للأُمَمِ والشُّعوبِ شخصيَّاتٌ كما للأفراد. ورغم وجود تمايزاتٍ جوهريَّةٍ بين شخصية الفرد وشخصية الجماعة من حيث التعقيدات والعوامل والتَّبدُّلات المُرافقة لتشكُّلِها، ومن حيثُ الامتداد الزَّماني والمكاني؛ رغمَ هذه التمايزات، ثمَّةَ اشتراكٌ للشَّخصيَّتَيْن في علاقة كُلٍّ منهما بتاريخها.
من حيثُ المبدأ، إنَّ شخصيَّةَ الفرد انعكاسٌ لأمورٍ عدة؛ كالبيئة التي نشأ فيها، التربية الأسرية، المخزون الثقافي والمعرفي وغير ذلك منَ المُحدِّدات والعواملِ المُؤسِّسة للشَّخصيَّة، والتي تُشكِّلُ بمُجملِها «تاريخ» هذه الشَّخصية. أمَّا شخصيَّةُ الجماعة فهي، من حيثُ المبدأ أيضًا، نِتاجُ «تاريخ» هذه الجماعة السِّياسي والثقافي/المعرفي، بل إنَّ العوامل الاقتصاديَّة والبيئية/الطبيعيَّة تلعبُ دورًا في تشكيل هذه الشَّخصيَّة. لكنَّ العاملَ الأكثرَ تأثيرًا في تشكُّلِ شخصيَّة الأفراد والجماعات على حدٍّ سواء، ليس التَّاريخُ نفسُه وإنَّما كيفيَّة التَّعاطي مع هذا التَّاريخ.
القائد والمفكّر في التاريخ
إنَّ القاعدة الأكثر دقَّةً هي أنَّ شخصيَّةَ الجماعةِ انعكاسٌ لتعاطي هذه الجماعة مع تاريخِها ونظرتِها إليه. وكما أنَّ للفردِ «ظروفًا» تمنعُه أحيانًا، أو غالبًا، منَ التَّعاطي الصَّحيح والسَّليم مع «تاريخِه»، فكذلك للجماعةِ ظروفٌ تمنعُها من التَّعاطي السَّليم مع تاريخِها. بالتَّالي، إنَّ القائد الحقيقي لأي جماعة هو الذي يسعى إلى تهيئة الظُّروفِ الدَّافعةِ نحو التَّعاطي السَّليم لهذه الجماعة مع تاريخِها؛ والمُفكِّر/المثقَّفُ الحقيقي هو الذي يحاوِلُ الإضاءةَ على سُبُلِ هذا التَّعاطي السَّليم.
الشيعة في لبنان وتجربة «الشيعيّة السياسية»
الشِّيعةُ في لُبنان جماعةٌ كأيِّ جماعةٍ لها تاريخُها الخاصُّ بها وتاريخٌ عامٌّ تتشاركُه معَ الجماعةِ الأوسع، وكُلَّما اتَّسعتْ هذه «الجماعةُ الأوسعُ» امتدَّ التَّاريخُ العامُّ للبنانيِّين الشِّيعة في الزَّمان والمكان. وكأيِّ طائفةٍ منَ الطَّوائفِ الأقلَّويَّةِ في الشَّرق، مرَّ الشِّيعةُ في لُبنان بتجربتِهم الخاصَّةِ التي تعارَفَ اللُّبنانيُّون على تسميتِها بـ «الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ»، على غِرار المارونيَّة والسُّنيَّةِ السِّياسيَّتَيْن، والتي ترمزُ إلى الحِزبَيْن الشِّيعيَّيْن «حزب الله» و«حركة أمل»، رغمَ الفوارقِ الكثيرة في نظرةِ كُلٍّ منهما إلى التَّشيُّعِ وموقعِه منه.
ي واقعٍ طائفيٍّ كالواقعِ اللُّبنانيِّ، تُعدُّ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ حالةً طبيعيَّةً نوعًا ما. بيدَ أنَّ التَّحوُّلَ السِّياسيَّ الذي أصابَ إيران عام 1979 وأنتجَ «حزب الله» في لُبنان؛ هذا التَّحوُّلُ الخطير أدَّى، من جُملةِ ما أدّى إليه، إلى أنْ تتَّخذَ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ الوليدةُ آنذاكَ طريقًا يُمكنُ تسميتُه بـ «الطَّريق إلى الشَّخصيَّةِ المُتعالية». فمعَ نشوء «حزب الله» بدأتْ بذورُ التحوُّل إلى الشَّخصيَّةِ المُتعالية تنمو في ظروفٍ موضوعيَّةٍ وذاتيَّةٍ انتهتْ في العام 2005 إلى هيمنةِ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ وشخصيَّتِها المُتعالية على لُبنان لعقدَيْن بائسَيْن من تاريخه.
