الثورة ليست هدفاً ولا هي وسيلة، إنها روحية ترفض الظلم وآلية تعبير ضد واقع غير مقبول، وضد أشخاص وجماعات يعتبرون أنفسهم أعلى من القانون Untouchables.
الثورة ليست آلية لكسر القوانين، بل لإصلاحها ولإصلاح مفاعيلها إذا ما كانت ظالمة!
الثورة ليست آلية شغب، بل هي آلية لإيقاظ الضمائر والوعي ضد سلطة تمنع الإصلاح باسم منع الشغب!
صحيح أن المشاكل الإقليمية أكبر من القدرات اللبنانية على المواجهة منفردةً، في ظل تخطيط وتنفيذ القوى العظمى في العالم.
ولكن ثورة 17 تشرين ثارت في وجه الفساد والفاسدين، في وجه السارقين، في وجه الطائفيين والمذهبيين، في وجه انهيار الدولة وانهيار إدارتها، وفي وجه التخلي عن السيادة… بهدف واحد، وهو إعادة بناء الدولة على أسس المساواة والعدالة الاجتماعية.
في ميزان النقد: أسباب يُقال إنها وراء “فشل” الثورة
يحب البعض أن يزعم أن ثورة 17 تشرين قد فشلت لأنها:
لم تحقق ما كانت تطرحه من أهداف، أو ما كان يجب أن تحققه ميدانياً، وكان من المفترض بها أن تصل إلى السلطة لتقوم بالتغييرات المطلوبة.
لم تنجح في أن تصبح هي السلطة مباشرة بقياداتها المعروفة. ويعتبر هذا البعض أن ما يمكن أن يتحقق من أفكارها على غير يدي ناشطيها وكأنه لم يتحقق!
لم تنجح في الانتخابات النيابية الماضية، أو أن المشاركة في تلك الانتخابات كان خطأً!
في حين أن الأرقام الانتخابية كشفت دعم اللبنانيين الكبير لها، وإن كانت الممارسات النيابية لبعض النواب الذين كان من المفترض أن يحملوا رايتها، قد خذلت معظم اللبنانيين لاحقاً!
ويعيش البعض من الناشطين في حالة نكران، وهو لا يريد أن يقبل أن الموجة الثورية الأولى قد انتهت عشية الانتخابات النيابية الماضية!
فشلت بسبب انسحاب الأحزاب، والذي أدى إلى فشل الثورة، وهو ما يوحي أن ناشطي الأحزاب هم الذين كانوا الغالبية في الشارع!
في حين أوضحت الأرقام الانتخابية النيابية أن أرقام الثورة فاقت أرقام حزب الله، وفاقت أرقام الأحزاب المسيحية مجتمعة!
تمسكت بشعار “كلن يعني كلن”!
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أقول: “كلن يعني كلن”، بالإرادة نفسها أن يكون الجميع تحت القانون، بالمساءلة والمحاسبة؛ مساءلة ومحاسبة القضاء المستقل. ومن دون أن يمارس كثيرون الطوباوية باعتبار أنفسهم أكبر من المساءلة!
ثورة مستمرة: ما تحقق فعلاً وما ينتظر
إن قناعتي الشخصية أن الثورة نجحت في خطواتها الأولى، وإن كانت الطريق طويلة، وهي تستمر بأساليب مختلفة، وليس فقط بالنشاطات والتحركات. وذلك بانتظار الإصلاح، أو بانتظار ظروف مختلفة أو لحظة مناسبة أخرى Momentum.
لا يحب البعض الاعتراف مثلاً أن برنامج الثورة “الموحد”، والذي عملنا على توحيده طويلاً في “اتحاد ساحات الثورة”، تحول بكامله إلى “خطاب قسم” الرئيس جوزيف عون.
كما لا يحب البعض الاعتراف لثورة 17 تشرين بدورها في وصول الرئيس نواف سلام إلى رئاسة الحكومة.
وهذا التغيير في الأسلوب والأداء على مستوى السلطة التنفيذية، ولو بشكل غير كامل، هو خطوة كبرى باتجاه ما طمحت إليه ثورة 17 تشرين. وما كان ليحدث من دونها، وإن كانت الطريق ما تزال طويلة وشائكة.
وقد كنت شخصياً أول من سمّى القاضي نواف سلام، بمقابلة تلفزيونية غير معروفة من العموم آنذاك، لرئاسة الحكومة غداة استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري.
ولا يريد هذا البعض الاعتراف أن العمل السيادي للحكومة ولرئيسها هو من محاصيل ما زرعته ثورة 17 تشرين.
ومن غير المقبول عدم الاعتراف بتحسن الأداء الحكومي الحالي بالنسبة للحكومات السابقة، انطلاقاً من بيانها الوزاري “السيادي”، مروراً بقرارات حصر السلاح بيد الدولة، ورفع الشرعية عن سلاح حزب الله، وإنهاء ثلاثيته، وإطلاق العمل في عدد كبير من المجالات التي ما تزال في بداياتها ولكنها على السكة الصحيحة، مثل استقلال القضاء ووضع آليات رقابة وإدارة مثل الهيئات الناظمة…
يمكن الاختلاف مع الحكومة الحالية في كثير من الأمور، ولكن لا يمكن اتهامها بالفساد!
