مفاهيم الدولة والسيادة والعيش المشترك، متعددة باللحاظ الذهني متطابقة في الواقع والحقيقة. هي غير مستقلة عن بعضها البعض، بل الواحد منها يوصل منطقياً إلى الآخر. هي مفاهيم عمومية Public، أي كلية لا جزئية وخاصة، ولا يقتصر تحديدها على تصور مُكوِّنٍ خاص في المجتمع، بل يشارك الجميع في قبولها وتصورها. العموم هي المنطقة غير المشخصنة، لا تقوم العلاقات فيها على الروابط العضوية أو صدفة المولد من دين أو مذهب، بل هي علاقة بين الغرباء تمارس داخل فضاء عمومي Public Sphere يشارك فيه الجميع ويتبادلون فيه الأفكار ويتناقشون القضايا العمومية.
ولأنه كذلك، فإن الفضاء العمومي لا يقوم إلا على أرضية عقلانية، أي بطريقة تفكير كلية، كونها السبيل الوحيد للتواصل بين الأفراد المختلفين. لذلك لا معنى أن نستدل بقول ديني أو مذهبي خاص أو معتقد، لتسويغ سلوك عمومي ذي آثار ومفاعيل على الآخرين الذين لا يشاركون هذا المعتقد أو القول.
يقول جان بودان، المنظّر الأول للسيادة في كتابه *الكتب الستة حول الجمهورية*:
“كما إن السفينة لن تكون إلا خشباً ليس له شكل مركب عندما تنتزع منه العارضة الرئيسية التي تسند الجوانب، والمقدمة والمؤخرة والسطح، كذلك الجمهورية لا تعد جمهورية إن لم يكن فيها قوة سيدة توحد كل أعضائها وأجزائها وكل أسرها وهيئاتها في جسم واحد”.
أولاً: في معنى السيادة والدولة الحديثة
هذه السلطة السيدة هي، برأيه، نتيجة تحليلية لمفهوم الدولة في ممارسة مهامها العمومية، وفي مقدمتها التشريع وقرار الحرب والسلم وفرض الضرائب. هي جوهر خالص موجودة مثل أن الله موجود، تجمع كل العناصر، وتعطي للدولة شكلها وتؤمن انسجامها الداخلي واستقلاله. هي غير قابلة للتجزئة ولا شراكة فيها، هي دائمة تستمر بمعزل عن الأشخاص، وسامية تحتفظ لنفسها بالكلمة الأخيرة، ما يجعلها غير مسؤولة تجاه أي سلطة أخرى، وتملك أن تكره أي عضو من أعضائها في الجسم السياسي.
هذا يعني أن السيادة ليست صفة تضاف إلى الدولة، بل هي الدولة نفسها بما هي في ذاتها، أو المقتضى المنطقي لتكون دولة، ومن دونها لا تكون دولة. وأن مفهوم السيادة في أصل منشئها يتعلق بتكوين الدولة الداخلي لتمارس مهامها، فلا سيادة خارجها، ولا يمارسها أحد بالنيابة عنها. بل لا يدخل في حقيقتها مفهوم المقاومة أو محاربة الظلم أو الفساد، فهذه عناوين ذات مسوّغ أخلاقي عالٍ، لكنها لا تندرج ضمن مفهوم السيادة.
أما مفهوم الدولة الحديثة تحديداً، فقد بدأ مع ظهور الدولة الأمة، انتقل فيها الولاء من الملك إلى الأمة. هذه الدولة متقومة بعناصر ثلاثة هي قوام وجودها وتحققها: الإقليم (الأرض)، والسكان، وسلطة منظمة قانونياً.
تحديد الدولة بعناصرها الثلاثة لا يكفي، بل ذكر ماكس فيبر سمات ذاتية لها، لا تكون دولة حديثة إذا لم تتوفر فيها هذه السمات، أهمها:
أولها مركزية القهر وهرميته: بأن تحوز الدولة القوة المادية للإكراه، ما يمنحها الأولوية السيادية على السلطات الاجتماعية الأخرى، ويمكنها ممارسة سلطة فعالة لتنظيم نفسها بنفسها. فالدولة المجردة من سلطة الإكراه تتناقض مع نفسها. ويقول ميكيافيللي في هذا المجال: “ويل للأنبياء منزوعي السلاح”.
السيادة ليست صفة تضاف إلى الدولة، بل هي الدولة نفسها بما هي في ذاتها، أو المقتضى المنطقي لتكون دولة، ومن دونها لا تكون دولة.
