«لا يُسلَّم السلاح إلا لصاحب الزمان (عج)»: قراءة نقدية لشعار المقاومة الغيبية

الشيعة

في فضاء معقّد تتداخل فيه القناعات الدينية مع الرهانات السياسية، تبرز شعارات تُكسِب البُعد الغيبي قداسة تُعفيه من النقد والمراجعة، ومن أبرزها: “سلاحنا لا يُسلَّم إلا لصاحب الزمان (عج)”

شعارٌ يحمل في ظاهره ولاءً وانتظارًا، لكنه يطرح في عمقه أسئلة شرعية وعقلية شائكة: يَظهرُ منه التباسٌ بين الإيمان والسلطة، بين الانتظار والاحتكار، وبين الدين والدويلة.

هل الانتظار يعني تعطيل الدولة؟

هل الإمام الغائب، الذي أسقطت الغيبة الكبرى النيابة الخاصة عنه، ينتظر “سلاحًا” أم ينتظر “مجتمعًا “عادلًا راشدًا؟

وهل نعيش اليوم نوعًا من الفوضى الفقهية، حيث تُستحضر مفاهيم الغيب والنيابة لتبرير مواقف تنظيمية أو فئوية، دون مستند شرعي صريح أو إطار علمائي مؤسسي؟ أليس في ذلك إرباكٌ لأصول الفقه الإمامي في زمن الغيبة الكبرى، حيث سقطت النيابة الخاصة بنصّ العقيدة نفسها؟

في ضوء رؤى فكرية إصلاحية داخل الحوزة المعاصرة، تُعاد قراءة هذا الشعار بمقاييس العقل والشرع، لا الانتماء الحزبي. هذا المقال لا يستهدف الشعارات في ظاهرها، بل يُفكك مضامينها بما يتّسق مع أصول الفقه الإمامي، وقراءات إصلاحية داخل الحوزة العلمية المعاصرة. وهو يسعى إلى قراءة هذا الشعار قراءة نقدية عقلانية تُحررالتمهيد من عسكرة المفهوم، وتعيد السلاح إلى موقعه الطبيعي ضمن سلطة القانون، لا فوقها.

إننا بحاجة اليوم إلى إعادة تعريف “الانتظار” بعيدًا عن الغلو والتأويل السياسي وإلى مساءلة مفاهيم تُستخدم .أحيانًا لتبرير احتكار القوة، لا للتمهيد للعدل الإلهي.

أولًا: هل مشروع الإمام المهدي مشروع مسلح؟

يُفهم من الشعار أن هناك تصوّرًا ضمنيًا للإمام المهدي كمشروع عسكري يحتاج إلى سلاح موجود بيد جماعة معيّنة تنتظر لحظة “التسليم”. لكن هذا الفهم يُناقض الصورة التي يُقدّمها القرآن الكريم والعديد من الروايات عن المهدي كمشروع عدالة إلهية لا كخطة عسكرية: وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص: 5)

الوراثة هنا ليست استيلاءً على الحكم بالقوة، بل تحقيق لوعد الله بالعدل، بعد أن يُمهّد الناس لذلك بالأعمال لا بالسلاح.

ثانيًا: مفهوم “التمهيد” في عصر الغيبة

تختزل بعض الخطابات المعاصرة “التمهيد” في التسلّح، التنظيم، بناء القوة العسكرية، بينما الرؤية الإصلاحية الشيعية ترى أن التمهيد هو إصلاح النفس والمجتمع، إقامة العدل، مواجهة الظلم بالحق، لا بالسلاح فقط. التمهيد ليس صناعة نخبة مسلّحة، بل إعداد أمة راشدة. وليس خلق وصاية بل تحرير الإنسان من كل وصاية غير شرعية.

ثالثًا: الدولة العادلة لا تعارض الإمام

من المغالطات الشائعة أن “الدولة الحديثة” هي مشروع يتعارض مع الإمام المهدي. وكأن التمهيد يقتضي تفكيك الدولة، وتعطيل القانون، وإنشاء سلطات موازية! بينما ترى التيارات الإصلاحية أن الإمام المهدي لا يقف ضد دولة عادلة، بل يمثل ثمرة العدل الإنساني الكامل. رفض الدولة باسم الغيب، هو في حقيقته رفض للمحاسبة، لا تعبير عن الولاء فإن الدولة الناظمه للأمر هي ضرورة لا بد منها لاقامة العدل كما يشير الى ذلك الإمام علي عليه السلام “وأنه لا بد للناس من أمير”.

رابعًا: من يُمثّل الإمام في الغيبة؟

الغيبة الكبرى، وفق المعتقد الإمامي، أسقطت النيابة الخاصة، ولا حجّة شرعية لادعاء التمثيل المباشر عن الإمام الغائب. والقول إن “السلاح لا يُسلّم إلا للإمام”، يتضمّن ضمنًا أن من يحتفظ به مفوّضٌ من قبله، وهذا زعم غير مدعوم شرعًا. ولذلك ترى بعض الاتجاهات الإصلاحية في الفكر الشيعي أن هذه اللغة تفتح باب التسلّط باسم الغيب، وتحوّل دعوى تمثيل الإمام إلى غطاء لمشروع أرضي خاص.

خامسًا: هل يُبرِّر الانتظار بقاء السلاح خارج الدولة؟

عند القول: “نحتفظ بالسلاح لصاحب الزمان”، فإن الواقع السياسي يُشير إلى: رفض الرقابة، تجاوز القانون، تبرير الهيمنة، تقديس التنظيم. الرؤية الإصلاحية تعتقد أن حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية للدولة هو وسيلة لتحقيق العدل، وليس خيانة لنهج الانتظار للعدل الشامل.