بالتأكيد، هناك أمور لم تصل إلى المستوى المطلوب بعد؛ في إعادة أموال المودعين، وفي السياسة الضريبية، وفي محاربة الفساد، وفي استقلال القضاء (القانون عالنار)، وفي إطلاق حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة من السجن، وفي التحقيق في تفجير المرفأ، وفي الذهاب إلى اللامركزية الإدارية، وفي الذهاب إلى دولة مدنية، وفي الماء والكهرباء والاستشفاء…
الثورة نجحت في خطواتها الأولى، وإن كانت الطريق طويلة، وهي تستمر بأساليب مختلفة، وليس فقط بالنشاطات والتحركات. وذلك بانتظار الإصلاح
كما زعزعت حادثة الروشة التي صممها ونفذها حزب الله الثقة بين القيادة التنفيذية للبلاد وبين الشعب اللبناني!
ومع ذلك، وبفضل ثورة 17 تشرين التي زرعت أفكاراً جديدة لبناء دولة مدنية غير طائفية، أصبح الوصول إلى دولة مدنية ممكناً وليس بعيداً!
وبفضل تحركات ومواجهات ناشطي 17 تشرين أصبحت الرقابة الشعبية، كما المساءلة والمحاسبة، ممكنة، وأصبح الوصول إلى قضاء مستقل هدفاً ليس بعيد التحقق!
بفضل تغيير ثورة 17 تشرين في الذهنيات، كثير من الأمور المستحيلة أصبحت ممكنة في المستقبل القريب.
بفضل ثورة 17 تشرين أصبح من المستحيل أن يتكرر جيل قادة الحرب والميليشيات في الحياة السياسية اللبنانية، ومن المستحيل أن يتكرر جيل الفاسدين في مصرف لبنان وفي المصارف، ومن المستحيل أن تتكرر السرقات المالية وسرقات مقدرات البلاد… المعركة أصبحت اليوم أكثر سهولة في هذه المجالات، وهامش المناورة لمن واجهتهم الثورة أصبح ضيقاً، فالكل أصبح تحت مجهر اللبنانيين!
كثيرة هي الأمور التي أرادتها ثورة 17 تشرين، وهي ستتحقق خلال عشرات السنوات على الأكثر.
يريد البعض من ناشطي ثورة 17 تشرين ومن خارجهم أن تحصد الثورة ما زرعته في أشهر قليلة، في حين أن حصاد الثورة الفرنسية، وهي الثورة الأشهر في التاريخ، احتاج إلى أكثر من 80 سنة.
وبفضل تحركات ومواجهات ناشطي 17 تشرين أصبحت الرقابة الشعبية، كما المساءلة والمحاسبة، ممكنة، وأصبح الوصول إلى قضاء مستقل هدفاً ليس بعيد التحقق!
تجارب الثورات الأخرى ودروس المستقبل
في نشاطات الأرض لـ”اتحاد ساحات الثورة”، على سبيل المثال، أنجزت ثورة 17 تشرين الكثير على الأرض. وكانت مجموعتنا، التي أسستها مع الأصدقاء، أي “اتحاد ساحات الثورة”، هي المجموعة الأكبر والأكثر فعالية في التحركات التنفيذية الميدانية الاعتراضية على كل الأراضي اللبنانية.
وكان ذلك في إقفال الطرقات في كل لبنان في الوقت نفسه، وفي اقتحام العديد من الوزارات والإدارات، وفي تنظيم التظاهرات والاعتصامات والمسيرات والأنشطة الثورية المختلفة، وفي إقفال كل مراكز “أوجيرو” في كل لبنان في يوم واحد، وفي إقفال كل مراكز ومعامل الكهرباء في كل لبنان في يوم واحد، وفي إقفال كل مصارف لبنان في يوم واحد، وفي إقفال شركتي “ألفا” و”تاتش” في الوقت نفسه…وصولاً إلى تنظيم الاتحاد لعشرات الاجتماعات بهدف توحيد برنامج الثورة، وأكثر من مئة اجتماع وورشة عمل في كل المناطق اللبنانية لتوحيد لوائح الثورة الانتخابية النيابية، كل ذلك بالإضافة إلى التنسيق بين الثورة وبين الإعلام في التغطيات والبرامج الإخبارية…
مجموعات أخرى عديدة قامت بالكثير من النشاطات الميدانية الجيدة أيضاً.
لقد حصل في ثورات أخرى أن تأخر حصادها:
الثورة الفرنسية أعطت نتائجها بعد أكثر من 80 عاماً، وذلك مع وصول الجمهورية الفرنسية الثالثة، في حين لم تكن أولى نتائجها ديمقراطية بل كانت وصول الجنرال نابوليون بونابرت إلى السلطة!
أما الثورة البولشيفية، فهي قتلت حوالى 200,000 شخص في ما عُرف بـ”الإرهاب الأحمر”. وفي الحرب التي نتجت عن استلامها للسلطة، مات جوعاً وقُتل الملايين من الأشخاص في السنوات العشر الأولى لاستلامها هذه السلطة، وهي انتهت بعد حوالى 75 عاماً.
بفضل ثورة 17 تشرين أصبح من المستحيل أن يتكرر جيل قادة الحرب والميليشيات في الحياة السياسية اللبنانية، ومن المستحيل أن يتكرر جيل الفاسدين في مصرف لبنان وفي المصارف
الإصلاح أو الموجة الثورية الثانية
ثورة 17 تشرين غيرت وجه المستقبل، وهذا الوجه سيبدو مشرقاً بعد خروج لبنان من أزماته ومن حربه المقبلة، وفي ظل “دولة قانون” عادلة وقوية.
عندها يمكن الذهاب إلى ثورة إعمارية في كافة المجالات. أما إذا تراجعت “الدولة”، فعندها الموجة الثورية الثانية لثورة 17 تشرين لن تتأخر بالتأكيد!
اقرا ايضا: حراك 17 تشرين 2019 في لبنان: حركة دون بركة..دون محاسبة المسؤولين وحسابهم!

