الجمعيات الخيرية تزداد… والفقراء يزدادون!
مقدمة تمهيدية مرافقة للبحث. تنويه مهم:
يُطرح هذا البحث من منطلق إنساني، اجتماعي، وأخلاقي، لا بهدف التشهير أو التعميم، بل بغرض تسليط الضوء على ظاهرة حقيقية تمسّ كرامة الإنسان في لبنان. لا يُقصد من هذا المقال الإساءة إلى الدين، ولا إلى العمل الخيري بحدّ ذاته، بل إلى بعض الممارسات المنحرفة التي شوهت صورة هذا العمل السامي، حين تم استغلاله لأغراض سياسية أو طائفية أو شخصية. نحن نؤمن بأن في لبنان أصواتًا صادقة وجمعيات نزيهة ما زالت تعمل بصمت من أجل الإنسان، وهي تشكّل النواة الصلبة التي يجب دعمها وتقويتها. الهدف من هذا البحث هو الدعوة إلى الشفافية، المحاسبة، والعدالة، وهو دعوة مفتوحة لجميع المعنيين من داخل الدولة وخارجها لإعادة الاعتبار إلى العمل الخيري كمسؤولية أخلاقية لا كأداة نفوذ. إننا نكتب بدافع الإصلاح لا الإدانة، وبروح وطنية جامعة لا فئوية، إيمانًا منا بأن لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس العدل، والرحمة، والضمير الحيّ.
مقدمة:
لبنان بلد غني بتاريخه وتنوعه، لكنه يواجه اليوم تحديات معقدة بين الفقر والدين والسياسة. الجمعيات الخيرية التي كان من المفترض أن تكون ملاذًا للرحمة والإنسانية، أصبحت أحيانًا جزءًا من مشاكل استغلال
الفقر لأهداف أخرى. في هذا المقال، نلقي الضوء على هذا الواقع المؤلم ونبحث عن الطريق نحو شفافية ومحاسبة حقيقية. اجتماعياً، يعكس هذا الواقع حالة تفكك مؤسسات المجتمع المدني، حيث يُفقد الناس ثقتهم في الفاعلين الاجتماعيين الذين من المفترض أن يدعموا المجتمع. إن تداخل الدين والسياسة في الجمعيات الخيرية يجعل من العمل الإنساني أداة نفوذ وليس مساعدة، ما يزيد من معاناة الفئات الضعيفة. على الصعيد القانوني، يغيب نظام رقابي فعال، مما يسمح باستغلال الموارد وعدم محاسبة المتسببين، بينما وطنياً، تتراجع صورة لبنان كدولة تحترم حقوق مواطنيها وتضمن لهم العيش الكريم.
1. بين الرسالة والممارسة: أزمة الثقة في العمل الخيري
في لبنان، لم يعد الفساد محصورًا في أروقة السياسة أو في صفقات رجال الأعمال، بل تسرّب إلى مواطن كان يُفترض أن تبقى طاهرة، كريمة، تعمل في صمت من أجل الإنسان. نعم، حتى الجمعيات الخيرية التي تُنسب إلى الدين، والتي ادّعت أنها وُجدت لرعاية الأيتام والفقراء والمعوقين، أصبحت اليوم غطاءً ناعمًا لفسادٍ خشن.
هذا يخلق أزمة ثقة اجتماعية عميقة، حيث يتحول الفقراء من مستفيدين إلى أدوات تُستغل سياسياً. إن استغلال الجمعيات لاسم الدين ينعكس على الشرخ المجتمعي ويهدد الوحدة الوطنية. من الناحية القانونية، الفساد داخل هذه الجمعيات يكشف غياب آليات الشفافية والمساءلة التي تمنع استغلال الأموال العامة والخاصة.
2. وعود الخير الغائبة حين يحين وقت الحاجة
تُجمع التبرعات في صناديق تُسمّى «للرحمة»، وتُعلَّق (اليافطات) التي تبشّر بالخير والعطاء، وتُتلى الآيات الكريمة التي تحثّ على الإنفاق. لكن حين جاء موعد الوفاء، وحين جاع الناس، ومرض الأطفال، وتهدمت البيوت في الحرب الأخيرة، لم يرَ أحدٌ أثرًا لتلك الأموال. فهل يُعقل أن
تكون الجمعيات في كل حيّ وبلدة، بينما لا يجد المحتاجون مأوى أو رغيفًا أو علاجًا؟ إن غياب أثر هذه الأموال على الأرض يزيد من فقدان الثقة بين المحتاجين والمجتمع المدني، ويعزز شعور الإحباط واليأس، وهذا له أثر نفسي واجتماعي سلبي عميق. قانونياً، هذا يشير إلى ضعف الرقابة على التبرعات وصرفها، وهو انتهاك للثقة العامة. وطنياً، يعكس تدهور قدرة الدولة والمجتمع على تأمين الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية.
