بعد عامين على طوفان الأقصى، تنتهي حرب غزّة بإشراف أميركي مباشر، ويتقدّم دونالد ترامب بخطّة «سلام بالقوة» تمتد من غزة إلى لبنان، حيث يتلقّى رئيس الجمهورية جوزيف عون دعماً أميركياً لنزع سلاح حزب الله، في وقت تتجه الأنظار إلى قمة شرم الشيخ للسلام بغياب نتنياهو وحضور عربي واسع.
وفيما غاب بنيامين نتنياهو عن «قمة شرم الشيخ للسلام» تجنّبًا للإحراج، وجّه ترامب رسائل مباشرة إلى لبنان، معلنًا دعم واشنطن للرئيس جوزيف عون في «مهمة نزع سلاح حزب الله». وفي بيروت، أكّد الرئيس عون أن لبنان لا يمكن أن يكون خارج مسار التسويات، داعيًا إلى التفاوض «بالحوار لا بالسلاح».
ترامب يرسم خريطة ما بعد الحرب
خمس ساعات قضاها الرئيس الأميركي في إسرائيل كانت كافية ليحدّد معالم المرحلة المقبلة. فخطابه في الكنيست الإسرائيلي شكّل إعلانًا رسميًا لانتهاء الحرب في غزة وبداية ما سمّاه «سلام القوة». قال ترامب: «السلام ليس حلمًا، بل حقيقة تُبنى على الردع»، مؤكدًا أن إيران «لم تعد تهديدًا» بعدما «قُصم ظهر وكلائها في غزة ولبنان».
وأثارت عباراته عن لبنان اهتمامًا خاصًا حين قال: «في لبنان انكسر تمامًا خنجر حزب الله المصوّب إلى إسرائيل»، معلنًا دعم واشنطن «للرئيس اللبناني الجديد ومهمّته في نزع سلاح الحزب». بهذه الجملة، وضع ترامب لبنان في قلب خريطة «الشرق الأوسط الجديد»، رابطًا استقراره بمسار السلام الذي ينطلق من غزة إلى بيروت فدمشق.
بهذا، تنتهي الحرب التي فتحت جروحًا عميقة في الوعي العربي والإسرائيلي على السواء، وتبدأ مرحلة جديدة من “سلام القوة” كما وصفه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصل إلى تل أبيب في زيارة دامت خمس ساعات حملت معها ملامح «شرق أوسط جديد».
في الكنيست: «السلام حقيقة لا حلم»
في خطاب حماسي أمام الكنيست الإسرائيلي، قال ترامب إن «السلام ليس أملًا بل حقيقة»، معلنًا «بزوغ فجر تاريخي جديد في الشرق الأوسط». وتابع وسط تصفيق حاد: «لقد قضينا على الغيمة السوداء التي كانت إيران، ومنعناها من امتلاك سلاح نووي». وأضاف أن قوى الفوضى التي ابتُليت بها المنطقة “هُزمت تمامًا”.
اللافت في خطاب ترامب إعلانه دعم الرئيس اللبناني «الذي يعمل على نزع سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة لبناء دولة تعيش بسلام مع جيرانها»، مؤكدًا أن “الخنجر المصوّب من حزب الله إلى إسرائيل انكسر تمامًا”. هذه الإشارة الواضحة إلى لبنان عكست تحوّلًا في المقاربة الأميركية تجاه الملف اللبناني، إذ باتت واشنطن تضع بيروت في صلب مشروع “ما بعد الحرب” الإقليمي.
لبنان بين رسائل ترامب وواقعية عون
في بيروت، التقط الرئيس جوزيف عون الإشارات الدولية بسرعة. فبينما كان ترامب يتحدث من الكنيست، أعلن عون أمام وفد إعلامي أن “لبنان لا يمكن أن يكون خارج مسار التسويات في المنطقة، ولا بدّ من التفاوض حين تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية”. وأضاف: «سبق أن تفاوضنا على ترسيم الحدود البحرية، فما الذي يمنع التفاوض مجددًا لإيجاد حلول للمشاكل العالقة؟».
عون دعا إلى “وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة” مؤكدًا أن “مسار التفاوض هو السبيل الواقعي الوحيد بعد أن أثبتت الحرب أنها لا تنتج سوى الدمار”. وبهذا يكون رئيس الجمهورية قد وضع لبنان رسميًا على سكة “مرحلة ما بعد الحرب”، ممهّدًا لتحوّل سياسي كبير قد يعيد رسم علاقة الدولة بالمقاومة.
شرم الشيخ… قمة السلام العربي والدولي
في موازاة ذلك، استضافت شرم الشيخ قمة دولية غير مسبوقة بمشاركة أكثر من عشرين دولة عربية وغربية، ترأّسها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي ترامب. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان أبرز الحاضرين، فيما أكد السفير المصري علاء موسى أن “لبنان حاضر في القمة بكل قوة”، مشيرًا إلى توافق عربي ودولي على دعم استقراره وإعادة الإعمار في الجنوب.
القمة، وفق مصادر دبلوماسية، دشّنت عمليًا مرحلة جديدة عنوانها “السلام مقابل السلاح”، حيث يُتوقّع أن تُربط المساعدات الاقتصادية للبنان وقطاع غزة بعملية نزع السلاح التدريجية من الفصائل المسلحة، بما فيها حزب الله وحماس.
شرق أوسط على عتبة التحوّل
من تل أبيب إلى شرم الشيخ، بدا المشهد اليوم كأنه انتقال من زمن الحرب إلى زمن التسويات الكبرى. ترامب أعلن «نهاية الفوضى» وبدء «سلام القوة»، ولبنان يتأرجح بين ضغوط الخارج وتحديات الداخل. لكن الواضح أن مرحلة جديدة بدأت: شرق أوسط يعاد رسم حدوده السياسية والاقتصادية، وغزة كانت شرارته الأولى.
إقرأ أيضا: النظام الإيراني بعد عامين من «7 أكتوبر».. مرحلة جديدة من التعقيد والمفارقات

