لم تكن كلمات الوزير الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مجرّد سقطة عابرة في زحمة التصريحات السياسية، ما قاله الرجل حين سخر من السعودية قائلاً: “استمرّوا في ركوب الجِمال في الصحراء” هو تعبير عارٍ عن ذهنية متأصلة في بعض أركان المؤسسة الإسرائيلية، ذهنية تعتبر التفوّق العنصري جزءًا من هوية الدولة، لا من تاريخها فقط.
هذه ليست زلة لسان، إنها جرح نازف في وجه الخطاب الإسرائيلي الذي يحاول منذ سنوات التجمّل بعبارات السلام والتطبيع والتعايش، بينما في جوهره لا يزال يضمر ازدراءً لكل ما هو عربي.
واللافت أنّ سموتريتش لم يُهِن السعودية وحدها، لقد وجّه سهامه إلى كلّ عربي يرى في كرامته مبدأً لا بندًا تفاوضيًا، وإلى كلّ إنسان يرفض اختزال السلام في صفقةٍ تجارية على حساب العدالة.
من يتحدث بهذه النبرة لا يملك مشروع دولة، بل يعيش وهم السيطرة الأبدية. فإسرائيل التي تدّعي الديمقراطية، تنكشف في مثل هذه اللحظات على حقيقتها، كيان لم يتصالح بعد مع محيطه، لأنه لم يتصالح مع ضميره.
لم يخرج من عقلية الاستثناء، ولا يزال يتعامل مع المنطقة كأرضٍ بلا ذاكرةٍ وشعوبٍ بلا حق.
الصحراء… مهد الحضارة لا موطن الجهل
حين يسخر مسؤول من الصحراء، فهو يفضح جهله بالتاريخ، تلك الصحراء التي يعتبرها فراغًا كانت مهدًا للحضارة، موطن أول الأبجديات، ومنبع الرسالات.
من رمالها وُلدت فكرة العهد، والقانون، والكرامة، ومن جبالها عبرت القوافل التي ربطت الشرق بالغرب، قبل أن يُعرف مصطلح طريق الحرير.
أما اليوم، فهي أرضٌ تُصدّر الطاقة وتقود التحولات الاقتصادية والسياسية في العالم، فمَن هو المتخلّف حقًا؟ من يسخر من جذورنا أم من يعيش عقدة احتلالٍ لا يستطيع أن يتجاوزها؟
السعودية التي استُهدفت بالكلمة، لم تردّ بالكلمة، بل بموقعها.
هذه الدولة التي تُتّهم أحيانًا بالمحافظة، تمارس اليوم سياسة التوازن والقوة الهادئة، وتفرض حضورها في ملفات المنطقة والعالم من موقع المبادرة لا التابع.
ولبنان، رغم أزماته، يدرك تمامًا معنى هذا النوع من الخطاب، فقد جرّب الاحتلال وعرف لغة الغطرسة ذاتها، وتعلّم أن العدو لا يتغيّر بزيٍّ دبلوماسي.
حين يسخر مسؤول من الصحراء، فهو يفضح جهله بالتاريخ، تلك الصحراء التي يعتبرها فراغًا كانت مهدًا للحضارة، موطن أول الأبجديات، ومنبع الرسالات.
عنصرية الخطاب الإسرائيلي… وفضيحة القوة بلا أخلاق
الخطير في تصريح سموتريتش أنه يعكس رؤية متكاملة أكثر مما يبدو، فحين يقول إنه لن تقوم دولة فلسطينية أبدًا، فهو لا يتحدث بصفته وزيرًا متطرفًا فحسب، بل بصفته ممثلًا لعقلٍ سياسي يريد إغلاق ملف التاريخ لصالح القوة، يرفض فكرة الشعب الفلسطيني لأنها ببساطة تنقض سردية الأرض الموعودة التي تبرر الاحتلال.
وهذا يعني أن التطبيع بالنسبة له ليس طريقًا إلى السلام، بل وسيلة لتطبيع الظلم نفسه.
لكنّ المفارقة أن إسرائيل، كلّما ظنّت أنها تقترب من شرعنة وجودها في المنطقة، يخرج أحد مسؤوليها ليُعيدها إلى نقطة البداية، إلى صورتها الأصلية: دولة تتغذّى على نفي الآخر.
فهل هناك ما هو أكثر انتحارًا سياسيًا من أن تُهين الشعوب التي تسعى إلى إقامة علاقاتٍ معها؟
حتى اعتذار سموتريتش المتأخر لم يحمل شجاعة الاعتراف، بل تبريرًا متعاليًا: كلماتي كانت في غير محلها، وكأنّ المشكلة في التوقيت لا في المضمون.
هذه هي المعضلة الإسرائيلية المستمرة: القدرة على التراجع التكتيكي دون مراجعةٍ أخلاقية، والاعتذار بلا ضمير.
في المقابل، ما تحتاجه منطقتنا ليس ردًّا انفعاليًا على التصريحات، بل ترسيخ وعيٍ سياسي جديد، فالقوة اليوم لا تُقاس بالصوت المرتفع ولا بعدد البيانات، بل بوضوح الرؤية.
ومن الواضح أن العرب، من الخليج إلى المشرق، لم يعودوا كما يريد سموتريتش أن يتخيلهم شعوبًا تُقاد بالإهانة، إنهم اليوم جزء من معادلات الطاقة والاقتصاد والسياسة العالمية، يتعامل معهم العالم بندّيةٍ واحترام، بينما يكتشف اليمين الإسرائيلي أنه يفقد لغته القديمة.
لقد تغيّر الزمن، ولم تعد العنصرية مجرّد رأيٍ يُمرّر. في عالمٍ مترابطٍ ومكشوف، كل كلمة تُكلّفك موقعًا.
وإسرائيل، التي تحاول التمدّد سياسيًا عبر التطبيع، تُضعف نفسها كلّما تكلّمت بهذا الغرور، فالدبلوماسية ليست ميدان استعراض، بل امتحان للوعي، ومن يسخر من الآخرين يفشل فيه قبل أن يبدأ.
لبنان، الذي عرف معنى الإهانة والاحتلال، لا يُدهش من هذا الخطاب، لكنه يقرأ فيه إنذارًا جديدًا: السلام الذي لا يقوم على الاحترام والعدالة، هو حربٌ مؤجلة.
والسعودية التي كانت هدف السخرية، خرجت من الامتحان أكثر ثباتًا، لأنها لم تُسقِط نفسها إلى مستوى المهانة.
العرب من الخليج إلى المشرق، لم يعودوا كما يريد سموتريتش أن يتخيلهم شعوبًا تُقاد بالإهانة، إنهم اليوم جزء من معادلات الطاقة والاقتصاد والسياسة العالمية، يتعامل معهم العالم بندّيةٍ واحترام
أما سموتريتش، فسيبقى نموذجًا حيًا لما يحاول الخطاب الإسرائيلي التهرب منه، وهو أن القوة بلا أخلاق تتحول إلى عبء، وأن العنصرية لا تصنع دولة بل تُفككها من الداخل.
التاريخ لا يرحم المتعجرفين، ومن يستهين بالصحراء سيكتشف عاجلًا أنها لا تغفر لمن يخطئ في حقها، فالرمال تحفظ كل شيء، لكنها لا تنسى الإهانة.
اقرا ايضا: فضيحة تهزّ «الجامعة اللبنانية»: تزوير علامات لطلاب كويتيين يُطيح بمدير كلية الحقوق!