3. حين يُستثمر الفقر في تعزيز النفوذ
هل يُعقل أن يتضخّم نفوذ رؤساء الجمعيات وبعض رجال الدين، فيما يُترك الفقراء يتسوّلون على أبواب المساجد والمعابد؟ بعض الجمعيات المسماة بالخيرية تُكثر من الكلام والدعاية، وتُقلّ في العطاء والإنفاق، خلافًا لما ورد عن الأئمة (عليهم السلام): “طوبى لمن أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من كلامه.” اجتماعياً، استغلال الفقر بهذه الطريقة يؤدي إلى مزيد من التبعية والتجزئة المجتمعية، حيث تُستخدم المساعدات كأدوات سياسية وطائفية تعمّق الانقسامات. إن استثمار الدين في النفوذ يخرب قيم التكافل والتراحم، ما يعكس أزمة أخلاقية ووطنية عميقة. قانونياً، مثل هذه الممارسات تخرق مبادئ النزاهة والعدالة في توزيع الموارد.
4. الجمعيات الخيرية بين العهد المنشود والخير المفقود
وقد قال الله تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ، فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}
فكيف يكون ذلك مقبولًا حين يُنطق بالكلام ولا يُوفى به؟
إن بعض الجمعيات أصبحت تُشبه “شركات استثمارية” تستثمر في فقر الناس، وتبيع معاناتهم في حملات إعلامية، وتوزّع المساعدات وفقًا لخريطة حزبية وطائفية. وهكذا، تُصادر الكرامة قبل أن تُقدَّم المساعدة.
فهل تحوّل الدين في لبنان إلى وسيلة لـ”إدارة” الناس بدل أن يكون طريقًا لرفعتهم وإنقاذهم؟ هل أصبح الدين بابًا للسيطرة لا بابًا للرحمة؟ إنه دين يُدار به الناس، لا دينٌ عاش الناس به. من الناحية الاجتماعية، فقدان الكرامة هو انتهاك جوهري لحقوق الإنسان. إن تحوّل العمل الخيري إلى أداة سياسية يقتل روح التضامن ويعمق الإقصاء، مما يؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي. قانونياً، هذا يشير إلى غياب معايير واضحة لمنح المساعدات وتحويل العمل الخيري إلى استثمار سياسي منافٍ للأخلاقيات. وطنياً، هذه الظاهرة تضر بوحدة المجتمع اللبناني وتزيد من حدة الصراعات الطائفية والسياسية.
5. الشعر كمرآة لواقع مُشوَّه
“تحكم باسمِ الدينِ كلٌّ مذمّم
ومُرتكب حفّت به الشُبُهات
وما الدينُ إلاّ آلةٌ يَشهَرها
إلى غرضٍ يقضُونه، وأداة
فهل قضتِ الأديانُ أن لا تُذيعَها
على الناس إلا هذه النُكِرات؟
يدي بيد المستضعفين أُريهمُ
من الظُلم ما تعيا به الكلمات”
(محمد مهدي الجواهري)
بل وقيل:
“أتزعمُ أنّك تحكمُ دينًا؟
وأنتَ على الشرّ تقضي وتَحكمْ؟
تشدّقْتَ بالإثمِ حتى غدونا
نُقدّس حتى الخطايا ونُظلَمْ”
تعكس هذه الأبيات الشعرية مأساة استغلال الدين في السلطة والقهر، وهو تعبير إنساني عميق عن الألم الاجتماعي الناتج عن الظلم
والاستغلال. يبرز هذا الجانب التأثير النفسي والثقافي لهذه الظواهر على المجتمع اللبناني، حيث تتعمق جراح الثقة بين الناس والدين والسياسة. قانونياً، هي دعوة ضمنية لمحاسبة أولئك الذين يسيئون استخدام الدين لتحقيق مكاسب شخصية وسياسية.