الاغتيال والتأديب: من الداخل إلى الخارج
بدأَ مشروعُ التَّحوُّلِ إلى الشَّخصيَّةِ المُتعاليةِ بعمليَّةٍ «تطهيرٍ» قامتْ بها الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ عبرَ اغتيالِ النُّخبِ الشِّيعيَّةِ كحسين مروة، مهدي عامل، موسى شعيب وغيرهم. وبعدَ هيمنتِها على الواقعِ السِّياسيِّ في لُبنان، تحوَّلت من اغتيالِ المُختلفين عنها من أبناءِ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ إلى سياسةِ الإسكاتِ أو «التَّأديب»، حيثُ باتَ لكُلِّ شيعيٍّ مُختلِفٍ عنها نصيبُه من الاعتداءِ إذا قرَّرَ أنْ يجهرَ باختلافِه.
ولم يُوَفِّرِ الحِزبان الشِّيعيَّان، وإنْ كانَ لـ «حزب الله» نصيبٌ أكبر من نصيبِ «حركة أمل»؛ لكنَّهما لم يُوفِّرا أحدًا من سياسةِ القمع و«التأديب» هذه؛ بدءًا بالنُّخبِ الشِّيعيَّةِ المُختلفةِ عنهما، وليسَ انتهاءً بصاحبِ بسطةٍ «مُستضعَفٍ» في حيٍّ يضمُّ العددَ الأكبر من «بروليتاريا حزب الله»؛ تمامًا كما جرى عندَ إزالةِ البسطات المُخالِفة في موقف حيّ السُّلم عام 2017، تلكَ الحادثةُ التي تُعدُّ بدايةَ شيوعِ مُصطلحِ «السَّحسوح» الذي تحوَّلَ من اعتداءٍ وجريمةٍ يُعاقبُ عليهما القانون إلى ثقافةٍ «مُقاوِمة»، هي في واقعِ الأمرِ جُزءٌ من هويَّة مُرتكبيها.
فكرة مقدّسة وعنف متجذّر
إنَّ الاعتداءَ على الآخر، بسبب رأيه المُختلف، هو حالةٌ غيرُ سويَّةٍ تحتاجُ إلى أمرٍ من أمرَيْن؛ إمَّا إلى الجُنون، وإذَّاكَ لا عتبٌ ولا جزاءٌ، وإمَّا إلى فكرةٍ مُقدَّسَةٍ تُعطي المُعتدي «شرعيَّةً» تُبرِّرُ له ارتكابَ الاعتداء. والتَّقديسُ، لُغةً، هو التَّنزيهُ عن العيب. من هُنا، يُعدُّ كُلُّ رفضٍ أو منعٍ أو قمعٍ لنقدِ فكرةٍ أو شخصٍ أو كيانٍ تقديسًا لها، بغضِّ النَّظرِ إنْ كانَت الفكرة/الشَّخص/الكيان مُقدَّسةً في ذاتِها أو لم تكن.
بالتَّالي، ليسَ بالضَّرورةِ أنْ تكونَ الفكرةُ المُقدَّسةُ دينًا، بل أحيانًا قد تكونُ إلحادًا، كتجربةِ العُنف في الاتِّحادِ السوفييتي «المُلحد». وعلى حدِّ تعبير المُفكِّر الإيراني الرَّاحل، علي شريعتي، فالكُفرُ دينٌ أيضًا. والفكرةُ المُقدَّسةُ، سواءٌ كانت دينًا إيمانيًّا أو دينًا إلحاديًّا، هي أكثرُ الأفكارِ قُدرةً على التَّحفيزِ على العُنف.
إنَّ التَّأسيسَ للعُنفِ على أساسِ فكرةٍ مُقدَّسةٍ يُنتِجُ عُنفًا مُتجدِّدًا باستمرار، إلى حدٍّ يُصبِحُ العُنفُ جُزءًا من هويَّة مُرتكبه. وهُنا لا بُدَّ من الإشارةِ إلى أنَّ الحديث مُختصٌّ بالعُنف الذي تُمارسُه الجماعات والأحزاب السِّياسيَّة فقط، وليس الدُّول. فالعُنفُ، مثلًا، جزءٌ من هويَّة القوى العسكريَّة التي تُمارسُ الدَّولةُ من خلالِها حقَّها، بل واجبَها، في احتكار مُمارسة العُنف من أجل حماية مُقدَّسٍ واحد هو حقوق الإنسان. في حين لا يجوزُ للدَّولة، فضلًا عن أن يجوزَ لغيرها، استعمالُ العُنفِ من أجلِ فكرةٍ مُقدَّسةٍ، وثمَّةَ فارقٌ كبيرٌ ومَهولٌ بين الفكرة والحق.
الشخصية المتعالية كشرط لممارسة العنف
لذلك، إنَّ الجماعات والأحزاب السياسيَّة تحتاجُ دائمًا إلى فكرةٍ عُليا؛ فكرةٍ مُقدَّسةٍ، تُؤسِّسُ للعُنفِ على أساسِها بعدَ أن تُحقِّقَ شرطًا أساسيًّا لهذا التَّأسيس وهو التَّماهي مع الفكرة إلى حدٍّ يتحوَّلُ فيه الوجودُ السِّياسيُّ في السُّلطة إلى غريزةٍ، كغريزة البقاء. والتَّأسيسُ للعُنفِ على أساسٍ مُقدَّس يحتاجُ إلى وجودِ الشَّخصيَّة المُتعالية التي تكون انعكاسًا لحالةِ المُماهاةِ بينَ الذَّاتِ والفكرة المُقدَّسة، ممَّا يجعلُ الشَّخصيَّةَ نفسَها مُقدَّسةً.
