هل اللبنانيون بخير وهل هم حقاً متكيفون resilient؟

منى فياض

عندما أشرت في حديث تلفزيوني إلى السلطة التي تتردد في اتخاذ قرارات حاسمة دون الالتفات إلى معاناة اللبنانيين، بادرني المذيع: ولكن الشعب اللبناني يبدو بألف خير، يملأ المقاهي والمطاعم ويحتفل ويعيش.

هذه هي الفكرة السائدة عن اللبنانيين، أنهم أدمنوا الحروب والعنف والأزمات، ومع ذلك يتكيفون ويجدون الحلول ويكملون حياتهم بالرغم من الصعاب المزمنة التي تعترض وجودهم منذ أكثر من نصف قرن.

فهل حقاً إن اللبناني بألف خير ويتأقلم مع هذه الأوضاع؟

هل هم أبطال التكيف وهم resilience كما يبدون ظاهرياً؟

بين مفهوم المرونة ومعنى إعادة بناء الذات

Boris Cyrulnik، وهو الطبيب النفسي وعالم الأعصاب الذي نجا طفلاً من المحرقة النازية، قدّم مفهوماً للـrésilience لا يقوم على البطولة أو الصلابة فقط، بل على القدرة على إعادة بناء الذات بعد الصدمة، من خلال علاقة إنسانية أو معنى يعيد ترميم النسيج الداخلي للشخص.

بالنسبة له، ليست المسألة في “تحمّل الألم”، بل في تحويل الألم إلى حياة ممكنة من جديد.

غالباً ما تُمدح “قدرة اللبناني على الصمود”، حتى صارت كلمة resilient تُستخدم بوصفها وساماً على صدر اللبناني، ولكنها في الحقيقة وسيلة لإنكار الواقع — كأننا نحتفل بقدرتنا على النجاة بدل أن نعالج الأسباب البنيوية التي تفرض علينا دائرة النجاة المستمرة.

هل التكيّف اللبناني صحي أم أنه تكيّف مع اختلال مزمن؟

من منظور علم النفس، التكيف مع الاضطراب (adaptation to dysfunction) قد يُبقي الفرد أو الجماعة على قيد الحياة، لكنه يخلق بنية نفسية هشة على المدى الطويل — أشبه بـ”تكيف ومرونة زائفة” (fausse résilience).

هذه الحالة تجعل الناس قادرين على احتمال الأزمات دون أن يثوروا عليها، لكنها تسلبهم القدرة على تصور حياة أفضل.

وفي السياق اللبناني، يمكن تمييز مستويات متعددة من هذا التكيف:

على الصعيد الفردي: الناس يواصلون العمل والضحك والسفر والعودة، لكنهم يعيشون في حالة إنكار جماعي، أو نوع من انشطار نفسي بين “العيش” و”الوعي بالكارثة”.

على الصعيد الاجتماعي: المجتمع ينتج آليات تضامن مذهلة، لكنها غالباً دفاعية أكثر مما هي إصلاحية — مثل شبكات الزبائنية أو الهجرة كآلية للهروب لا للشفاء.

على الصعيد الرمزي: هذا تقديس لفكرة “الصمود اللبناني” كهوية، قد يمنع التحول البنيوي، لأننا نحوّل الألم إلى فخر بدل أن نحوله إلى تغيير.

“المرونة الحقيقية” ليست فقط بالنجاة، بل بإيجاد المعنى. أي القدرة على فهم التجربة وإدماجها في سردية حياة جديدة للخروج من المآزق، بدل العيش في حلقة تكرار الصدمات.

غالباً ما تُمدح “قدرة اللبناني على الصمود”، حتى صارت كلمة resilient تُستخدم بوصفها وساماً على صدر اللبناني، ولكنها في الحقيقة وسيلة لإنكار الواقع — كأننا نحتفل بقدرتنا على النجاة بدل أن نعالج الأسباب البنيوية التي تفرض علينا دائرة النجاة المستمرة.