6. ومضة أمل في العتمة
رغم هذا السواد، لا يمكن إنكار أن في لبنان جمعيات نزيهة، تعمل في صمت وبلا ضجيج. تُطعم الفقير وتداوي المريض دون سؤال عن الهوية والانتماء. هؤلاء يؤكدون أن الخير ممكن… لكنه يُحاصر ويُقصى من المشهد العام، لصالح من يحترف المتاجرة. وجود هذه الجمعيات يُظهر أن الأمل ما زال قائماً في النفوس والمجتمع المدني. هذا يشير إلى إمكانية بناء نموذج إنساني يقوم على التضامن الحقيقي والشفافية، وهو أساس لأي مجتمع صحي ومستقر. قانونياً، هذه الجمعيات تمثل النموذج الذي يجب أن تُحتذى به وتُدعم عبر تشريعات تحمي عملها وتضمن استقلالها، وطنياً، هي رمز للوحدة الاجتماعية التي يمكن أن تعيد بناء لبنان.
7. دعوة الأنبياء والأئمة: الإيمان لا ينفصل عن التكافل
هؤلاء الذين يلبسون عباءة الدين ويُديرون الجمعيات الخيرية، هل نسوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله: “ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع.” (رواه الطبراني وغيره) وأين هم من قول الإمام الصادق (عليه السلام): “من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم.” هذه الدعوة تمثل جوهر الأخلاق الدينية والإنسانية، فهي تربط الإيمان الحقيقي بالعمل الاجتماعي والعدل. إن نسيان هذه القيم هو تفريط في جوهر الدين وتحويله إلى أداة ضغط ونفوذ. اجتماعياً، غياب هذه الروح يؤدي إلى تآكل العلاقات الاجتماعية والمجتمعية. وطنياً، هو تراجع في القيم التي ينبغي أن تؤطر الحياة العامة والسياسية. قانونياً، يمكن ترجمة هذه القيم في تشريعات تحمي الفقراء والمحتاجين وتعزز العدالة الاجتماعية.
8. تبرعات تُبدد، ومعاناة تتراكم
الجوع ينهش بطون الأطفال، والمرض يفتك بالشيوخ، والنزوح دمّر العائلات، بينما تُنفق أموال التبرعات في بناء النفوذ، وتكديس الأرصدة، وتمويل الطمع السياسي… لا الرحمة. هذه الفجوة بين المعاناة والموارد المتوفرة تشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، وهي معاناة لا تُحتمل على الصعيد الإنساني والاجتماعي. قانونياً، يُعد ذلك فساداً وإساءة لإدارة الموارد التي يجب أن تستثمر في خدمة المحتاجين. وطنياً، يشكل هذا المشهد فشلاً في أداء الدولة والمجتمع المدني، مما يزيد من ضعف الثقة في المؤسسات.
9. مشهد جياعٍ على أبواب منابر الوعظ
“ألم ترَ أن الشعب جلّ حقوقه
هي اليوم للأفراد ممتلكات؟
أتُجبى ملايينٌ لفردٍ، وحوله
ألوفٌ عليهم خلتِ الصدقات!؟
وأعجبُ منها أنهم يُنكرونها
عليهم، وهم لو يُنصفون جُباة
وفي تلك مبطانونَ، صُغُرُ نفوسهم
وفي هذه غرثى البطون أباة
ولو كان حُكمٌ عادلٌ لتهدّمت
على أهلها هاتيكم الشرفات
على باب “شيخ المسلمين” تكدّست
جياعٌ علتْهم ذلّةٌ وعراة
همُ القومُ أحياءٌ تقول كأنهم
على باب “شيخ المسلمين” موات”
(محمد مهدي الجواهري)
هذا الوصف الشعري يسلط الضوء على التناقض الكبير بين ثراء البعض
ومعاناة الفقراء، وهو تمثيل صارخ للفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية. اجتماعياً، هذه الفجوة تزرع الاستياء والغضب، وتضعف اللحمة الوطنية. قانونياً، تعكس هذه الصورة نقصاً في الإنصاف وسيادة القانون التي يجب أن تحكم توزيع الثروات والحقوق.
10. أين الدولة؟ أين الرقابة؟ أين الضمير؟
أسئلة كبرى تُطرح:
أين الشفافية؟
أين تُصرف الأموال؟
من يراقب هذه الجمعيات؟
أين الدولة من هذا الفساد المغلّف بالموعظة؟
وأين الناس؟ … على باب “شيخ المسلمين”؟
“همُ القوم أحياءٌ تقول كأنهم
على باب شيخ المسلمين موات.”
