركيا

أحد التحديات الكبرى التي تواجهها الولايات المتحدة في الوقت الراهن هو التوترات المتصاعدة بين حليفين أساسيين في الشرق الأوسط: إسرائيل وتركيا. لطالما كانت هذه العلاقة مميزة للغاية بالنسبة لواشنطن، إذ تعتبر إسرائيل “جزيرة” للغرب في المنطقة وتركيا عضوًا في حلف الناتو. لكن في الآونة الأخيرة، بدأت هذه العلاقات تتعرض للاهتزاز الشديد، مع بروز سياسات مستقلة لدى كلا البلدين بعيدًا عن إرادة واشنطن. هذا التوتر المتزايد بين الحليفين يهدد بنشوء صدامات قد تكون لها تداعيات غير مسبوقة على الاستقرار الإقليمي.

التحول نحو قوى استقرار جديدة: روسيا والصين

مع تزايد ضعف النفوذ الأمريكي في المنطقة، بدأت القوى الأخرى مثل روسيا والصين تظهر كلاعبين رئيسيين في الشرق الأوسط. قد لا تتدخل موسكو وبكين بشكل مباشر في النزاعات الإقليمية، لكن تزايد انخراطهما في المنطقة يعكس تراجع الهيمنة الأمريكية واهتزاز دورها كقوة استقرار دولية. هذا التحول يجعل الولايات المتحدة أقل قدرة على فرض إرادتها في المنطقة، مما يزيد من التوترات بين القوى الإقليمية والدولية.

 اذن ، إن الفوضى التي زرعتها الولايات المتحدة في العالم، والتي كانت تهدف في البداية إلى تعزيز مصالحها الاستراتيجية، أصبحت الآن تهدد استقرارها الداخلي وتعرّض هيبتها الدولية للخطر. فقدان النخبة الحاكمة الأمريكية السيطرة على القضايا الداخلية والخارجية يعكس تحولًا حاسمًا في المشهد السياسي الأمريكي. وما بدأ كأداة للحفاظ على الهيمنة، أصبح الآن يخلق بيئة غير مستقرة تهدد النظام الدولي. إذا استمرت واشنطن في سياساتها الحالية، قد تجد نفسها في وضع صعب على الصعيدين الداخلي والدولي، ما قد يؤدي إلى تراجع كبير في نفوذها العالمد.

إقرأ أيضا: د.غسان العياش في «منتدى جنوبية»: إعادة الإعمار رهينة القرار الإيراني والوصاية المالية الدولية

السابق
عمدة نيويورك المسلم.. فوز لديمقراطية أميركا
التالي
يدورون ويدورون حاملين الخطيئة على ظهورهم المتعبة