أسبوع مضى على الرحيل الهادئ للسفير فؤاد غندور، رحيل إلى الأبد في رحلة الحق المكتوب على الخلق كل الخلق، رحيل هادئ بعد ابتعاد إرادي تلاه احتجاب قسري، فما هو سر هذا الهدوء بعد تاريخ صاخب من النضال والمشاكسة ، وبعد مسلسل مشرف من النجاحات والإخفاقات، نعم الإخفافات قد تكون مشرفة أحيانا عندما تواجه بشرف وتعلن بشرف.
هو فؤاد غندور، مواليد النبطية الفوقا عام 1932، من عائلة تسكنها روح المغامرة والاغتراب ، فجده جواد غندور هاجر إلى كوبا ومن ثم الى البرازيل في بداية القرن الماضي ووالده الحاج عيس من مواليد هافانا عاد إلى لبنان قبل الحرب العالميّة الأولى ، متزوج من السيدة هلا عبدالحميد غندور وله منها ثلاثة أبناء هم تمام، فادي ووسيم ، وإبنة واحدة هي منية. تخرج من ثانوية المقاصد الإسلامية في صيدا، ولشغفه المبكر بالعمل العام والقانون تسجل في إحدى جامعات القاهرة لدراسة الحقوق، لكن رياح الرزق والقدر أخذت بأجنحته نحو القارة السمراء، حيث حطت طائرته عام 1952 في مطار منروفيا – ليبيريا التي أحبها وأحبته.

بعد عشرة سنوات من العمل الدؤوب والمضني في بر ليبيريا، شق فؤاد غندور طريقه إلى العاصمة ليصبح من أصحاب الصروح الاقتصادية الرائدة في الصناعة والتجارة.
من الاغتراب الى الدبلوماسية
كان فؤاد غندور مغتربا، لكنه لم يكن يوما غريبا، فقد بقي على اتصال وتواصل مع الجاليات اللبنانية في ليبيريا وفي باقي دول أفريقيا، فشغل موقع الأمين العام للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم لسبع سنوات ثم رئيسا تنفيذيا للجامعة في لبنان وأفريقيا وشارك في جميع المؤتمرات ابان الحرب الاهلية، في البرازيل والتشيلي والمكسيك والولايات المتحدة لنصرة لبنان… وما ميز فؤاد غندور عن كثير من المغتربين، إنه أخلص للبلاد التي استقبلته وأحبته فبادلها المحبة والوفاء وساهم في نهضتها وكانت ليده البيضاء بصمة خير في المجتمع الأفريقي، وكان من نتيجة الثقة والوفاء أن عينت جمهورية ليبيريا الأستاذ فؤاد غندور سفيراً فوق العادة في في لبنان والشرق الأوسط العام 1992. فالثقة التي حصل عليها الرجل وبناها بعصامية واستقامة جعلت جمهورية ليبيريا تكرمه…
إقرأ أيضا: في الذكرى الثانية لـ«طوفان الأقصى»: بين صدمة البداية وتداعيات النهاية
عرف السفير الراحل فؤاد غندور بحبه للخطابة فأتقنها كتابة وارتجالا حتى أسماه الامين العام المساعد للجامعة العربية السفير عبد الرحمن الصلح بميرابو العرب: الكاتب الثوري، والصحفي، والديبلوماسي، والسياسي، وخطيب الثورة الفرنسية. ومن الطبيعي أن يكون لرجل بصفات فؤاد غندور ميولا وطموحات سياسية، فهو المسكون بالقضية العربية والمتحمس لقضية خدمة المجتمع، وفي زمن القومية العربية وحركات التحرر تأثر بفكر أنطون سعادة وشارك القوميين تجربتهم السياسية في الجنوب في بداية شبابه، وكان مؤثرا في محيطه متحمسا لقضيته. في العام 1972 ترشح الأستاذ فؤاد غندور للإنتخابات النيابية في قضاء النبطية وكانت حظوظه بالنجاح مرتفعة جدا، وكان أهالي النبطية يعتبرونه من الشباب الواعي والطليعي وصوتهم في الجولات الانتخابية يصدح: شعبي داير عمرشح، ليش بدو يدور.. مرشح الشعب الواعي، فؤاد غندور. إلا أن الظروف الانتخابية فرضت إنسحابه للائحة الرئيس كامل الأسعد الذي جاء شخصيا إلى دارة الحاج عيسى غندور في النبطية الفوقا متمنيا الانسحاب من أجل مصلحة اللائحة. تجاوب أبو تمام مع تمني الرئيس الأسعد، فالعلاقة معه تعود لصداقة الرئيس احمد الأسعد مع والده الحاج عيسى غندور، وألقى كلمة وجدانية ختمها بالقول: نخطو خطاك والله يرعاك، فما كان من الأسعد إلا أن قال له : نحن أهل وفاء يا أستاذ فؤاد وسترى ذلك في الانتخابات المقبلة. إلا ان الحرب الأهلية منعت إجراء الانتخابات النيابية لغاية العام 1992 عدا تلك الفرعية التي جرت في العام 1974 بظروف سياسية وانتخابية غير عادية.