تعكس هذه الأسئلة غياب الدولة الحقيقية التي يجب أن تراقب وتحاسب، مما يسمح بتفاقم الفساد. ضعف المؤسسات الرقابية يهدد النظام الاجتماعي والاقتصادي. اجتماعياً، يتراجع الإحساس بالمسؤولية الجماعية، مما يؤدي إلى تفكك المجتمع. وطنياً، يشير إلى خلل في هيكل السلطة والحوكمة، وقانونياً، يؤكد الحاجة إلى تشريعات وإجراءات أكثر فعالية لضمان المحاسبة.
11. مطلب الفقراء: عدل لا أكثر
فقراء لبنان لم يطلبوا المستحيل. كل ما أرادوه هو أن تصلهم الرحمة حين تمسّ حاجتهم، أن تُوزَّع الصدقات بعدل، لا وفقًا لمزاج حزبي. أن تكون الجمعيات جسرًا بين الغني والفقير، لا حائطًا بينهم. هذه المطالب تعكس الحاجة الأساسية للعدالة الاجتماعية التي هي حجر الأساس لأي مجتمع مستقر. اجتماعياً، تحقيق العدالة يخفف من التوترات ويقوي الروابط بين
المواطنين. وطنياً، هو شرط لبناء دولة تحترم حقوق جميع أبنائها. قانونياً، تتطلب إرساء آليات واضحة للشفافية والمساءلة في العمل الخيري.
12. حين يصبح الضمير أهم من أي ترخيص
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجمعيات “المرخّصة”، بل إلى ضمير حيّ. لبنان بحاجة إلى نظام شفاف وخاضع للمحاسبة في جمع التبرعات وتوزيعها. كفى استغلالًا… كفى متاجرة بالفقر والدين! وإن لم يُفتح باب الرحمة في الحرب، فمتى يُفتح؟ هذا يضع الضمير والشفافية كقيمة عليا تتجاوز الإجراءات الشكلية، وهو دعوة لتجديد الأخلاق المجتمعية والسياسية. اجتماعياً، يشير إلى ضرورة تعزيز الوعي المجتمعي والضغط على المؤسسات لتحقيق ذلك. وطنياً، يبرز أهمية بناء مؤسسات قوية وعادلة. قانونياً، يحث على وضع أطر قانونية صارمة تمنع الاستغلال وتعاقب عليه.
13. الإمام علي… حين جعل من العدل سلوكًا لا شعارًا
وما أبلغ ما قاله أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) حين خاطب نفسه:
“ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع. أو أبيت مبطانًا وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى؟ أأقنع من نفسي بأن يُقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش؟ فما خُلقت ليُشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة، همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يُراد بها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يُراد بها. أو أُترك سدى، أو أُهمل عابثًا، أو أجرّ حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة.”
هذا ليس كلام حاكم… بل روح تمشي على الحافة بين الجوع والعدل.
ليس وعظًا… بل ميزانٌ نُوزَن به، لا نُوزِن به غيرنا. فأيُّ معدن نحن؟ وهل نقف أمام هذا الذهب الإنساني… دون أن ننصهر خجلًا؟ الإمام علي يمثل نموذجاً أخلاقياً وقيادياً للعدل الاجتماعي، حيث العدل ليس شعاراً بل تطبيقاً عملياً يتطلب التضحية والالتزام. اجتماعياً، يجب أن يكون هذا النموذج قدوة لكل من يدير شؤون المجتمع. وطنياً، يحتاج لبنان لقيادات ذات رؤية أخلاقية تستعيد دور الدولة في تحقيق العدالة. قانونياً، يستوجب ذلك وضع قواعد تحكم السلوك العام والمسؤولية الاجتماعية.
14. جمعيات متشابكة… منظومة نفوذ لا تنكسر بسهولة
في لبنان، لم تعد الجمعيات الخيرية كيانات مستقلة أو معزولة، بل أصبحت جزءًا من شبكة مترابطة ومتماسكة، تتبادل الأدوار وتتحصّن ببعضها البعض. في حال تعرّضت إحداها لفضيحة أو انكشاف، تسارع جمعية “شقيقة” لتكون الغطاء البديل، فتستمر القنوات نفسها، والتمويل ذاته، والأساليب عيْنها… وكأن شيئاً لم يكن. وهكذا، لا تسقط جمعية فاسدة إلا وقد أُعدّ البديل مسبقًا، ضمن هندسة محكمة تُبقي الاستغلال قائمًا ولو تغيّرت الواجهات والشعارات. واللافت أن هذه الشبكات لا تتبع طائفة أو حزبًا واحدًا، بل تمتد عبر الطوائف والانتماءات السياسية كافة، حيث تُنسَج التحالفات في الخفاء بين جمعيات وأحزاب وزعامات من اتجاهات مختلفة، تجمعهم مصالح مشتركة، لا مبادئ أخلاقية. وهكذا، يصبح الفقر موردًا مشتركًا يُستثمر فيه، لا أزمة يُكافَح من أجل حلّها.
