أورتاغوس في بيروت: بين «خيارَي التفاوض» و«صمت الدبلوماسية»… والبرلمان بلا نصاب!

بدأت الموفدة الأميركية إلى لبنان مورغان أورتاغوس جولتها البيروتية وسط أجواء من الكتمان المقصود، رافضة الإدلاء بأي تصريح أو السماح بالتقاط صور خلال لقاءاتها الرسمية، في مشهدٍ عكس رغبة واشنطن بإبقاء رسائلها في الغرف المغلقة، بعيدًا عن الضوضاء الإعلامي.

فمن عين التينة إلى بعبدا فالسراي الحكومي، توزعت محطات الزيارة التي وُصفت بأنها “عملية تمهيدية” لمسار تفاوضي جديد حول الجنوب، في ظل اشتداد الضغط الميداني على الحدود وتزايد الدعوات الدولية لتفعيل “الميكانيزم” الخماسي لمراقبة وقف النار.

لقاء بري: خياران لا ثالث لهما

في مستهل يومها اللبناني، التقت أورتاغوس رئيس مجلس النواب نبيه بري بحضور القائم بالأعمال الأميركي كيث هانيغان والمستشار الإعلامي لعلي حمدان. اللقاء، بحسب معلومات “MTV”، حمل في طيّاته عرضًا أميركيًا واضحًا: إما التفاوض المباشر مع إسرائيل، وإما غير المباشر عبر لجنة “الميكانيزم” الموسّعة التي قد تضم مدنيين من الطرفين. وهو خيار ثالث “ملتبس” يجري العمل عليه كحلّ وسط، يتيح فتح قناة تواصل فنية – سياسية دون كسر المحرّمات القائمة منذ حرب تموز.

بري، المعروف بحسّه البراغماتي في مقاربة الملفات الحساسة، استمع إلى الطرح الأميركي من دون أن يعلّق علنًا، مكتفيًا بتكرار تمسكه بتطبيق القرار 1701 ووقف الخروق الإسرائيلية اليومية.

عون: لا تهديدات ولا تهويل

المحطة الثانية لأورتاغوس كانت قصر بعبدا حيث استقبلها الرئيس العماد جوزاف عون في حضور الوفد المرافق. وبحسب ما نقلت “MTV”، خرج عون “مرتاحًا” من اللقاء، مطمئنًا إلى أن الموفدة الأميركية لم تحمل تهديدات أو رسائل ضغط، بل ركزت على ضرورة إعادة الهدوء إلى الجنوب وتفعيل لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية.

عون شدد خلال اللقاء على “وجوب تمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل حتى الحدود الدولية الجنوبية”، مطالبًا المجتمع الدولي بدعم عملية إعادة إعمار القرى الجنوبية وتمكين الأهالي من العودة إلى منازلهم قبل حلول الشتاء.

السراي الحكومي: السلاح والحدود والاقتصاد

وفي السراي، استقبل رئيس الحكومة نواف سلام أورتاغوس بحضور القائم بالأعمال هانيغان.

سلام أعاد التذكير بأهداف المسار التفاوضي التي ترتكز على “تطبيق إعلان وقف الأعمال العدائية الصادر في تشرين الثاني الماضي، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة”.

وأشار سلام إلى أن “أي حلّ دائم يتطلب دعم الجيش وقوى الأمن لعقد مؤتمر دولي خاص بهذه الغاية”، مشددًا أيضًا على أن “تثبيت الاستقرار في الجنوب لا ينفصل عن عقد مؤتمر للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار”.

ووفق التسريبات، لمّحت أورتاغوس إلى “مخاوف” أميركية من تهريب أسلحة من سوريا إلى لبنان، لكنها أوضحت أن واشنطن “لم تتبنّ الرواية الإسرائيلية بعد”، مكتفية بنقلها كما وردت.

“لا صور ولا تصريحات”

على خلاف المألوف في زيارات الموفدين الأميركيين، اختارت أورتاغوس الصمت الكامل: لا تصريحات، لا تصوير، ولا بيانات رسمية. حتى الصورة البروتوكولية الوحيدة لزيارتها كانت مع الرئيس عون، ما زاد من غموض أهداف الزيارة، خصوصًا أن واشنطن لم تعلن رسميًا عن تفويضها بأي مهمة تفاوضية محددة.

في المقابل، رأت أوساط نيابية أن الصمت الأميركي مقصود لتجنّب أي استثمار سياسي داخلي من الأطراف اللبنانية، في وقت تشهد فيه الجبهة الجنوبية هشاشة ميدانية وتبدّلًا في الموازين بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة.

الجلسة سقطت قبل أن تبدأ

بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي الأميركي، شهد مجلس النواب اليوم مشهدًا داخليًا يعكس عمق الأزمة السياسية، إذ فُقد النصاب في الجلسة العامة التي دعا إليها الرئيس نبيه بري لاستكمال جدول الأعمال السابق، ما اضطره إلى رفعها من دون تحديد موعد جديد.

فقد حضر إلى ساحة النجمة 63 نائبًا فقط، في حين قاطع نواب “الجمهورية القوية” و”الكتائب” و”تحالف التغيير” و”الاعتدال الوطني” وعدد من المستقلين، احتجاجًا على إدراج قانون الانتخاب من خارج جدول الأعمال.

بو صعب: “الغياب بداية الحل”

نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب رأى أن “عدم انعقاد الجلسة اليوم قد يكون بداية حلّ الأزمة لا تعقيدها”، معتبرًا أن الجميع “بدأوا يبحثون عن قواسم مشتركة بدل التصلب في المواقف”.

وأشار إلى أن “الأفضل ألا يكون هناك تشريع في غياب شريحة واسعة من القوى السياسية”، داعيًا الحكومة إلى “خطوات تخفف التشنج القائم وتفتح الباب أمام حوار جدي حول قانون الانتخاب”.

انقسام حول مقاطعة الجلسة

من جهته، أوضح النائب هادي أبو الحسن أن “مقاطعة الجلسة لا تحلّ المعضلة ولا تؤدي إلى تعديل القانون، بل هي تسجيل موقف فقط”، فيما شدد النائب بلال الحشيمي على “رفض تعطيل المجلس”، مؤكداً أن “بري فتح الجلسة للتشريع لا للتعطيل”.

أما النائب مروان حماده فحذّر من “تفاقم الأزمة إذا استمرّ الانقسام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”، داعيًا إلى تمرير قانون يسمح للمغتربين بالتصويت لكامل الـ128 نائبًا في الانتخابات المقبلة.

اقرا ايضا: «لا يُسلَّم السلاح إلا لصاحب الزمان (عج)»: قراءة نقدية لشعار المقاومة الغيبية

السابق
«لا رسائل تحذير أميركية للبنان».. هذا ما حصل خلال اللقاء بين بري وأروتاغوس!
التالي
ستريدا جعجع: المجلس النيابي ركيزة الديمقراطية ولا أحد يستطيع الهيمنة عليه