ارتدادات ايجابية لـ «سلام شرم الشيخ» على لبنان.. والرهان على نجاح الدولة

شرم الشيخ

بينما كانت أنظار الشرق الأوسط والعالم العربي، بل والعالم بأسره، مشدودة إلى “اليوم التاريخي” الذي طبع نهاية حرب غزة وفتح بوابة مرحلة جديدة في المنطقة، توزعت مشاهد الحدث بين تل أبيب وغزة وشرم الشيخ، حيث أُعلن الاتفاق النهائي لوقف النار برعاية أميركية – مصرية – دولية غير مسبوقة.

لكن لبنان، على الرغم من غيابه الرسمي عن قمة شرم الشيخ، بدا في قلب الاهتمام الإقليمي والدولي، سواء لخصوصية موقعه الجغرافي والسياسي، أو لاحتمال أن يكون الحلقة الأقرب لتلقي تداعيات هذا التحول الجيوسياسي الكبير.

فالتدهور الميداني في الجنوب والبقاع الشمالي، والضربات الإسرائيلية المتكررة التي تنذر بمزيد من الاستهدافات، وضعا لبنان أمام اختبار جديد بين الحرب والسلم. ومع أن تساؤلات عدة سرت حول “تغييب” بيروت عن القمة، فإن الإشارة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الكنيست الإسرائيلي، جاءت بمثابة “استدراك دبلوماسي” يعيد لبنان إلى صدارة المشهد.

ترامب: دعم نزع سلاح الحزب وبناء لبنان جديد

في خطاب غير مسبوق بنبرته، قال ترامب إن لبنان يقوم بعمل رائع في نزع سلاح حزب الله، مؤكداً أن الحزب “كان خنجراً في خاصرة إسرائيل وقد أنهيناه”. وأضاف أن بلاده تدعم “نزع سلاح الحزب وحصره بيد الدولة، وبناء دولة تعيش بسلام مع جيرانها”.

لكن العبارة الأبرز كانت في قوله: “نحن نبني مستقبلًا جديدًا… الروابط التجارية التي سننشئها ستكون بين تل أبيب ودبي، بين حيفا وبيروت، بين القدس ودمشق، وبين إسرائيل ومصر والسعودية وقطر”.

هذه العبارات، وإن حملت بعدًا اقتصاديًا وتواصليًا، إلا أنها تُدرج لبنان ضمن مشروع الإقليم الجديد الذي يتشكل على أنقاض حرب غزة، حيث تغدو بيروت جزءاً من منظومة سلام عربية – إسرائيلية – أميركية تتجاوز الحروب وتستثمر في الاستقرار.

في موازاة المشهد الدولي، أطلق رئيس الجمهورية جوزف عون موقفاً وصف بالمفصلي، معلناً “جاهزية لبنان للتفاوض وعدم معاكسة مسار المنطقة”، وداعياً إسرائيل إلى “وقف العمليات العسكرية في لبنان كشرط لانطلاق التفاوض”.

بهذا الكلام، بدا عون وكأنه يرسل رسالة مزدوجة: من جهة، تطمين للمجتمع الدولي بأن لبنان لن يكون العقبة أمام السلام الإقليمي، ومن جهة ثانية، دعوة داخلية لإعادة تعريف موقع الدولة في مرحلة ما بعد حرب غزة، حيث تتجه المنطقة نحو تسويات كبرى.

هذا الموقف تزامن مع تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عزمه على تنظيم مؤتمرين لدعم لبنان قبل نهاية السنة، أحدهما لدعم الجيش والقوى الأمنية، والثاني لإعادة الإعمار. وأشاد ماكرون بقرارات مجلس الأمن التي جددت للقوات الدولية “اليونيفيل”، معتبراً أن “القرارات الشجاعة التي اتخذتها بيروت لتحقيق حصرية السلاح بيد القوات الشرعية تمثل خطوة سيادية ضرورية”.

هكذا بدا أن الموقفين الأميركي والفرنسي يسيران على خط واحد: تعزيز الدولة اللبنانية كإطار وحيد للشرعية والسلاح، وتطويق نفوذ الميليشيات ضمن استراتيجية إعادة ترتيب الشرق الأوسط بعد حرب غزة.

التحركات السورية: من ملف الموقوفين إلى إعادة وصل قضائي – أمني

وفي سياق متصل، زار وفد قضائي سوري برئاسة وزير العدل مظهر الويس بيروت، لبحث ملفات الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، خصوصاً في سجن رومية.

الزيارة، التي جاءت بعد انقطاع طويل، حملت مؤشرات على عودة التواصل المؤسساتي بين بيروت ودمشق، وإن في ملفات تقنية، ما يعكس رغبة الطرفين في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية بطريقة أكثر تنسيقاً.

لكنها أيضاً **تذكير بأن الحدود اللبنانية – السورية تبقى هشة**، وأن الملف الأمني في لبنان لا ينفصل عن عمقه الإقليمي، سواء في سوريا أو في الجنوب.

مخزومي من دار الفتوى: آن أوان الشجاعة لاختيار الدولة

داخلياً، برز موقف النائب فؤاد مخزومي خلال زيارته مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، حيث وصف “اتفاق السلام التاريخي في مصر” بأنه “نموذج يحتذى في الشجاعة والمسؤولية.

وأكد مخزومي أن “لبنان يجب أن يستفيد من هذا المناخ الإيجابي، وأن يقف خلف دولته ومؤسساتها الشرعية، بحيث تكون الجهة الوحيدة التي تمتلك السلاح والقرار”، مضيفاً أن “السلام ليس ضعفاً بل شجاعة ووعي ومسؤولية”.

ودعا “كل القوى السياسية إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وإنهاء ظاهرة الميليشيات حمايةً للوحدة الوطنية والاستقلال”.

كلام مخزومي جاء متناغماً مع الجو الإقليمي الجديد، ومعبّراً عن تحول في المزاج السياسي الداخلي الذي بات يقرأ تجربة غزة على أنها فرصة لبناء دولة قوية قادرة على احتكار العنف المشروع، لا ساحة دائمة لحروب الآخرين.

لبنان أمام مفترق تاريخي جديد

يظهر من مجمل التطورات أن لبنان أمام لحظة تاريخية فاصلة:

إما أن يلتحق بمسار السلام الإقليمي وينخرط في مشروع الدولة والسيادة، أو يواصل الدوران في دوامة السلاح والتبعية التي أرهقته لعقود.

الإشارات الأميركية والفرنسية، ومواقف عون ودريان ومخزومي، كلها ترسم خريطة طريق نحو دولة جديدة تحاول أن تتمايز عن محيطها دون أن تتصادم معه.

في المقابل، لا يزال “حزب الله” على مفترق طريق صعب، بين التمسك بخيار السلاح كعنصر قوة، وبين التسليم لمنطق الدولة كضمانة بقاء.

وما بين رسائل شرم الشيخ، وخطاب ترامب، وموقف عون، تتبلور معادلة لبنان الجديد: دولة تسعى إلى البقاء في زمن التحولات الكبرى، وسلطة تُختبر قدرتها على تحويل الحرب إلى فرصة للسلام والسيادة.

اقرا ايضا: حزب الله.. وثلاثية «السيادة» و«الدولة» و«العيش المشترك»

السابق
بالفيديو: إصابة مدنيين في حاريص بانفجار غامض أثناء قطف الزيتون
التالي
تقدّم في المحادثات اللبنانية – السورية نحو اتفاق قضائي شامل يشمل قضايا الاغتيالات والمخفيين قسراً