ثانيها الطابع المؤسساتي: وهذا يكون بالفصل بين الشخص الطبيعي للحكام والتصور المجرد للقوة العامة. بدأ هذا بالتمييز بين الملك والتاج، فبات الحكام أجهزة الدولة لا شخص الحاكم، وسمح باستمرارية الدولة التي لن يضيرها تعاقب الأشخاص الطبيعيين القابلين لأن يجسدوها وقتياً.
ثالثها العقلانية: فالدولة كائن محكوم للعقل، كون قضاياها عمومية وكلية، فالمدار في تشكلها هو العقل الجامع والقيم المشتركة. فلا بد للآراء والقرارات أن تكون مسوغة عقلياً، يفهمها الجميع وقابلة لأن يتبناها ويفكر فيها الجميع.
وقد ذكر الدستور اللبناني السيادة والدولة في موضعين من مقدمة الدستور، ينسجمان مع التحديدات النظرية للسيادة والدولة، ويعبران عن روح الدستور ومبدأ أولي ثابت يشرط باقي نصوص الدستور ويفسرها:
ورد في مقدمة الدستور أن: *”لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة.”*
هنا يرادف النص بين لبنان والدولة، كأنهما حقيقة واحدة، فلا معنى للكيان اللبناني نفسه بلا دولة، ولا معنى لدولة بلا كيان. ويؤكد النص أن الدولة كيان واحد لا يقبل التجزئة، وأن مساحة سلطته في إدارة شؤون الحياة العامة تامة وشاملة، ما يجعل الدولة صاحبة الحق الحصري في كل ما يتعلق بتدبير الشأن العام.
كذلك ورد في مقدمة الدستور أن: *”الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية.”*
وهو نص يؤسس لحقيقة الدولة بصفتها الكيان الذي يجسد إرادة الشعب ويجعلها ملموسة وظاهرة، ما يجعل السيادتين: سيادة الدولة وسيادة الشعب، واحدة. لذلك أكد النص أن الشعب يمارس سيادته عبر الدولة حصراً، بحيث تنتفي صلاحية أو سيادة أية مؤسسة أو كيان مدني أو أمني ينشأ خارج الدولة وبموازاتها ويدّعي لنفسه صلاحية تمثيل أو التعبير عن الشعب أو عن جزء منه.
ثانياً: العيش المشترك والميثاق كعقد اجتماعي
أما العيش المشترك، فقد قرنه الدستور اللبناني بالميثاق، ما يعني أنه بمثابة العقد الاجتماعي الذي ينقل الناس من أفراد وجماعات متشظية ومنعزلة عن بعضها البعض إلى مجتمع قائم على أرضية قيمية مشتركة، من طور العلاقات البدئية إلى طور المجتمع المدني، أو الشعب بالمعنى السياسي، الذي يقوم على علاقات اختيارية وطوعية تضمن حقوق الأفراد والجماعات.
ولهذا سمى روسو العقد الاجتماعي بالإرادة العامة، التي دخل فيها الجميع باختيارهم، وتشكل منها “أنا مشتركة” يخضع لها الجميع بإرادتهم الحرة، ما يجعلها المساحة التي نكون فيها أحراراً ومتساوين، لا يملك أحد حق الأمر على أحد إلا بتفويض قابل للاسترداد في أي وقت. فلا بيعة أزلية أو ولاء غيبي، بل توكيل مؤقت.
وقد ورد في الدستور اللبناني أن: *“لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك.”*
والميثاق هنا قريب من العقد الاجتماعي، الذي يمثل إجماعاً حول كليات مشتركة بين اللبنانيين. ما يعني أن العيش المشترك هنا ليس عيشاً بين طوائف أو أديان، هو ليس مجموع مصالح وخصوصيات، بل عبور إلى منطقة عمومية نكون فيها مواطنين لا أفراداً أو أعضاء في مذهب أو ملة.
ما يعني أن نقض الميثاقية هو بالدرجة الأولى النقض الصريح لكرامة المواطن، ومصادرة رأيه، واحتكار صوته، وتحويل الحياة السياسية إلى معركة طوائف وسجال مذاهب. يكون نقض الميثاقية في نهب الأموال التي تمارسه الدولة العميقة، وفي كل ما ينقض الحق في المشاركة أو التعبير الحر، وفي كل تعدٍ على حقوق المواطن.
يؤكد نص الدستور أن الدولة كيان واحد لا يقبل التجزئة، وأن مساحة سلطته في إدارة شؤون الحياة العامة تامة وشاملة، ما يجعل الدولة صاحبة الحق الحصري في كل ما يتعلق بتدبير الشأن العام.