من هُنا، إنَّ تعالي شخصيَّة جماعةٍ على شخصيَّاتِ الجماعاتِ الأُخرى هو تمهيدٌ لمُمارسةِ العُنفِ عليها، والذي يغدو بدورِه نتيجةً منطقيَّةً لهذه المقدِّمة. ليكونَ السُّؤال الضَّروريُّ هُنا: كيفَ استطاعتِ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ خلقَ هذه الشَّخصيَّةِ المُتعاليةِ لدى أتباعِها؟
من خلل التاريخ إلى خلل العقيدة
لم تبتكرِ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ الخلل القائمَ في تعاطي الشِّيعةِ مع تاريخِهم. لكن يجوزُ القولُ إنَّ الخلل الذي كان قائمًا قبلها هو جُزءٌ من الخللِ العربي العام في التَّعاطي مع التَّاريخ، وبالتَّالي كان خللًا طبيعيًّا إلى حدٍّ ما. والأهمُّ من هذا كُلِّه أنَّه كان خللًا في التَّعاطي مع التَّاريخ السِّياسيِّ للشِّيعة، ولم يُصبحْ خللًا في التَّعاطي مع التَّاريخ العقائدي إلَّا مع الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي أسَّستْ فكرَها السِّياسيَّ على العقيدةِ الشِّيعيَّة، وهو أمرٌ لن يُنتِجَ إلَّا شخصيَّةً مُتعاليةً، لأنَّ هذا النَّوع من الشَّخصيَّة هو نتيجةٌ منطقيَّةٌ للتأسيسِ للسِّياسيِّ على الدِّيني، بخاصَّةٍ إذا كانَ هذا «الدِّيني» يُمسكُ بالتَّاريخ والحاضر والمُستقبل من خلال ثالوث «الإمام» و«الفقيه» و«المُنتظر».
حزب الله والنزعة إلى الأوّلية والأبدية
من هُنا، تشتركُ الشِّيعيَّةُ السِّياسيَّةُ مع غيرِها من تنظيمات الإسلام السِّياسيَّ، رغمَ الفوارق الجوهريَّة بين مُختلفِ فصائلها، بل حتَّى بين «حزب الله» و«حركة أمل»؛ تشتركُ في الشَّخصيَّة المُتعالية التي تتصرَّفُ على أنَّها مُقدَّسة. فنرى مثلًا «حزب الله» يُسائلُ الجميعَ ولا يُسائلُ نفسَه، فضلًا عن أنْ يقبلَ بأن يُسائلَه أحد؛ يُخاطبُ خصومَه، وحُلفاءه أحيانًا، كأنَّه يراهم من فوقِهم؛ يبدأُ التأريخَ للشِّيعةِ في لُبنان من لحظةِ تأسيسِه، وخُطابُه اليوميُّ أنَّ نهايتَه هي نهايةٌ للشِّيعة؛ «يُعطي فُرصًا» للنَّاس وللدَّولة أيضًا؛ ودائمًا يُخاطبُ النَّاس بالأمر والنَّهي ومن موقعِ من يرى نفسَه مرجِعًا لتحديد خطاب النَّاس ومعاييرِهم.
إلى غير ذلكَ من الخطاب اليوميِّ الذي يُمكنُ اختصارُه بعبارةٍ مؤدَّاها: «إنَّ حزب الله يجبُّ ما قبلَه، وهو الأوَّلُ والآخرُ وما بينهما»! حتَّى إنَّ هذه الشَّخصيَّة المُتعالية تظهرُ في أناشيدِه وأناشيد «بيئته»، على سبيل المِثال: «هز العصاية بإيدك واحد واحد ربيهن»، «نحنا التاريخ والحاضر، نحنا الجايي». وفي شعاراتِه مثل: «لن تسقط لنا راية»، «نحنُ لا نُهزم»؛ في اللَّطميَّات ومجالس العزاء؛ في الهجوم على المُختلفين عنه؛ في استكبار نفسِه واستصغار العالَم.
في كُلِّ شيءٍ، تظهرُ معالِمُ هذه الشَّخصيَّةِ المُتعالية؛ المُنزَّهةِ عن النَّقد. هذه الشَّخصيَّةُ التي كانت، في كُلِّ لحظةٍ من عُمر الشِّيعيّة السياسية، تزيدُ، عليها وعلينا، كلفةَ الهزيمةِ وثمنَ الخروجِ منها!
اقرا ايضا: تصعيد ميداني وحراك أميركي متصاعد: «ضبابية» خطة حصر السلاح تستفزّ تل أبيب

