وُلِد “لبنان الكبير” في بداية عشرينيّات القرن العشرين. وحول هذه الولادة، يتمحور الكتاب الصادر حديثًا، في طبعته الأولى لعام 2025، عن “دار رياض الرّيّس” في بيروت، تحت عنوان: “نشؤ لبنان الكبير 1920”.
“نشؤ لبنان الكبير” هو كتابٌ اشترك في تأليفه سبعة مؤلِّفين هم: فوّاز طرابلسي، مروان بحيري، بيار نقّاش، محمد السعيدي، سيمة فرح، يوسف المُرّ، وجانينا سانتر.
وقدّم لهذا الكتاب رئيس تحرير مجلّة “بدايات” فوّاز طرابلسي، ونورد هنا نصّ التقديم، وهو نصٌّ يحمل العنوان الذي أعطاه طرابلسي للكتاب: نشوء لبنان الكبير 1920.
يضمّ هذا الكتاب موادّ الملفّ الذي نشرته مجلّة “بدايات” في عددها الخاص بمئويّة ولادة “لبنان الكبير”. وقد غطّت على الاحتفال بالحدث كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب / أغسطس 2020، مع أنّه لم يشكِّل حافزًا لإنتاجٍ غزير حول الحدث التاريخي، ولا حول قرنٍ من حياة لبنان.
غامرنا بإحياء المناسبة من خلال المزيد من الإضاءة على الحدث ذاته، والسعي لملء عددٍ من الثغرات الفاغرة عنه، وأبرزها ما يتعلّق بالتأريخ الاقتصاديّ-الاجتماعيّ المُهمَل والمكبوت.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: الحدث، الأوائل، البدايات.
أولًا: الحدث
يركّز القسم الأوّل على الحدث، حيث ننشر مرسوم تأسيس “لبنان الكبير” الذي أصدره الجنرال هنري غورو في 31 آب / أغسطس 1920، ونترجم خطابه في الاحتفال بالحدث مع تعقيبٍ عليه بما هو عيّنة معبّرة عن الفكر الكولونيالي الفرنسي.
يترافق ذلك مع لعبة الخرائط التي تُسجِّل تحوّل متصرّفية جبل لبنان (1861 – 1915) إلى “لبنان الكبير” عامي 1920 و1923 بعد رسم الحدود الجنوبيّة.
يسعى بحثُ فوّاز طرابلسي عن دور الاقتصاد والطوائف في إنشاء “لبنان الكبير” لإعادة الاعتبار لعمليّةٍ قامت على الجدل بين الدفاع عن المصالح الاقتصادية الاستعمارية الفرنسية في عموم سورية من جهة، وتطبيق سياسة استخدام الأقليّات الدينية المسيَّسة في السيطرة الاستعمارية من جهة أخرى.
فكان ثمن التوفيق بين هذين العاملين إطاحةَ فكرة “لبنان الوطن المسيحيّ” لصالح نظامٍ هجينٍ من التمثيل الطائفيّ لا يزال يتحكّم بمصائر لبنان إلى أيّامنا هذه.
ثانيًا: الأوائل
في هذا القسم، أُفسِح المجال للتعريف بـ”الأوائل” الذين لعبوا أدوارًا رئيسة في تصوّر “لبنان الكبير” ونظامه الاقتصاديّ والسياسيّ وعلاقاته العربية والدولية، بمثل ما أسهموا بالدعوة والنضال من أجل قيامه.
يتميّز بولس نجيم بأنّه صاحب “المسألة اللبنانية”، الكتاب الرائد في تصوّر كيانٍ لبنانيّ يضمّ الساحل وسهلي عكّار والبقاع إلى متصرّفية جبل لبنان. عنه يكتب مروان بحيري في بحثٍ مستفيض.
يحضر الكاتب ورجل الأعمال جميل معلوف – “الشهيد الحي” بين شهداء 1916 – بصفته داعية الاستقلال العربي، ومن أوائل المبادرين بالدعوة إلى الاتحاد العربي في ظلّ نظامٍ علمانيّ.
