حزب إيران وذبابه الإلكتروني: هروبٌ إلى الأمام من بوابة الانحدار

الناشط محمود شعيب

من يتأمل سلوك حزب إيران في لبنان في هذه المرحلة، يدرك أنّه يعيش حالة ارتباك وجودي لم يسبق لها مثيل منذ نشأته. الحزب الذي بنى سمعته على شعارات “الانتصارات الإلهية”، يجد نفسه اليوم عارياً أمام بيئته قبل خصومه، بعد أن اضطر مكرهاً إلى توقيع اتفاق المذلّة، الذي مثّل اعترافاً صريحاً بانكساره أمام معادلات إقليمية ودولية لا يملك السيطرة عليها. هنا، لم يجد الحزب سوى الهروب إلى الأمام، عبر فتح مجارير الذباب الإلكتروني، وإطلاق جحافل المرتزقة على تطبيقات التواصل، ممن لا يملكون أدنى مستوى أخلاقي أو ديني، ولا يحسنون سوى لغة الشتيمة والتخوين والتهديد بالقتل.

منذ ولادته، اعتمد الحزب على “شرعية السلاح” ليخنق النقاش الداخلي، أما اليوم فقد تآكلت هذه الشرعية إلى درجة باتت تحتاج إلى ترميم عبر “شرعية الخوف”. لكن المفارقة أنّ هذا الخوف لم يعد يُرهب إلا ضعاف النفوس، فيما أبناء الطائفة الشيعية العربية الذين أبوا أن يكونوا مجرد أرقام في قطيع، أثبتوا أنّهم أحرار برؤوسهم وكرامتهم، وأنّهم لن يذوبوا في مشروع مذهبي غريب عن هويتهم.

إقرأ أيضا: علي الأمين: إسرائيل تحضّر لضرب إيران وسنكون في طريقها.. ولتفاديها المطلوب أن يكون ملجأ الحزب الدولة

إزاء هذا التمرّد الواعي، أطلق الحزب أدواته المأجورة: ذباب إلكتروني يختبئ وراء أسماء وهمية، ومرتزقة واتساب يعيشون على فتات التهديد والابتزاز، إضافة إلى شبكات من متعاطي المخدرات الذين جرى تجنيدهم كأبواق رخيصة. هكذا، تحوّلت لغة الحزب من خطاب “المقاومة والتحرير” إلى خطاب السباب والوعيد، في انعكاس صريح لأزمته الأخلاقية والسياسية.

الحزب نفسه يدرك أنّ هذه الوسائل ليست إلا أعراض انهيار لا أدوات قوة. فالتاريخ السياسي يعلّمنا أنّ كل سلطة حين تفقد قدرتها على الإقناع والمنطق، تلجأ إلى الصراخ والتهديد. وهذا ما يعيشه حزب إيران اليوم: تراجع في أدواره الإقليمية، حصار اقتصادي خانق، انكشاف شبكاته المالية القائمة على التهريب والمخدرات، وتآكل قاعدته الشعبية التي بدأت تدرك أنّها رهينة مشروع خارجي لا علاقة له بلبنان.

من هنا، فإنّ حملة الذباب الالكتروني ومتعاطي المخدرات ليست سوى محاولة بائسة للتغطية على جرح الهزيمة، ومحاولة لاستعادة هيبة سقطت تحت ثقل الواقع. لكن الاستقواء على الداخل اللبناني، واستهداف الأحرار من أبناء الطائفة الشيعية، لن يعيد للحزب ما فقده، بل على العكس، سيُعجّل في اهتراء صورته وتآكل بنيته من الداخل.

إقرأ أيضا: استهداف الجرمق – الخردلي وشركة «معمار»: هل انتقلت إسرائيل لضرب مؤسسات «الحزب»؟

الحقيقة التي يحاول الحزب إنكارها أنّ مرحلة “العصمة” قد انتهت. لم يعد بإمكانه ادّعاء النصر فيما يطارد خصومه على فيسبوك وواتساب. لم يعد بوسعه احتكار الطائفة فيما أصواتها الحرة تعلن جهاراً: “لسنا قطيعاً”. هذه اللحظة، مهما حاول الحزب تغطيتها بالشتائم والتهديدات، هي لحظة مفصلية تشير إلى أنّ الانحدار الاستراتيجي قد بدأ. والهروب إلى الأمام لا يوقف السقوط، بل يسرّع الارتطام بالجدار.

السابق
أسطول جديد يتجه إلى غزة.. والمهمة مستحيلة!
التالي
بالتفاصيل.. ما هي المرحلة الأولى من خطة ترامب في غزة؟