أدّت التحولات المتسارعة في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمشرق العربي على نحو جذري. فبعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وانهيار بنيته المؤسسية، انتقل مركز الثقل الإقليمي من النظام العربي الرسمي إلى موازين جديدة للقوة تداخل فيها المحلي بالإقليمي والدولي. ثم جاءت الثورات العربية عام 2011 لتفتح المجال أمام انفجار اجتماعي وسياسي غير مسبوق، فتهاوت منظومات الحكم التقليدية في أكثر من بلد، من تونس ومصر إلى ليبيا واليمن وسوريا، وبرزت صيغ جديدة من الفوضى المنظمة التي تُدار فيها الصراعات ضمن حدود مضبوطة تسمح بالتدخل الخارجي وتمنع الحسم الداخلي.
تقاطعت في تلك المرحلة أجندات محلية تبحث عن الخلاص من الاستبداد وقد نجحت في سورية، بالتقاطع مع مشاريع نفوذ إقليمي ودولي تسعى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
فقد تحولت سوريا والعراق واليمن إلى ساحات صراع بالوكالة، تتواجه فيها الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، بينما أصبح لبنان نموذجًا مكثفًا لـ”إدارة الفوضى” دون بلوغ الانفجار الشامل أو الاستقرار الدائم.
إقرأ أيضا: حزب الله يستعد للانتخابات: تحدّيات متصاعدة وبري يرسم قواعد اللعبة الجديدة
وفي ظل هذا المشهد المركّب، أعادت القوى الكبرى تموضعها وفق منطق “إدارة الفوضى”، بحيث تُترك خطوط التماس مشتعلة ولكن منضبطة، كما في سوريا والعراق وليبيا، حيث يمنع الانهيار الكامل ولكنه يتيح التحكم بمسارات التسويات السياسية والاقتصادية. هذه المعادلة جعلت المشرق يعيش في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، وأنتجت أنظمة هشة فاقدة للسيادة، تعتمد على الدعم الخارجي للبقاء وتعيش على تناقضات داخلية حادة، ما جعل الاستقرار الحقيقي مستحيلًا ما لم يُعاد تأسيس العقد الاجتماعي من جديد.
تحولت سوريا والعراق واليمن إلى ساحات صراع بالوكالة، تتواجه فيها الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، بينما أصبح لبنان نموذجًا مكثفًا لـ”إدارة الفوضى” دون بلوغ الانفجار الشامل أو الاستقرار الدائم
إعادة إنتاج السلطة في ظل الأزمة.
رغم ما أصاب البنى السياسية من تآكل وتفكك، فإن النخب الحاكمة في معظم دول المشرق أظهرت قدرة لافتة على التكيّف مع الأزمات عبر آليات متكرّرة لإعادة إنتاج سلطتها. فبعد كل أزمة كبرى – من حرب إلى انتفاضة أو انهيار اقتصادي – تُعاد صياغة قواعد اللعبة السياسية بما يسمح ببقاء الطبقة نفسها في موقع التحكم.
تتمثل أبرز هذه الآليات في ثلاث ممارسات أساسية:
- تحويل الإصلاح إلى خطاب بلا ممارسة. إذ ترفع الأنظمة شعارات الإصلاح والديمقراطية، كما حدث في مصر بعد 2011 أو في لبنان بعد انتفاضة 17 تشرين ٢٠١٩، لكن دون التزام فعلي بتغيير البنى العميقة للسلطة أو الاقتصاد الريعي أو المحاصصة بين الاحزاب الطائفية.
- استيعاب المعارضة من خلال دمجها جزئيًا في منظومة الحكم لتفريغها من مضمونها، كما حصل في العراق بعد 2005 حين أصبحت القوى التي كانت معارضة جزءًا من النظام القائم عبر المحاصصة الطائفية، أو كما في الأردن والمغرب حيث تُمنح المعارضة تمثيلًا محدودًا يضمن الاستقرار دون المساس بجوهر السلطة.
- توظيف الخوف والانقسام عبر إثارة الهواجس الطائفية والمناطقية، كما في الحالة السورية أو اللبنانية أو اليمنية، لإجهاض أي حركة احتجاج عابرة للهويات. فالخوف من الآخر يصبح وسيلة لحماية النظام، بينما تنكمش الهوية الوطنية لصالح الولاءات الجزئية.
بهذه الأدوات تتحول الدولة إلى بنية شبه دائمة لإدارة الأزمة وليس لحلها، لا تنهار كليًا ولا تتعافى نهائيًا، بل تعيش في حالة “توازن هشّ” يضمن بقاء السلطة مع تعطيل أي مشروع وطني جامع.
الدور الخارجي وشبكات النفوذ
في ظل هذا الواقع، أصبحت السيادة الوطنية مفهومًا نسبيًا في كثير من الدول العربية. فالمساعدات والقروض والصفقات السياسية تحوّلت إلى أدوات نفوذ فعّالة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية لفرض أجنداتها.
تظهر هذه التبعية في ثلاثة مستويات رئيسية:
- اقتصاديًا: حيث تُرهن السياسات الاقتصادية بشروط المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة. فبرنامج صندوق النقد الدولي في مصر أو لبنان مثلًا لم يقتصر على إصلاحات مالية بل امتد ليؤثر في السياسات الاجتماعية وهيكل الدولة الريعية.