بل إن تطييف الميثاقية بالطريقة التي تمارس في السياسة هو أيضاً نقض للميثاقية، لأنه يغرق الدولة في لعبة محاصصات شخصية وحزبية باسم طائفة مخصوصة، في حين أن أساس العيش المشترك هو القيم الجامعة التي تجعلنا جميعاً مواطنين ذوي حقوق وواجبات، لتحولنا من كائنات عضوية إلى شخصيات عمومية. بالتالي يكون كل من يفسر الميثاقية تفسيراً طائفياً أو وفق لعبة المحاصصة، يفرغ الميثاقية من معناها، ويحولها إلى لعبة اصطفافات غرائزية.
ثالثاً: موقع حزب الله بين السيادة والدولة والميثاق
بعد عرض هذه المفاهيم في أصولها النظرية وحقائقها الذاتية ووظائفها السياسية، يمكننا معرفة وضعية الحزب تجاه هذه المفاهيم. هنا سأتخيل سيناريو صعب لكنه غير مستحيل، وهو أن مسؤولين متنفذين وصنّاع قرار في حزب الله قالوا لأشخاص مثلي:
نمرّ بوضع حرج وصعب، معطيات كثيرة تغيرت، ونحن في صدد إجراء مراجعات معمقة حول الخيارات الممكنة والعاقلة، ويهمنا أن نسمع من الخارج مثلما نسمع من الداخل. ندرك أن ما نفعله وفعلناه قد أثر على حياة ومصير الكثيرين مثلك رغم أننا لم نأخذ برأيك، بل ولم نبالِ به، ما يجعلك شريكاً في تبعات أفعالنا من دون أن تكون شريكاً في قراراتنا. بالتالي نريد أن نسمع منك، كيف ترى الأمور من منظور خارجي لا داخلي، علّ ذلك يساعدنا على توضيح الصورة عندنا وتصويب وجهتنا القادمة؟
إذا سئلت هذا السؤال الصريح والودود، فسأجيب عليه أيضاً بأجوبة صريحة وودودة:
أولاً: أبدأ بالمبادئ التأسيسية التي جعلت حزب الله يتخذ هذه التسمية. لم تكن تسمية من فراغ أو بالقرعة، إنما جاءت في سياق مشروع كوني عبرت عنه رسالة التفاهم عام 1985: *”نحن أمة نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم بأوامر قيادة واحدة تتمثل بالولي الفقيه الخميني.”* ونمارس نشاطاً “انطلاقاً من واجب شرعي في ضوء تصور عام تقرره ولاية الفقيه القائد”، ونهدف أن “يكون لبنان جزءاً من الخارطة السياسية التي يحكمها الإسلام وقيادته العادلة”. تسمية في سياق أسلمة العالم.
هذه المبادئ لم تعد تمارس، لكنها في قعر الذهنية والبناء التكويني للحزب، في هرميته وإعداده لعناصره ومقاتليه، وفي مرجعياته وثقافته وقيمه. وهي أيضاً مصدر الازدواجية التي يعانيها ويمارسها: بين تعامل براغماتي مع الواقع وبين بناء أيديولوجي يتنافى ويتناقض بالكامل مع طبيعة الواقع اللبناني.
صلب المشكلة هي ولاية الفقيه، التي هي نظرية فقه سياسي تم تحويلها إلى عقيدة دينية. هي منسجمة مع مبدأ إقامة دولة الإسلام المركزية في العالم، أما وقد تبيّن وهم هذا الطرح، فإن تمديده خارج إيران لا يعود له معنى. لذلك لا مانع أن يتبنى بلد باختياره نظاماً قائماً على ولاية الفقيه، أما حين يكون هنالك استحالة لقيام هذا المبدأ في لبنان، ولا يتحقق إلا بتحويل جميع المسيحيين مسلمين، وجميع السنة شيعة، وإرغام الشيعة على اعتناقه.
أما اعتماده من دون الدعوة إلى تطبيقه، فإنه ينشئ تناقضاً لا فكاك منه بين الولاء للدولة والولاء للولي الفقيه، كونهما مصدرين متنافسين على الشرعية السياسية. فشرعية الدولة ذاتية، وشرعية الولي الفقيه إلهية. هذا لا يُحل بالقول إن الولي الفقيه أذن بالولاء للدولة المحلية، بحكم أن شرعية الدولة ذاتية، لا تتحصل من أحد حتى بالإذان، كما إن الولاء للدولة ضروري وملزم وليس اختياراً متروكاً لنا.
