يخرج أحد المناصرين لحزب الله امام ملايين المشاهدين، ينظم شتائمه، يخبرنا عن معادلته الإلغائية بصوت ذكوريّ “السيد انرمى عليه ٨٠ طن وما نسيناه، صخرة الروشة طن واحد منبطل نتذكرها”.
ينتقل خطاب الحزب اليوم من التسلح بفائض القوّة ومعادلة “أكلنا وشربنا ومعاشاتنا من الجمهوريّة الاسلاميّة الإيرانيّة”، واليد التي ستمتد لسلاحنا سنقطعها إلى التطلي خلف كلمات مثل ” سي كي لاح لاح” ، حلفاؤنا قبضوا من الحاج وغيرها.
تحول يعيدنا إلى نظريّتي المفكر الفرنسي ميشيل فوكو ” فعل على الفعل ” و “نحن نتفلسف بطريقة لا يمكن إصلاحها”.
فهل آن الأوان لمحاكمة الحزب وبيئته، أم آن الأوان لتفعيل خطاب اللحمة الوطنيّة والميثاقيّة وكفالة اليتيم؟
بنية الحزب الشعبيّة…المال ثم البنون
في معرض حديثه بكتابه الأمير، يقول ماكيافيلي: “ان المرء الذي لا يمكن إقناعه بسياسته يمكن شراؤه”. نظريّة قاسية طبّقها الحزب على مدى ٤٢ عامًا من خلال بناء دويلة تقوم على تأمين المأكل والملبس والتعليم والطبابة تحت عنوان ” القرض الحسن” والحقّ أن شحّ المال وتشبث بيئة الحزب بحزبهم ومبادئهم بعد اغتيال نصرالله وصفي الدين وكبار قادة الصف الأوّل، يثير بدوره تساؤلا: لمَ لم ينفرط عقد هذه البيئة؟
فرضيّات تتكاثر ببطء
في محاضرته الأخيرة في جنوبيّة يرى الدكتور وجيه قانصو أن الوتيرة الاجتماعيّة تتغيّر ببطء بعد أي نكسة تصيب جماعة أو جمهور على الأصعد السياسيّة، العسكريّة والأمنيّة، والحقّ أن جملة من الفرضيّات قد تجيب على الاشكالية التي تبين تعاطي الحزب مع جمهوره .
أ- قد يكون الحزب من منطلقه الأيديولوجي الديني المبني على خطاب السيد حسن نصرالله في شبابه قائم على توحيد الشيعة من منطلق قبائلي عشائري كما فعل النبي محمد قبل الهجرة، وفي يوم الفتح حيث صان القيم القبليّة واطّرها كما حال الشّعر والأدب ضمن ما يخدم الإسلام
ب- من الممكن أن يكون شيعة حزب الله تائهين يرفضون التجديد كما رفض العرب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر
وذلك من منطلق انكارهم لذنب الدخول في حرب الاسناد
ج- يفترض أنّ أغلب شيعة جبل عامل والضاحية والبقاع
لم يجدوا ضالتهم في أفكار من يسمون أنفسهم المعارضين الشيعة نظرًا لغياب الرؤية إلى الدولة عند معظمهم ولشرذمتهم وتكاثر منتدياتهم ومنابرهم ، وازدواجية بعضهم على صعيد الموقف. نقاط قد يليها الكثير من التكهنات لكنها تجعل من الحزب جسدًا مسرطنًا ذات وضع صحيّ مستقرّ.
مستقبل حزب الله
في كتابه فن الحرب، يرى الفيلسوف الصيني سون تزو، أنّ الفوز يبدأ حين يجعل المرء أصدقاءه قريبين وأعداءه أقرب. حزب الله اليوم بما شكله جماهيريّا وقيادة وإعلامًا من خصومة وترهيب تجاه معظم اللبنانيين يحتاج لأن يكون أكثر قربا منا، كي يتقبل نهايته التي يفرضها المسار السياسي الواقعي الدولي والداخلي، وكي لا يحصد النقاط التي تخوّله كسب الوقت منتظرا تسوية إيرانيّة أميركيّة قد تكون مجرد أضغاث أحلام.
في المقابل إن الحزب الذي تباهى باحتلال بيروت بساعة واحدة عام ٢٠٠٨ لم يعد قادرا على اثارة الذعر لعشر دقائق تحت جسر المشرفيّة، أي أن الضرب بالميّت حرام.
محاكمة حزب الله سياسيا تولد ميّتة لثلاثة أسباب على الأقل:
١- غياب أي قوى تغيير منظّمة قادرة على أن تكون بديلا مقنعا
٢- النظام التعددي القائم على توليد ميني حروب أهليّة في أي وقت
٣-غياب القائد الحزبي الذي يقنع جمهوره بالهزيمة ويفكر بفتح صفحة جديدة.
يدرك حزب الله أن اغتيال نصرالله قطع شريان التعالي، وهو مماثل لاغتيال رئيس ميليشيا القوات اللبنانية بشير الجميل
الذي تلاه وراثة أمين الجميل لكرسي بعبدا قبل حلول تسونامي عون، ويدرك الشيخ نعيم قاسم ثلاثة أمور تتعلّق بالشجاعة…الأول استحالة تمثله أمام الجمهور كأسلافه نصرالله، السيد عباس الموسوي والشيخ راغب حرب
والثاني يتمثل باستحالة تنظيم الخلاف الداخلي ونقد ما سبق دون تخوين الآخر وتهديده أو ربما اغتياله
أمّا الثالث يرتبط بعدم جرأته على تنظيم الخلافات الداخلية في الحزب كما فعل سلفه نصرالله الذي أحسن إدارة الحزب وقلّص خلافات قادته وعناصره وحوّلها إلى تباين في وجهات النظر.
بيئة حزب الله تعيش اليوم في عبارة ارتجلتها الأميرة عائشة الحرّة والدة آخر ملوك الأندلس أبا عبدالله الصغير عقب سقوط غرناطة بيد ملك اسبانيا فرناندو: إبكِ كالنساء ملكًا لم تدافع عنه كالرجال.
*قبل توليه الأمانة العامّة، خاطب نصرالله جمهور الحزب في إحدى المحاضرات قائلاً: مشروعنا الذي لا خيار لنا غيره كوننا مؤمنين عقائديّين هو مشروع الدولة الإسلاميّة وحكم الإسلام، وألا يكون لبنان جمهوريّة اسلاميّة واحدة، بل جزء من الجمهوريّة الإسلاميّة الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ينوب عنه بالحق الوليّ الفقيه الإمام الخميني
اقرا ايضا: ازمة إضاءة «صخرة الروشة» انتهت… بولا يعقوبيان: قرار نواف سلام جريء وصائب…

