لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق ليرى أن إسرائيل تسير بخطى متسارعة نحو مأزق وجودي. فالغارة على قطر – الدولة الصديقة للولايات المتحدة، والوسيط المعروف، والتي لطالما لعبت دوراً أساسياً في ملفات غزة وبطلب إسرائيلي – لم تكن مجرد «عملية عسكرية». إنها إعلان بأن إسرائيل لم تعد تميز بين العدو والوسيط، بين الخصم والشريك. دولة، ولأول مرة، تغتال وسيط السلام.
هذا الانزلاق لا يفتح لها أبواب الأمن، بل يرسّخ صورتها كـ«ثكنة حديدية» مغلقة على نفسها.
دولة الإرهاب والعزلة المتزايدة
إن حرب الإبادة التي تقودها منذ ما يقرب العامين، تكرّس إسرائيل دولة إرهابية كاملة الأوصاف. لقد استطاعت خلال تلك الفترة أن تؤلب الرأي العام العالمي ضد ممارساتها الوحشية الموصوفة.
لأول مرة تعاني عزلة متزايدة، ويُمنع العديد من سياسييها من السفر إلى عدد من البلدان الأوروبية.
المواطن الإسرائيلي يعيش منذ سنوات بين جدران إسمنتية وغرف أمان. البيت نفسه صار ملجأً، والمدينة تحوّلت إلى ثكنة. لكن الجديد، برعاية نتنياهو وزمرته من اليمين المتطرف، أن السياسة الخارجية باتت تعكس العقلية نفسها: كل صديق مرشح أن يصبح عدواً، وكل جار يشكّل مصدر تهديد، وكل فلسطيني هو مشروع شهيد. ومع هذا التوجس المطلق، أي حياة تبقى للمواطن الإسرائيلي العادي؟ هل يستطيع أن يعيش حياة طبيعية فيما هو محاصر بخوف دائم، وعزلة متنامية؟
مشروع صهيوني ينقلب على نفسه
جنون نتنياهو، باندفاعه بعدد سكان لا يصل إلى عشرة ملايين، يسعى إلى الصدام مع محيط عربي يتجاوز 400 مليون نسمة، ومع أطراف دولية صديقة أيضاً، ما يدفع إسرائيل إلى عزلة خانقة بحيث بات مصيرها ووجودها مهدَّدين. نعم، قد تستطيع الدولة العيش بعض الوقت داخل هذه «الدروع الحديدية»، لكن التاريخ يعلّمنا أن أي ثكنة لا تدوم. الاقتصاد سوف يتضعضع، الهجرة المعاكسة ستتفاقم، والروح المعنوية سوف تَضعُف تحت ثقل حالات الطوارئ المستمرة. الإرهاب الذي تمارسه هذه الدولة سوف يخنقها.
المواطن الإسرائيلي يعيش منذ سنوات بين جدران إسمنتية وغرف أمان. البيت نفسه صار ملجأً، والمدينة تحوّلت إلى ثكنة.
المفارقة الكبرى: إن المشروع الصهيوني وُلد على وعد «أرض آمنة لليهود»، لكنه ينقلب اليوم إلى العكس تماماً؛ إنها أرض الجحيم لها ولجيرانها. فإسرائيل تتحول إلى المكان الأكثر خطراً في العالم على اليهود، حيث يصبح المنزل ملجأً مصفحاً حقيقياً، والدولة جداراً للعزل لا للتواصل، والحياة المدنية مجرد امتداد للحياة العسكرية. وأي حياة هذه!
من هنا، لم يكن العدوان على قطر مجرد حدث عابر، بل محطة تكشف أن إسرائيل، بسياسات قادتها الجنونية، تخسر القدرة على بناء مستقبل طبيعي لها ولمواطنيها في المنطقة. لقد تحولت إلى دولة انتحارية.
الخيار أمامها واضح: إما أن تنفتح على محيطها عبر سلام حقيقي، أو أن تواصل الانغلاق حتى تنهار تحت وطأة عزلة تصنّعها يومياً بيديها.
اقرا ايضا: علي حمادة لـ«جنوبية»: القمة العربية الإسلامية في الدوحة موجّهة لـ«واشنطن» والوساطة القطرية مجمّدة

