شكّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى كلٍّ من تل أبيب وشرم الشيخ حدثاً سياسياً بالغ الأهمية، في توقيتٍ دقيق أعقب نجاح المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب في غزة، والذي شمل إطلاق الأسرى الفلسطينيين وعودة الرهائن الإسرائيليين إلى عائلاتهم.
أراد ترامب أن يكرّس شخصياً ما وصفه بـ”الاتفاق التاريخي”، ساعيًا إلى تسجيل إنجازٍ دبلوماسي جديد يُضاف إلى رصيده على المستويات الأميركية والإقليمية والدولية، فيما بدت المنطقة أمام مشهدٍ جديد من إعادة ترتيب التحالفات ورسم التوازنات.
لكن خلف أجواء الاحتفاء التي أحاطت بالقمة، برزت أسئلة جوهرية حول تغييب عدد من الدول المحورية في الصراع العربي–الإسرائيلي، وعلى رأسها لبنان، الذي غاب بشكلٍ لافت عن مؤتمر شرم الشيخ رغم موقعه المباشر على خطوط التماس مع إسرائيل، ودوره الحيوي في معادلة الاستقرار الإقليمي.
استبعاد ملتبس في لحظة حرجة
تغييب لبنان عن القمة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل مؤشراً إلى رؤيةٍ أميركية ومصرية تهدف، على ما يبدو، إلى حصر المفاوضات ضمن الإطار الفلسطيني–الإسرائيلي الضيّق، وتجنّب تعقيد المشهد بإدخال ملفاتٍ حساسة أخرى من بينها الوضع الحالي بين لبنان وإسرائيل من جهة، وبين سوريا وإسرائيل من جهة ثانية.
إقرأ أيضا: بين مؤتمر شرم الشيخ ومؤتمر وادي الحُجير-2: مأزق شيعي يتكرّر بعد قرن
وأكدت مصادر دبلوماسية في حديث لـ”الجديد”، أن “غياب لبنان عن قمة شرم الشيخ لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل، إذ لم تُوجَّه الدعوات أيضاً إلى عدد كبير من الدول بينها سوريا والعراق وعدد من الدول الخليجية”.
وأوضحت المصادر أن “عدم توجيه الدعوة للبنان لحضور القمة يعود إلى المشكلة الأساسية القائمة بينه وبين إسرائيل، ما يجعل مشاركته معقدة في هذا التوقيت والظرف”.
ومن وجهة نظر مصادر عليمة فإن “فترة السماح الأميركية للبنان قد نفدت، بعد كل الدعم الذي حصل عليه في بداية عهد الرئيس جوزاف عون وما تضمّنه خطاب القسم، ثم تشكيل حكومة الرئيس نواف سلام ومضامين بيانها الوزاري، وعلى الرغم من اتخاذ القرار بحصرية السلاح، بقي لبنان حتى اللحظة عاجزاً عن تنفيذ القرار، وعاجزاً عن تحويل الوعود الرسمية إلى ترجمة عملية على الأرض”.
وتؤكد المصادر “أنه قبل التنفيذ لن يستعيد لبنان ثقة المجتمع الدولي كما لن يستعيد مكانته كدولة، من هنا لم تتم دعوته للمشاركة في القمة العربية-الدولية على الرغم من حضور زعماء فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والعديد من القادة العالميين”.
ومع أن بعض الأوساط في القاهرة ربطت الغياب بعوامل “تقنية” تتعلق بتركيبة المؤتمر وتركيزه على غزة، فإن مصادر دبلوماسية غربية أكدت أن واشنطن فضّلت إبعاد الملفات اللبنانية والسورية عن جدول أعمال شرم الشيخ لتجنّب أيّ خلاف علني مع إسرائيل، خصوصاً في ظل استمرار التوتر العسكري على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.
تداعيات سياسية ومخاطر التهميش
وبالرغم مما أعلنه الرئيس الأميركي أمس في خطابه حول لبنان، فإن الاستبعاد اللبناني من قمةٍ تُطرح فيها ملامح “سلام جديد” في الشرق الأوسط يثير تساؤلاتٍ حول موقع بيروت في المعادلة الإقليمية المقبلة.
مقاربة ترامب ومشهد ما بعد غزة
في المقابل، بدا واضحاً أن الرئيس الأميركي سعى من خلال جولته إلى تثبيت صورته كـ”صانع سلام” بعد نجاح اتفاق غزة، محتكرًا “مغانم” الإنجاز الإنساني والسياسي، في وقتٍ كان يسعى فيه إلى تعزيز موقعه في الداخل الأميركي قبيل الاستحقاقات الانتخابية. وقد أطلقت واشنطن إشاراتٍ إلى دعمٍ غير مشروط للسلطة الفلسطينية في مسعاها لاستعادة السيطرة الإدارية والرمزية على القطاع، ما اعتُبر مقدّمة لإحياء المفاوضات السياسية ضمن الإطار الأوسع لاتفاقات التطبيع العربية–الإسرائيلية.
حسابات نتنياهو وتناقضات الداخل الإسرائيلي
في موازاة ذلك، فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأوساط السياسية بقراره عدم حضور مؤتمر شرم الشيخ رغم الدعوة المصرية التي توسّط ترامب شخصياً لتوجيهها إليه. ويبدو أن نتنياهو أراد تفادي مواجهة ضغوطٍ دولية لإطلاق مسارٍ سياسي يتجاوز وقف النار نحو التزاماتٍ تفاوضية، كما سعى إلى طمأنة قاعدته اليمينية بأنه لن يقدّم أيّ تنازلاتٍ سياسية تحت الضغط. هذا الموقف انعكس مزيداً من التصلّب داخل الحكومة الإسرائيلية التي تعاني انقساماتٍ حادة بين أجنحتها المتشددة والمعتدلة.
إقرأ أيضا: الهدنة.. السلام.. التطبيع.. أم الحرب؟
سلام ناقص في مشهد مضطرب
رغم ما حملته زيارة ترامب من وعودٍ وتفاؤلٍ إعلامي، بقي الانطباع السائد في المنطقة أن الطريق إلى سلامٍ دائم لا يزال محفوفاً بالتعقيدات. صحيح أن اتفاق غزة مثّل اختراقاً إنسانياً مهماً، لكن غياب لبنان وسوريا عن قمة شرم الشيخ، وتردّد الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط ائتلافها اليميني، يبددان أيّ أوهام حول إمكانية تسويةٍ حقيقية في المدى المنظور.
في النهاية، يُظهر مشهد شرم الشيخ أن “السلام الجديد” الذي تُرسم ملامحه في غرفٍ مغلقة يظلّ ناقصاً ما دام يتجاهل الدول الواقعة على خطوط النار، وفي مقدّمها لبنان، الذي يدفع دائماً ثمن الصفقات المعلّقة بين الحرب والتهدئة، دون أن يُمنح فرصة المشاركة في رسم مستقبلٍ طال انتظاره للمنطقة بأسرها.