ثانياً: لا بد من حصرية السلاح بيد الدولة. هذا ليس خياراً، بل مبدأ، ولا يعلق على شروط خارجه، كونه من مقتضيات المنطقية الضرورية لفكرة الدولة وسيادتها. لا يقال لنا: ليكن هنالك دولة ونسلم السلاح للدولة. فالدولة لا تكتمل دولتيتها إلا حين تكون صاحبة الحق الحصري بحيازة أدوات الإكراه المشروع، أي حصرية السلاح بيدها. والسلاح خارج الدولة واقع على النقيض المنطقي لسيادة الدولة.
والتناقض المنطقي لا يحل بالتوليفات الخارجية أو بطريقة الفقهاء في الجمع بين الأدلة المتعارضة، بل يحل برفعه: إما حلّ السلاح وإما حلّ الدولة. ومن المؤكد أن الخيار الحاسم هو حلّ السلاح وبقاء الدولة.
صلب المشكلة هي ولاية الفقيه، التي هي نظرية فقه سياسي تم تحويلها إلى عقيدة دينية. هي منسجمة مع مبدأ إقامة دولة الإسلام المركزية في العالم، أما وقد تبيّن وهم هذا الطرح، فإن تمديده خارج إيران لا يعود له معنى.
ثالثاً: يتفرع عن ذلك مقولة ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة. هذه الثلاثية تمنح سلاح حزب الله كيانية مستقلة عن الشعب والجيش، ويجعله بمرتبتهما ومكانتهما ويحمل نفس صلاحيتهما. فالعلاقة بين الشعب والجيش والمقاومة ليست أفقية بل عامودية، ليست ندّية بل ينبثق كل واحد من الآخر، أي علاقة تبعية وفرع بأصل: دولة تنبثق من شعب، وشعب يمارس مقاومة تحت سقف الدولة، بحسب ما جاء في الدستور اللبناني.
فالعقد الاجتماعي يُكوِّن المجتمع، والمجتمع في هيئته السياسية يكون شعباً وإرادة عامة، وهو بحسب الدستور “مصدر السلطات”، فلا وجود لكيانية شرعية خارج الشعب تشاركه هذه السيادة أو تقاسمه إياه.
أما الجيش فهو الدولة أو أداة القهر المشروع للدولة. بالتالي لا معنى لأن يكون سلاح حزب الله موازياً للجيش أو ينسق معه، بل لا بد أن يكون من ملحقاته وتابعاً له.
هذه الثلاثية، بقصد أو بغير قصد، جعلت السلاح قسيماً للدولة في سيادتها الحصرية، إن لجهة السلاح خارج الدولة، أو التفرد بقرار الحرب والسلم من خارج مؤسساتها. بالتالي كان على مرّ السنين أحد أهم مقوضي سيادة الدولة. فإذا كانت إسرائيل تنتهك سيادة لبنان على الحدود، فإن حزب الله يشاركها بغير قصد في انتهاك سيادة الدولة من الداخل.
رابعاً: وجود ترادف مصطنع بين المقاومة وحزب الله رغم التباين بينهما في الطبيعة والوظيفة. هذا الترادف ألغى التنوع داخل المقاومة التي يفترض بها أن تجسد تنوع المجتمع وانتماءاته، لا أن تتخذ صفة أيديولوجية شديدة التمذهب وكثيفة الخصوصية.
فباتت المقاومة نتيجة لذلك من ملحقات ولاية الفقيه، ومن هو خارج ولاية الفقيه خارج المقاومة، بل من يخاصم هذه الولاية يكون خصماً وعدواً للمقاومة أيضاً.
عمومية المقاومة تستدعي تجسيد إرادة جميع اللبنانيين لا جزء منهم، أن يكونوا شركاء في قراراتها وخياراتها لا أن تُملَى عليهم رغماً عنهم. ولا يمكنها في أي وقت من الأوقات أن تكون كياناً رديفاً وموازياً للدولة، فالشعب بحسب الدستور لا يمارس سيادته إلا عبر مؤسسات الدولة الدستورية، ما يعني أن أي كيان أو فعل مجتمعي يكون مآله الأخير وثمرته العليا الدولة حصراً، لا أن يصبح غاية بذاته بعدما كان وسيلة، أو تُهدى ثماره لجهة خارج المجتمع أو الدولة.
بذل حزب الله جهده ليشكل الدولة ولبنان على شرطه الخاص، والآن بعد كل المتغيرات التي حصلت، فإن الفرصة مؤاتية له أن يعيد تشكيل نفسه على شرط الدولة بكامل مقتضياتها المنطقية وشروطها الموضوعية.
اقرا ايضا: ترامب يعلن «السلام العظيم»: وقف النار في غزة يدخل التنفيذ… والعين على لبنان