- أمنيًا: من خلال الاتفاقات الدفاعية أو الحضور العسكري المباشر. فالوجود الأميركي في العراق وسورية، والتمركز الإيراني في ولبنان واليمن، والانتشار التركي في سوريا وشمال العراق، كلها مؤشرات إلى أن القرار الأمني الوطني بات مقيدًا بتوازنات الخارج.
- إعلاميًا وثقافيًا: عبر التحكم بالرواية العامة وصناعة الرأي العام من خلال تمويل وسائل الإعلام والتلفزة، والتاثير في وسائل التواصل الاجتماعية عبر الجيوش الالكترونية والمنظمات المدنية، ما يجعل النقاش العام جزءًا من صراع النفوذ، لا من حرية التعبير ولا من حراك المجتمع.
أصبحت السيادة الوطنية مفهومًا نسبيًا في كثير من الدول العربية. فالمساعدات والقروض والصفقات السياسية تحوّلت إلى أدوات نفوذ فعّالة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية لفرض أجنداتها
هذه السيطرة الناعمة تضمن استمرار الأنظمة القائمة، ولو في حالة ضعف دائم، لأنها تتيح للفاعلين الخارجيين إدارة مصالحهم دون الحاجة إلى احتلال مباشر. فبدلًا من الجيوش، تُستخدم القروض، وبدلًا من المستعمرات، تُنشأ شبكات النفوذ الاقتصادي والثقافي التي تحفظ مصالح الخارج وتُبقي الداخل معلقًا بين التبعية والعجز.
الآفاق المحتملة للخروج من المأزق
إن تجاوز الأزمة البنيوية يتطلب مشروعًا وطنيًا جديدًا يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية مترابطة:
- إعادة بناء الدولة على قاعدة المواطنة والدفاع عن المجال العام، والمصلحة الوطنية العليا، لا على المحاصصة بين الاحزاب الطائفية أو الولاءات الفئوية. تجربة لبنان والعراق تثبتان أن أنظمة المحاصصة تنتج شللًا دائمًا لأنها توزّع السلطة وتشظيها نتفًا وحصصا وغنائما، بدل أن توحّدها. والمواطنة ليست شعارًا مجردًا بل قاعدة لإدارة المصلحة العامة على أساس المساواة في الحقوق والواجبات.
- إصلاح اقتصادي إنتاجي، يعيد التوازن بين العدالة الاجتماعية والكفاءة التنموية. فالمشرق العربي لا يمكن أن ينهض طالما اقتصاده قائم على الريع والتحويلات والمضاربات بدل الإنتاج. يمكن الاستفادة من التجارب الناجحة في المغرب وتونس في دعم الصناعات المحلية والزراعة المستدامة لتخفيف التبعية الغذائية والمالية.
- تحرير القرار السياسي من التبعية للمحاور الخارجية، عبر سياسة خارجية متوازنة تنطلق من المصلحة الوطنية. فقد أثبتت الأزمات الأخيرة، كحرب غزة 2023 أو الصراع في البحر الأحمر، أن الدول الصغيرة القادرة على الحياد الإيجابي تحافظ على استقرارها أكثر من تلك التي تنخرط في محاور متصارعة.
غير أن تحقيق هذه الأهداف يستلزم تحولًا عميقًا في الثقافة السياسية، وانتقالًا من منطق الغلبة إلى منطق التعاقد السياسي والاجتماعي، ومن عقلية الزعامة إلى مفهوم القيادة المؤسسية. وهو تحول يحتاج إلى زمن وإلى جيل جديد من النخب السياسية والمجتمعية يؤمن بالدولة كمؤسسة لا كغنيمة.
تعود جذور الأزمة السياسية والاجتماعية في المشرق العربي، إلى هشاشة التكوين التاريخي للدولة الحديثة وارتباط شرعيتها بالولاء الخارجي بدلًا من الإرادة الشعبية
يعيش المشرق العربي ازمة بنيوية ويمر بلحظة مفصلية بين موت نظام قديم لم يُدفن بعد، وتعثر ولادة نظام جديد لم تكتمل شروطه. فما دامت الشرعية السياسية تُستمد من الولاء والمحسوبية، وما دامت العلاقات الاقتصادية والاجتماعية محكومة بمنطق الريع والهيمنة، فإن أي إصلاح سيبقى سطحيًا وشكليًا.
إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: رفقا بـ«شيعة لبنان»!؟
ومع ذلك، يُظهر التاريخ أن المجتمعات لا تبقى إلى الأبد رهينة أنظمتها. فالتغيير – مهما تأخر – يفرض نفسه حين تبلغ الأزمة ذروتها، فيتحول الانسداد إلى فرصة تأسيس. هكذا وُلدت دول من تحت ركام الحروب، وهكذا قد يولد نظام مشرقي جديد حين يدرك الناس أن بقاءهم المشترك أهم من انتصار أي طائفة أو محور.
تعود جذور الأزمة السياسية والاجتماعية في المشرق العربي، إلى هشاشة التكوين التاريخي للدولة الحديثة وارتباط شرعيتها بالولاء الخارجي بدلًا من الإرادة الشعبية.
وتتداخل العوامل الداخلية والخارجية في إنتاج منظومات الحكم الريعية والطائفية، وتؤثر على آليات إعادة إنتاج السلطة في الأزمات.
أن الخروج من المأزق يستدعي إعادة تأسيس العقد الاجتماعي على أسس المواطنة والمصلحة الوطنية، بما يمهّد لولادة نظام سياسي جديد أكثر عدالة واستقلالًا واستقراراً.