المفارقة اللبنانية بين الاستمرار والعجز عن التحول

المفارقة اللبنانية المؤلمة والمستمرة: وجود طاقة هائلة على الاستمرار يقابلها عجز جماعي عن التحول.

وهذا يضعنا بالفعل أمام سؤال جوهري في علم النفس الاجتماعي والسياسي: هل يمكن أن تتحول المرونة الفردية إلى مرونة مجتمعية بنّاءة، أم تبقى مجرد آلية بقاء في نظام مختلّ؟

ما نلاحظه وجود انشطار بنيوي في الوعي الجماعي:

مستوى خاصّ ناجٍ ومقاوم: يحافظ فيه على عمله، حياته، عائلته، علاقاته، ويبدع رغم كل شيء.

مستوى عامّ عاجز ومنهك: نشعر فيه باللاجدوى والعجز أمام بنية سياسية تتغذّى من الانقسام وتعيد إنتاج نفسها باستمرار.

هذا الانشطار يخلق نوعاً من المرونة المنفصلة عن الفعل السياسي: الناس يتكيفون كي يبقوا، لكنهم لا يستخدمون طاقتهم التكيّفية لتغيير البنية التي تضطرهم إلى هذا التكيف أصلاً.

“المرونة الحقيقية” ليست فقط بالنجاة، بل بإيجاد المعنى. أي القدرة على فهم التجربة وإدماجها في سردية حياة جديدة للخروج من المآزق، بدل العيش في حلقة تكرار الصدمات.

وهنا يظهر ما أسماه Boris Cyrulnik بـla résilience mutilée – أي “المرونة المشوهة”: قدرة على النجاة من دون استعادة السيادة على المصير.

أسطورة سيزيف وصخرته الأبدية ترمز للعبث، لكن قراءة ألبير كامو جعلت منها رمزاً للتمرد الواعي. لقد استمر سيزيف في دفع الصخرة رغم إدراكه عبث المهمة، لأن وعيه نفسه كان هو الفعل المقاوم.

أما في الحالة اللبنانية، فالكثيرون يدفعون الصخرة من دون أن يتحول فعلهم إلى وعي مقاوم، بل يظل تكراراً مرهقاً من غير معنى تغييري.

قد يكون السبب أن النقد لا يتحول إلى تنظيم، والإدراك لا يتحول إلى مشروع، لأن السلطة نجحت تاريخياً في تفكيك أي إمكانية للعمل الجماعي من خلال اللعب على الخوف والغرائز والهويات الفرعية.

من التكيّف الفردي إلى التقيّف الجماعي — هل من طريق؟

نأمل أن يكون ما نراه اليوم عند فئات من الشباب والناشطين والجامعيين — حتى لو ما زال متناثراً — إشارة إلى بذور مرونة من نوع آخر: مرونة تنتج وعياً نقدياً وسعياً لإعادة بناء المجتمع على أسس جديدة، ولو ببطء.

ربما السؤال الذي يفتح باباً للأمل هو:

كيف يمكن تحويل résilience individuelle (المرونة والتكيف الفردي) إلى résilience collective (مرونة وتكيف جماعي)، أي من البقاء إلى البناء؟

هل سيكون باستطاعة اللبنانيين (خصوصاً الجيل الجديد) تحويل تجاربهم المأساوية إلى وعي جديد، إلى طريقة أخرى للعيش — أم أن آليات التكيّف القديمة ما زالت أقوى وتعيد إنتاج نفسها تحت مسمى “الصمود”؟

كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ من خلال التعليم؟ الثقافة؟ أم من خلال إعادة بناء الثقة بين الأفراد خارج الأطر الطائفية؟

إقرأ أيضا: د.غسان العياش في «منتدى جنوبية»: إعادة الإعمار رهينة القرار الإيراني والوصاية المالية الدولية

السابق
بالفيديو: إسرائيل تغتال مدير مدرسة المنصوري في جنوب لبنان محمد شويخ
التالي
أفريقيا بين مطرقة موسكو وسندان الجوع: حرب تخاض فوق موائد خاوية