المصداقية التي طبعت سلوك السفير غندور بالإضافة الى التزامه الصادق والعميق بخدمة مجتمه جعلت منه رجلا مقبولا من جميع الأطراف وحتى المتخاصمة منها، نذكر بهذا الصدد مساعيه الحثيثة للتوفيق بين الرئيس الأسعد والسيد موسى الصدر عبر صديقه الشيخ محمود فرحات الذي شغل منصب مدير عام المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى.
بعد اتفاق الطائف، وبسبب نجاحه في عالم الإغتراب افريقيا وعالميا، تم طرح اسم فؤاد غندور لتولي اول وزارة للمغتربين، لكن استقلاليته حالت دون توليه تلك الوزارة حيث كانت الترويكا قد اختزلت الحياة السياسية والدستورية، وكانت الوزارة من نصيب نقولا خوري ليكون أول وزير للمغتربين.

التحدي الجديد في مسيرة فؤاد غندور المهنية والإجتماعية كان تأسيسه لمصرف غلوب بنك عام 1980. انطلق المصرف إنطلاقة ناجحة ملفتة، حيث انتشر في ثلاثة عشر فرعا وزادت حساباته على 20000 حساب، خلق هذا النجاح عداوات جديدة لأبي تمام لم يكن قد توقعها أو انتبه إليها، فهو قد جمع ثروته بشكل واضح ناصع وبنى إسمه وسمعته بعصامية مشهودة، بعيدا عن أي تدخل أو محسوبية أو استزلام لأحد، وفي العام 1992 وجد نفسه في مواجهة أوليغارشيا مصرفية صوبت سهامها عليه وعلى نجاحاته لحسابات فئوية مضمرة لم يكن أبو تمام في وارد الإصطدام بها، حتى أن حاكم المصرف المركزي آنذك الشيخ ميشال خوري نجل الرئيس بشارة الخوري وهو صديق لغندور، نصحه بأن ينجو بأقل الخسائر، لكن العصامي العنيد رفض الإنهزام وحاول بشتى الطرق إنقاذ المصرف من أزمة سيولة مفتعلة. تم تأمين قرض من المصرف المركزي بضمانات عقارية الذي ما لبث أن أقفل الحساب دون سبب يذكر. تواصل فؤاد غندور مع القوى السياسية القابضة على الحياة السياسية لحثهم على إنقاذ المصرف عبر دعمه أو حتى شرائه بثمن مقبول جدا لكنهم رفضوا ذلك دون عذر مقنع، هاجس أبو تمام كان هو الحفاظ على معيشة ما يزيد على ثلاثمئة وخمسين موظفا والمحافظة على أموال المودعين. الحل كان بعقد صفقة مع مصرف سوسييتيه جنرال قضت بشراء البنك وضمه الى فروع سوسييتيه جينيرال بعد أن التزم فؤاد غندور بتأمين ودائع كل المودعين وكذلك بدفع التعويضات لكل الموظفين بحسب القوانين المرعية الإجراء، الأمر الذي استدى من غندور رئيس مجلس إدارة غلوب بنك أن يرهن كل أملاكه في بيروت والجنوب للغاية المذكورة.

وهنا تبرز المناقبية في العمل المصرفي كما في عالم المال والأعمال، حيث كان بمستطاع فؤاد غندور أن يعلن افلاسه ويدير ظهره تاركا الأمور على عاتق مصرف لبنان والجهات المعنية بالشركات المفلسة، لكنه اختار قرار التصفية الذاتية وخرج من القطاع بريء الذمة نظيف الكف مرتاح الضمير.
قضية غلوب بنك والأسباب المؤدية إليها والملابسات المتصلة بها كان النهاية المعكوسة التي يريدها لحياته المهنية والسياسية، فعندما قرر الاستقرار في وطنه بعد غربة طويلة، وجد فؤاد غندور نفسه غريبا في وطنه بعد أن كان مواطنا في غربته.
استقامة وطموح
خامة فؤاد غندور، إستقامته، طموحه، عناده واعتداده بنفسه، كلها مناقب حالت دون انسجامه مع الطبقة السياسية المستجدة ، لكن السفير العنيد المصاب بخيبة أمل، آثر الإعتكاف فاحتجب طوعا عن الشأن العام وانطوى على عائلته التي احتضنها فاحتضنته إلى أن غيبه المرض عن ما يحيط به قبل أن يغيبه الموت إلى حيث سنغيب جميعا.

برحيل السفير فؤاد غندور يخسر لبنان والجنوب علما من أعلام النجاح والإستقامة والنقاء، وتخسر القيم والمبادئ رجلا دفع ثمن قيمه ومبادئه ولم يتاجر بها. وفي زمن التصحر تبقى ذكرى الكبار رذاذا من عطر تروي عطش الحالمين بغد يشبه الأمس.

