تحدّث وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف بصراحةٍ لافتة عن رؤيته للوضع الراهن في إيران والمنطقة، ودوره في مرحلة ما بعد الاتفاق النووي، ومستقبل السياسة الخارجية الإيرانية في ظلّ التوتر المتصاعد مع الغرب وإسرائيل.
حول جدوى المفاوضات مع الغرب والولايات المتحدة بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران، قال ظريف في حديث لصحيفة “النهار” نشرته اليوم الثلاثاء “يجب أن نذكّرهم بأن هذه المفاوضات، رغم انتقاداتي لمنهجيتها ومسارها، دفعت الشعب إلى الوقوف صفاً واحداً في وجه العدو الصهيوني مع الحفاظ على تماسكه ووحدته، وفشلت خطتهم لإسقاط النظام. بينما لو تخلينا عن المفاوضات، لاعتبر الناس أن الحكومة، بانسحابها، مهّدت الطريق لهجوم العدوّ المعتدي”.
الاستعداد لكل السيناريوهات
وحول احتمالات التصعيد الإسرائيلي، أوضح ظريف: “هذه كلها تكهنات، ومن المستحيل التنبؤ بالتطورات القادمة على وجه اليقين. المهم هو أن تواجه البلاد التحديات من موقع قوة من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، والحفاظ على تماسكها الداخلي، والمبادرة إلى مفاوضات جادة، والاستعداد لأي طارئ”.
إقرأ أيضا: بين مؤتمر شرم الشيخ ومؤتمر وادي الحُجير-2: مأزق شيعي يتكرّر بعد قرن
وأضاف أن إيران بحاجة إلى “استراتيجية مفاوضات حقيقية ومباشرة ومتعددة الأوجه”، مشيرًا إلى أن “التفاوض الحقيقي يعني الخروج من سجن الماضي واستغلال كل الإمكانيات والقدرات التي تمتلكها القوة الوطنية”.
المفاوضات ليست استسلامًا
يؤكد ظريف أن التفاوض لا يعني الخضوع، بل هو فنّ تحقيق التوازن في الأخذ والعطاء. ويقول:
“إيران لم تخضع لمطالب الطرف الآخر في مفاوضات الاتفاق النووي، وتمكنت من جعل الطرف الآخر يقبل بالعديد من مطالبها… من يريدون أخذ الامتيازات من دون تقديم مقابل في إيران أو الولايات المتحدة لا يفهمون أساسيات التفاوض”.
ويضيف: “خلافاً لمن يقولون إن النظام مُجبرٌ الآن على تجرّع كأس السمّ كما حدث عام 1989، أعتقد أن هذا غير ممكن، ولا ضروري، ولا مُستحب، بل يُمكننا الآن الدخول في مفاوضات بثقة، مُعتمدين على الشعب وعلى القوة والإرادة الوطنية”.
الوقت ليس في صالحنا
وحذّر ظريف من تضييع الفرص مجددًا، قائلًا: “مرور الوقت ليس بالضرورة لمصلحتنا في الوقت الحالي… وفي بداية إدارة السيد رئيسي، كان كل شيء جاهزًا لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي… لكن المفاوضات الاستنزافية والمطالب المفرطة أضاعت فرصة ثمينة لإيران والعالم”.
موقف القيادة واحترام رأي الخبراء
وردًا على سؤال حول موقف المرشد الإيراني السيد علي خامنئي من المفاوضات، أوضح ظريف:
“أكّد لي القائد مراراً أن الخبراء يستطيعون، بل ينبغي عليهم، التعبير عن آرائهم في القضايا من دون أيّ اعتبار. لذلك، أعتقد أن على من يهتمّون بالبلاد ألا يحرموا النظام والقيادة من آرائهم وحلولهم المنطقية”.
لا وكلاء… بل شراكة مقاومة
ونفى ظريف أن تكون لإيران قوى بالوكالة في المنطقة، مؤكدًا: “لم تُنفذ أيّ جهة غير إيرانية أهدافها في المنطقة. كانت علاقة إيران بالمقاومة معاكسة تماماً، وكانت إيران هي التي تدعمها لتحقيق أهدافها”.
وأشار إلى اختلاف السياسات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية، معتبرًا أن “إسرائيل تسعى إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، بينما تدرك الولايات المتحدة أن انهيار إيران سيغرقها في مستنقع غرب آسيا، والدول العربية باتت تدرك أن من دون إيران قوية ستبتلع إسرائيل المنطقة”.
نهاية الاتفاق النووي… دروس واتّهامات
عن انتهاء الاتفاق النووي وعودة العقوبات، قال ظريف بابتسامةٍ مُرّة: “العديد من هذه التدميرات والهجمات المُوجّهة ضدي وضد الاتفاق النووي مُنظّمةٌ ولا أساس لها… وإذا دققتم في سلسلة الأحداث منذ تموز 2015 حتى كانون الثاني 2015، ستتضح حقائق كثيرة”.
وأضاف أن الولايات المتحدة كانت تهدف عبر الاتفاق إلى تقليص وجودها في الشرق الأوسط للتركيز على منافسة الصين، لكن التحالف بين إسرائيل والمعارضين الداخليين في إيران حرّف المسار وأعاد التوترات.
أوروبا ومجلس الأمن… من النفاق إلى التراجع
انتقد ظريف بشدة مواقف أوروبا، معتبرًا أن “الدول الأوروبية الثلاث انتهكت كل التزاماتها بعد انسحاب واشنطن، بل ورحبت بالحل العسكري ضد إيران”. ورأى أن هذا السلوك “أدى إلى تراجع الدور الأوروبي في القضايا العالمية، وحتى في أزمات أوروبا نفسها كأوكرانيا”، مشيرًا إلى أن العالم يتجه نحو نظام تقوده الولايات المتحدة والصين في ظل تراجع المكانة الأوروبية.
الخيارات أمام إيران: التماسك أولاً
في ختام حديثه، شدّد ظريف على أن “التضامن الاجتماعي هو أهم عامل في قوة البلاد”، داعيًا إلى “إعادة بناء القدرات الدفاعية، وتوسيع العلاقات الإقليمية، والانخراط في مفاوضات متعددة الجوانب مع الولايات المتحدة لتسوية الخلافات”.
إقرأ أيضا: «هيومن رايتس» تطالب لبنان السعي لتحقيق العدالة للصحفيين الشهداء
ورأى أن تحسين الاقتصاد الداخلي هو الشرط الأول لتعزيز التماسك الوطني، مضيفًا:
“أي استثمار لا يرغب في العمل في بيئة يسودها الفساد والاستغلال… لذلك يجب على الحكومة أن تضمن أمن الاستثمار المحلي، وتحترم حقوق الإيرانيين ومطالبهم، وتكافح الفساد باعتباره أهم أولويات الأمن القومي”.

