يرى الصحافي الفرنسي جورج مالبرونو أنّ اغتيال حسن نصرالله ونائبه هاشم صفي الدين في خريف عام 2024 شكّل الضربة الأقسى في تاريخ حزب الله، إذ أدخل التنظيم في حالة انهيار وفوضى داخلية غير مسبوقة. فبعد أن فقد رأسه السياسي والعسكري في ضربة واحدة، عاش الحزب أيامًا من الارتباك والشلل التام، قبل أن يتدخّل الحرس الثوري الإيراني، بقيادة إسماعيل قاآني، لإعادة تركيب ما تبقّى من بنيته العسكرية والتنظيمية.
يصف مالبرونو المرحلة الأولى بأنها كانت «غيبوبة تنظيمية»، حيث عاش القادة بين الخوف والتخبّط، في ظل فراغ سياسي كامل وانهيار في الاتصالات والأوامر. ثم بدأت عملية “الإنعاش الإيراني”، التي أعادت جزءًا من السيطرة عبر تعيين قيادة ميدانية شابة تابعة مباشرة لطهران.
يُبرز الكاتب أنّ هذه المرحلة رافقها نقد ذاتي صامت داخل الحزب، إذ وُجّهت أصابع الاتهام إلى نصرالله نفسه بسبب سوء تقديره في الدخول إلى الحرب إلى جانب حماس بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فبحسب المصادر التي ينقل عنها مالبرونو، كان القرار إمّا أن يخوض الحزب الحرب كاملة أو يبقى خارجها، أما التورّط المحدود فكان كارثيًا، إذ أدّى إلى تدمير الجنوب اللبناني ومقتل آلاف المقاتلين من دون تحقيق أي مكسب سياسي أو عسكري.
إقرأ أيضا:مهلا.. لبنان ليس مدعواً للتفاوض مع إسرائيل
يُشير المقال أيضًا إلى اختراق إسرائيلي واسع لأجهزة الحزب، سمح بتعقّب قادته وتصفيتهم. ومن أبرز الأمثلة، اغتيال فؤاد شكر بعد أن رُصد عبر علاقة شخصية، ما أثار موجة سخرية داخلية كشفت حجم الانهيار المعنوي.
بعد عام من هذه الأحداث، يرى مالبرونو أنّ الحزب تغيّر جذريًا. فبينما يتحدّث قادته عن “صمود”، الحقيقة بحسبه أنّ الحزب انتقل من مرحلة “المقاومة الهجومية” إلى وضع دفاعي لبناني بحت، أي أنّه فقد دوره الإقليمي لمصلحة إيران التي باتت تمسك بخيوط اللعبة مباشرة. القيادة الجديدة – بقيادة نعيم قاسم – تبدو أضعف وأكثر بيروقراطية، بينما الميدان يُدار من ضباط إيرانيين ومستشارين من “فيلق القدس”.
يتوقّف الكاتب أيضًا عند التحوّل الجغرافي للحزب، إذ نقل جزءاً كبيراً من عملياته وتدريباته إلى منطقة البقاع، في ظلّ تدمير واسع للجنوب اللبناني وعودة قسم كبير من مقاتليه إلى الحياة المدنية. كما يتناول الأزمة الاقتصادية التي تعصف بتمويل الحزب بعد تشديد المراقبة على المطار والمرافئ، وتراجع الدعم الإيراني المالي، ما انعكس مباشرة على رواتب عناصره ومؤسساته الاجتماعية.
من وجهة نظر مالبرونو، لم يعد حزب الله اليوم سوى “ظلٍّ لما كان عليه”، إذ تآكلت قدرته العسكرية وتراجعت هيبته السياسية، لكنه لم يُهزم بالكامل. فالحزب – برأيه – أعاد التموضع كقوة سرّية دفاعية تحافظ على وجودها بانتظار ظرف إقليمي يسمح لها بالعودة إلى المسرح.
تحليل مالبرونو يستند إلى شهادات ميدانية ومصادر لبنانية داخلية، لكنه يُقدّم الحزب من زاوية نقدية أوروبية واضحة، تصوّره كتنظيم يعيش على الدعم الإيراني ويُعيد إنتاج نفسه كـ«ميليشيا محلية تحت وصاية خارجية». ومع ذلك، يعترف الكاتب أنّ الحزب ما زال يحتفظ بقدرة لافتة على البقاء والتكيّف، حتى بعد خسارته أبرز رموزه وركائزه.
باختصار، يقدّم المقال صورة عن نهاية مرحلة نصرالله وبداية مرحلة حزب الله المتحوّل: أضعف من أن يهاجم، لكنه ما زال قويًّا بما يكفي ليمنع سقوطه الكامل.
(تجدون أدناه المقال كاملا نقلا عن لو فيغارو)