سادسًا: السلاح والعدل في إطار الشرعية

الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار الدولة والقانون يحرّف مقاصد القوة الشرعية ويحوّلها إلى أداة للاستئثار والسيطرة. السلاح يجب أن يكون وسيلة لتحقيق الأمن والعدل، لا أداة للهيمنة أو التفرد، ويجب أن يكون تحت سلطة المؤسسات الشرعية.

  وفي الروايات، جاء أن الإمام المهدي: “يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا” وهي معادلة لا تتحقق بالبندقية، بل بمنظومة قيم، ومجتمع مؤمن بالحق، في ظل دولة قائمة على العقل وعاملة بالعدل. فإذا كان الإمام المنتظر هو “حُجّة الله على خلقه”، فإن مشروعه لا يتناقض مع الموازين التي أمر الله بها، من الطاعة والنظام، ورفض الظلم والاستبداد. وبالتالي، لا يمكن للتمهيد لمشروعه أن يتحقق بإبقاء السلاح خارج سلطة الدولة الشرعية أو بتحويله إلى قوة فوق الدولة والمجتمع.

التمهّل في زمن الغَيبة: قراءة في موقف الإمام الصادق (ع)

في خضمّ الدعوات المتكرّرة للثورات المسلحة واستعجال التغيير السياسي، نقف عند موقف بالغ الأهمية في تاريخ الفكر الإمامي، نقله مأمون الرقي يُظهر حكمة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في التعامل مع الحماسة غير الواعية لبعض الأتباع. دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) سهل بن الحسن الخراساني، وقال له: «يا ابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقٌّ تقعد عنه، وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟

فأجابه الإمام «اجلس يا خراساني، رعى الله حقك، ثم دعاه إلى اختبار عملي للإيمان والثقة، وأمر أحد أصحابه المخلصين، هارون المكي، بالجلوس في تنّور مشتعل، فامتثل دون تردّد ثم قال له الإمام:

«كم تجد بخراسان مثل هذا؟»

قال الخراساني: ولا واحداً

فأجابه الإمام الصادق (ع):لا والله، ولا واحداً. أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا .نحن أعلم بالوقت.

هذه الرواية تُبيِّن أن القيادة المعصومة لا تُقيم مشروعها بناءً على العدد أو الحماسة، بل على الوعي والتمحيص والثقة الكاملة بالمبدأ والزمن الإلهي. وقد أكّد الإمام على مبدأ جوهري: أن التغيير لا يخضع لعجلة الناس، بل لحكمة الله وتقديره، وهذا ما ورد في روايات أخرى عنه (ع): إن الله لا يُعجِّل لعَجَلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من .زوال ملكٍ لم ينقضِ أجله.

تأملات معاصرة: فكر إصلاحي في الغيبة

في ذات السياق، يتخذ بعض المفكرين الإصلاحيين في الحوزة موقفًا عقلانيًا متزنًا، محذّرين من التعلّق المفرط بعلامات الظهور والانشغال بالغيبيات، دون وعي بمسؤوليات الإنسان في واقعه الحاضر. ففي كتاب زبدة التفكير في رفض السب والتكفير (ص178)، يُحذَّر من المبالغة في الانشغال بالغيبيات .على حساب الواجبات الشرعية الحاضرة.

“وأما الحديث عن علامات ظهور الإمام المهدي واللقاء به والتواصل معه، فلا نرى فيه كبير فائدة خصوصاً وأن أكثر الأخبار التي تحدّثت عنها ضعيفة السند، لا يصحّ العمل بها والاستناد إليها… وفي الحديث المشهور: (كذب الوقّاتون)، وفيه أيضاً (إن الله لا يستعجل لعجلة العباد). وهذه الأخبار لا تغيّر شيئًا من التكاليف الشرعية الملقاة على عاتقنا، في إقامة الفرائض والعبادات، والسعي إلى تحقيق العدل في مجتمعاتنا، بالأمر بالمعروف والنهي .عن المنكر، والدعوة إلى وحدة الكلمة، ونبذ الفتنة فإن طلب العدل بالظلم لا يستقيم ولا يقوم والحكم مع .الجور لا يدوم، ولا يرضى به الحيّ القيّوم.

وعندما قال امير المؤمنين عليه السلام: “بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهرًا مشهورًا أو خائفًا مغمورًا”، لم يكن بذلك يبرر قيام سلطة موازية باسم الغيب، بل يؤكد بقاء الحجة في مقامها الإلهي، بعيدًا عن التمثيل التنفيذي في زمن الغيبة. فالحجة قائمة، نعم، لكنها قائمة لله بالحجة، لا قائمة على الناس بالسيف. وليس من وظيفتها، في زمن الغيبة، التصدّي لإدارة شؤون الدولة أو مصادرة إرادة الأمة. بل تبقى شاهدة على الحق مرشدة إليه، لا متسلطة على العباد باسم النيابة أو التمثيل. ومن ثم، فإن وجود الحُجة في حال الغيبة لا يقتضي نيابة تنفيذية، ولا يستلزم ولايةً عامة، ما لم ينهض على ذلك دليل شرعي خاص وصريح.

اقرا ايضا: سعيد بو راشد لـ«جنوبية»: 10 عيوب في الترسيم البحري مع قبرص ولبنان سيخسر حقوقه البحرية

السابق
الصحف الإيرانية: محاولات عُمانية لإحياء المفاوضات بين واشنطن وطهران
التالي
نظام الولي… بين الفقه والسياسة في زمن الفوضى