أما المهندس والاقتصادي ألبير نقّاش، فهو صاحب رؤية ترى في الاستقلال الاقتصادي قاعدةً للاستقلال السياسي. وقد قدّم نقّاش آراءً وأبحاثًا قيّمة في سبيل سيطرة لبنان على ثرواته الزراعية والمائية، وإليه ندين بمشروعٍ مبكر لبناء السدّ على نهر الليطاني.
الصحافي خيرالله خيرالله شخصية فاعلة ومتعدّدة الأوجه والنشاطات، لا تزال كتاباته ومبادراته في تلك الفترة مجهولة إلى حدّ كبير. وهو الإصلاحي الذي عُرف بمناهضة الإقطاع، وإثارته المسألة الاجتماعية، واهتمامه بالتعليم، وانحيازه “إلى الشعب المستغَل والمقموع” حسب تعبيره. وبوحي ذلك، شارك في أوّل احتفال بعيد العمّال، وأسّس أوّل حزبٍ اشتراكيٍّ عربيّ.
أما الوجيه سليمان كنعان، فكان ممثّلًا لمنطقة جزين في “مجلس إدارة جبل لبنان”، وعضو وفد المجلس الذي اعتقلته سلطات الانتداب في طريقه إلى مؤتمر الصلح للمطالبة باستقلال لبنان. حُكم عليه بالنفي مع زملائه إلى كورسيكا وباريس. وكنعان معروف بمذكرةٍ شهيرة إلى مؤتمر السلام في الولايات المتحدة، يؤكد فيها أنّ مسيحيّي لبنان في مأمن مع جيرانهم المسلمين أكثر منهم في ظلّ الحماية الأوروبية.
وقد يميل المرء إلى اعتبار عارف النعماني نموذجًا عن “البرجوازية الوطنية” في ذلك الزمان. من المؤكّد أنّه كان مناضلًا وطنيًّا في سبيل القضية العربية، كما يظهر في بحث المؤرخ محمد السعيدي. لكنه تفرّد بنشاطه الاقتصادي العابر للأوطان – بين أقمشة مانشستر، ومشاريع الريّ في العراق، والتجارة في الجزيرة العربية، وغيرها – حيث تقع معظم مشاريعه الاقتصادية خارج ميادين الإنتاج.
ويُختَم هذا القسم بـ المحامي والكاتب يوسف السودا، أحد أبرز دعاة الاستقلال عن فرنسا، والرائد في الدعوة إلى ميثاقٍ وطنيّ منذ الثلاثينيات بين اللبنانيين، وقد ترك بصماته على ميثاق بشارة الخوري ورياض الصلح عام 1943.
ثالثًا: البدايات
في القسم الثالث عن البدايات الاقتصادية والتشريعية والسياسية، تقدّم الجامعية سيما فرح دراسةً مبنية على الأرشيف الفرنسي، تتناول المراحل التمهيدية لصياغة دستور الجمهورية اللبنانية عام 1926، وتعرض تقلّبات المفوّضين السامين في موقفهم من دور اللبنانيين في صياغة القانون الأساسيّ وفي المؤسّسات التمثيلية اللبنانية.
لعب خطّ سكة الحديد بين بيروت ودمشق دورًا أساسيًّا في قيام المحور التجاري الكولونيالي الجديد الذي حوّل بيروت إلى ميناءٍ لسائر سورية، وشكّل أحد مرتكزات الاستعمار الفرنسي على لبنان وسورية. يروي الباحث يوسف المرّ دخول بلدة ريّاق الحداثة من خلال دورها كمحطةٍ أساسية على هذا الخطّ.
وفي مجرى الاهتمام بزيادة المعارف في التاريخ الاقتصادي-الاجتماعي، ننشر دراسة مروان بحيري عن بيروت في الاقتصاد السياسي للانتداب الفرنسي. ويسرّنا نشر نصٍّ ثانٍ من نتاج هذا المؤرخ المميّز الذي رحل باكرًا ولم تَلقَ أبحاثه ومؤلفاته ما تستحقّه من نشرٍ ودراسةٍ واستلهام.
وكأنّما في توسيع ما ورد عند بحيري، نختم بدراسةٍ مستفيضة للباحثة الجامعية جانينا سانتر عن نشوء القطاع السياحي وولادة نموذج “لبنان سويسرا الشرق”.