اجتماعياً، يؤدي ذلك إلى ترسيخ مناخ الاشتباه وانعدام الثقة، وتضييق الأفق أمام المواطنين الباحثين عن عدالة أو مساعدة حقيقية. وطنياً، يُكرّس هذا الواقع ثقافة الزبائنية والاحتكار، ويُفشل أي محاولة إصلاحية صادقة. قانونياً، فإن تواطؤ هذه الشبكات يشكل فسادًا منظّمًا عابرًا للطوائف والقوانين، يستدعي تفكيكًا دقيقًا ورقابة صارمة وتشريعات تردع وتحاسب بجرأة واستقلالية.
15. بين عباءة الدين وثوب السياسة: أدوات نفوذ لا خدمة
لم تعد عباءة الدين وحدها ما يُستغل في لبنان لتبرير الصمت على الفساد، بل كذلك ثوب السياسة الذي فُصّل مرارًا على مقاسات الزعامات لا على مقاس الشعب. لقد تحوّلت السياسة، كما الدين، من وسيلة لتحقيق العدالة، إلى أداة للهيمنة والترويج للذات. بعض السياسيين، كرجال الدين المتنفّذين، يديرون الجمعيات الخيرية كأنها امتداد طبيعي لنفوذهم الحزبي، ويوظفونها في معاركهم الانتخابية، أو لبناء شبكات الولاء والزبائنية. هكذا، تتضافر العباءتان — عباءة الدين وثوب السياسة — في إنتاج منظومة واحدة: استغلال الفقر لا مكافحته، وتسويق الكرامة بدل صونها. اجتماعيًا، هذا التحالف يكرّس منطق التبعية، ويُفرغ العمل الخيري من محتواه الأخلاقي، ويحرم المجتمع من فرصة إنتاج تضامن حقيقي. وطنياً، يعكس اختلالًا عميقًا في بنية السلطة، حيث تغيب الدولة وتُستبدل بشبكات نفوذ طائفية – سياسية متشابكة. قانونياً، هو وجه من وجوه الفساد المنظّم، يحتاج إلى تشريعات جريئة ومحاسبة مستقلة لا تخضع لحماية الزعامات أو المؤسسات الدينية المتنفّذة.
عندما يُصبح العدل جوعًا نعيشه لا شعارات نرفعها. الرحمة ليست فقط شعارات تُرفع أو كلمات تُقال، بل هي أفعال تنبع من ضمير حيّ والتزام أخلاقي. لبنان اليوم في حاجة ملحة إلى استعادة هذه القيم الإنسانية والدينية، عبر شفافية حقيقية ومحاسبة عادلة. لا يكفي أن نلبس عباءة الدين لنبرر استغلال حاجة الفقراء، بل علينا أن نجعل الرحمة عنوان كل عمل نبنيه. إن كلام الإمام علي (عليه السلام) لم يكن زهدًا منعزلًا، بل كان موقفًا عمليًا من العدالة، من الجوع، من المسؤولية. كان ميزانًا نقيس به ضمائرنا لا أصواتنا فقط. فهل نملك القوة لنكون على مستوى هذا الواجب الإنساني؟ ليس السؤال اليوم: كم جمعية لدينا؟ بل السؤال الحقيقي: كم ضميرًا حيًّا بقي فينا؟ وإن لم نفتح باب الرحمة حين تشتد الحاجة، فمتى
نفتح أبوابه؟ وإن لم يكن الدين وسيلة لرفع الظلم، فماذا بقي من رسالته؟ إنها دعوة صريحة لإعادة بناء الضمير الوطني والأخلاقي، وهو أساس الإصلاح الحقيقي في لبنان. اجتماعياً، يشجع على مسؤولية جماعية لمواجهة الظلم والفقر. وطنياً، يؤكد ضرورة تفعيل دور الدولة والمجتمع المدني في حماية الحقوق وتحقيق العدالة. قانونياً، يحث على تطوير أطر تشريعية تضمن احترام الكرامة الإنسانية ومحاسبة من يستغل الدين والفقر لأغراض سياسية أو شخصية. وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون.
اقرا ايضا: علي حمادة لـ«جنوبية»: القمة العربية الإسلامية في الدوحة موجّهة لـ«واشنطن» والوساطة القطرية مجمّدة

