في خضمّ محاولات لبنان لتفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، برزت مبادرة قائد الجيش العماد جوزاف عون كخطوة سياسية ــ أمنية تسعى إلى تحريك المياه الراكدة في مفاوضات الناقورة. المبادرة، بحسب رئيس الوزراء نواف سلام، تهدف إلى استدراج واشنطن للعب دور الوسيط الفاعل بين بيروت وتل أبيب، وإعادة تفعيل قناة التفاوض غير المباشر برعاية هيئة الرقابة الدولية بقيادة الجنرال الأميركي مايكل ليني.
سلام أوضح في حديث إلى صحيفة الشرق الأوسط أن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود بسبب رفض إسرائيل الالتزام بوقف الأعمال العدائية المنصوص عليه في اتفاق 2024، مقابل التزام لبنان الكامل ببنود الاتفاق. ومن هنا، تأتي المبادرة لتفتح ثغرة سياسية يمكن أن تعيد الروح إلى القرار الدولي 1701 وتؤسس لمرحلة جديدة من ترسيم الحدود وترسيخ الهدنة التاريخية الموقعة عام 1949.
تحذيرات أميركية: “هدوء هش بلا سلام”
لكن هذه المبادرة تواجه تشاؤماً أميركياً عبّر عنه المبعوث توم براك، الذي لم يتردد في وصف اتفاق 2024 بأنه “فشل في تحقيق سلام حقيقي”. براك حذّر من أن لبنان يعيش حالة “هدوء هش بلا سلام، وجيش بلا سلطة، وحكومة بلا سيطرة”، مشيراً إلى أن غياب آلية تنفيذ مباشرة بين إسرائيل وحزب الله، واستمرار الدعم الإيراني للحزب، والانقسام داخل المؤسسات اللبنانية، يجعل من الهدنة الراهنة مجرد استراحة مؤقتة بين حربين.
وأضاف أن أي تأخير في معالجة هذا الجمود قد يؤدي إلى انفجار عسكري واسع، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في أيار 2026، محذّراً من أن تأجيلها بذريعة الحرب سيقود إلى انهيار سياسي شامل وعودة الفوضى الطائفية. وذكّر براك بأن انتفاضة 2019 قد تعود إلى الواجهة، ولكن في ظروف أشدّ قسوة هذه المرة.
الرهان على واشنطن وفسيفساء السلام
رغم هذا المناخ القاتم، يرى براك أن الأفق الإقليمي بدأ يشهد تحوّلاً منذ “قمة شرم الشيخ” في 13 تشرين الأول 2025، التي رسمت معالم مرحلة جديدة من الاستقرار برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويعتبر المبعوث الأميركي أن لبنان وسوريا يمثلان “الحلقتين المفقودتين في فسيفساء السلام” الممتدة من غزة شمالاً، ما يعني أن أي انفجار جديد في الجنوب سيُطيح بمشروع السلام الإقليمي قبل أن يكتمل.
وفي المقابل، تراهن الحكومة اللبنانية على أن تلقى مبادرة عون صدى إيجابياً في واشنطن، وأن تؤدي إلى تحريك المسار الدبلوماسي قبل أن تنزلق الأمور إلى مواجهة مفتوحة لا يريدها أحد.
مشهد داخلي مأزوم وانقسام سياسي
على الصعيد الداخلي، لا يبدو المشهد السياسي أقل توتراً. فلقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون برئيس مجلس النواب نبيه بري مرّ وسط تصعيد كلامي بين الأخير ورئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع. فقد اتهم جعجع بري بمحاولة “اختزال المجلس النيابي بشخصه” وخرق مبدأ الأكثرية البرلمانية، بينما ردّت عين التينة نافيةً ما نُسب إلى رئيس المجلس ومعتبرة أن “الجواب إلى جعجع هو في الوقائع لا في الادعاءات”.
هذا التراشق يعكس هشاشة الوضع السياسي في مرحلة تحتاج إلى أعلى درجات التفاهم الوطني، لا سيما في ظل تصاعد التهديدات الإسرائيلية واستمرار الشلل الحكومي والإداري الذي أكده تقرير رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية خلال لقائه الرئيس.
غارات في الجنوب… وهدوء معلّق
في الميدان، بدا أن التطورات تسابق الجهود الدبلوماسية. فبعد تحليق مكثّف للطيران الإسرائيلي فوق الجنوب وبيروت وضاحيتها، شنّ الطيران الحربي غارات على مناطق الجرمق والمحمودية في إقليم التفاح، تلتها أخرى على جبل الريحان في قضاء جزين. وأعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أنه استهدف “مواقع تابعة لحزب الله”، في خرقٍ واضح للهدنة المعلنة.
هكذا، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام معادلة صعبة: مفاوضات مجمّدة في الناقورة وغارات متجددة على الأرض، ومبادرة لبنانية تحاول كسب الوقت بانتظار تجاوب واشنطن. لكن، حتى إشعار آخر، يبقى الهدوء الراهن في الجنوب هدوءاً معلّقاً بين الحرب والسلام.
اقرا ايضا: براك يدق ناقوس الخطر.. ولبنان يراهن على مبادرة عون لتفادي الحرب

