عن إرث «حسن الرفاعي» وأزمات لبنان..هل من حلول لتفسير الدستور؟

حسن الرفاعي

لم يكن الدكتور حسن الرفاعي مجرّد نائب سابق أو رجل قانون عابر في الحياة السياسية اللبنانية، بل تحوّل على مدى عقود إلى مرجع دستوري وفقيه قانوني، تستدعيه الصحافة وويستعين به السياسيون كلّما دخل لبنان في أزمة حكم أو نزاع حول الصلاحيات.

بصوته الهادئ ولغته القانونية المحكمة، شكّل الرفاعي بوصلة في تفسير الدستور، رافضًا أي اجتهاد يطيح بروح النظام الديمقراطي أو يلتفّ على اتفاق الطائف. فعلى الرغم من أنه اعتبر اتفاق الطائف ضرورة وطنية لإنهاء الحرب اللبنانية، كان شديد الحرص على أن يتم تطبيق بنوده بما يضمن احترام الدستور والمؤسسات، وانتقد أي تجاوز للسلطات أو تعطيل للمؤسسات بمبرّر الاتفاق. وقد عُرف عنه تمسّكه الدائم بضرورة احترام المؤسّسات، وتحذيره من مغبّة تحويلها إلى أدوات طائفية، ما جعله يُلقَّب بين زملائه وطلابه بحارس الجمهورية ودستورها.

وُلد الدكتور حسن الرفاعي في 23 أغسطس 1923 في مدينة بعلبك، حيث تلقى تعليمه الأول في مدارس متعددة، من أبرزها الجامعة اليسوعية، قبل أن ينتقل إلى جامعة دمشق لإكمال تحصيله الأكاديمي. في انتصار أول لمسيرته الوطنية، انتُخب نائبًا في البرلمان اللبناني عام 1968، وظل مؤثرًا في الحياة التشريعية حتى عام 1992، معززًا دوره كأحد أبرز المدافعين عن الدستور والمبادئ القانونية في زمن التحولات الكبرى. بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والقانوني، اختتم الرفاعي عمرًا زاخرًا بمواراة جسده الثرى في 3 سبتمبر 2025، عن عمر يناهز 102 عام، تاركًا خلفه إرثًا دستوريًا لا يُمحى، ولقبًا أُطلق عليه عن جدارة: حارس الجمهورية.

في حياته الشخصية، مارس النزاهة، وجاء من أسرة تملك قيم النزاهة والأخلاق والحياة الأسرية والصدق والأمانة. وقد اقترنت نشأته بالسعي إلى العلم والمعرفة، فتدرّج من المدرسة البسيطة، التي كانت كناية عن تعليم القرآن في بعلبك، ثم واصل تقدّمه في المراكب العلمية. وكان لديه شغف بالقانون إلى حدّ أنه، حين يسافر إلى فرنسا، كان يحمل الكتب والمراجع القانونية الفرنسية، وهو دليل على رغبته في التقدّم في المناهج العلمية المقرّرة، وخاصة في القانون الإداري، وقد نجح في هذا المضمار.

عياش: “نزاهة الرجال” قبل النصوص

الكاتب الصحفي أحمد عياش، المشارك في كتاب “حارس الجمهورية” ( سيرة ذاتية للنائب والفقيه القانوني حسن الرفاعي تغطّي ما ينوف على تسعة عقود من حياته)،قال لـ”جنوبية”: “كان حسن الرفاعي رحمه الله مواظبًا، وبشكل لا مثيل له، في متابعة القانون والدساتير، وكان متأثرًا بثقافته الفرنسية من خلال ما قرأه من التراث الفرنسي. وكان يركز على أهمية الرجل قبل النص، بمعنى الرجل/النزاهة، وأن قيمة القوانين تكمن في الرجال الذين يوكل إليهم تطبيقها. إذ إن نزاهة الأشخاص مهمة جدًا عند الحديث عن القانون، فلا يمكننا النظر إلى القوانين كأشياء مجردة، بل هي مسألة خاضعة لمعايير إنسانية، والمقصود بشكل عام هو النزاهة الإنسانية للأشخاص”.

وعندما اشتغل في الشأن العام ودخل إلى البرلمان اللبناني في أيار عام 1968، أحدث خرقًا، وأدرك الجميع أنه شخصية يُحسب لها الحساب لما يتمتع به من قدرة على الكلام والإقناع. وقد أدرك هذا الأمر العميد ريمون إده، الذي خاطب الرئيس رشيد كرامي بالقول: “جاء من ينافسكم”. وقد حجز لنفسه مقعدًا في الصف الأول في السياسة اللبنانية، فحين كان يعتلي المنبر كان الجميع ينصت لما سيقوله، بحسب ما ذكر في كتاب “حارس الجمهورية” ونقلًا عن الصحافي أحمد عياش.

احمد عياش

دفاعه عن الحريات والديمقراطية!

يذكر أحمد عياش أنه في السبعينات كان هناك مشروع مقترح للأحزاب، فعارضه الرفاعي لأنه كان محاولة للالتفاف على الحركات اليسارية، وبدا الأمر وكأنه تقييد للحريات. ويشير عياش إلى أن الرفاعي “ليس يساريًا”، ولكنه كان مدافعًا عن الحريات، واستطاع تغيير مجرى الأمور. كما يضيف عياش أن للرفاعي صولات وجولات مع اتفاق الطائف عندما انعقد في عام 1989 في المملكة العربية السعودية، وحينها قدم مطالعته الشهيرة بأن الأمر يجب ألا يُترك للنواب المجتمعين وحدهم ليقرروا مسائل دستورية، بل يجب الرجوع إلى حكماء دستوريين، فليس كل النواب لديهم القدرة على مناقشة بنود دستورية وقانونية.

بارود: تفسير الدستور يخضع للأجندات السياسية!

كتب الوزير زياد بارود في نعي حسن الرفاعي التالي: “يوم كان لقب الخبير الدستوري يليق بصاحبه، وفي زمن الخبراء غبّ الطلب نفتقد من أفتى بتواضع العالم ورصانة المسؤول وحرص الوطني القارئ في كتاب الجمهورية”. يصفه بارود بالقول: “لديه رصانة ونوع من الحياء في مقاربة القضايا الدستورية” ويضيف: “ليس لديه ادعاء، وفي نفس الوقت دقيق إلى أقصى درجات الدقة وحريص على حماية الكلام الدستوري”. ويشير بارود إلى أن هناك بعض من يدّعون الخبرة الدستورية وليس لهم علاقة بالدستور، بل عملهم “اصطفافي سياسيًا ويقولون ما يريد فريقهم السياسي سماعه”. ويرى أنه بالمقارنة، قليلون من يشبهون حسن الرفاعي، مع عدم التعميم.

ولدى الاتصال بالوزير السابق زياد بارود للاستفسار عن “أزمة الدستور اللبناني” التي المح اليها في كتابته آنفا، والتي كانت هاجس الراحل الكبير حسن الرفاعي، خصوصا وان لبنان واجه في فترات متناوبة هذه الازمة، بدءًا من انتخاب رئيس الجمهورية إلى تكليف رئيس الحكومة، مرورًا بالميثاقية وحصر وزارة المال بطائفة واحدة، وغيرها من القضايا المتكررة في كل استحقاق، أجاب بما يمكن تسميته بـ”مراجعة دستورية وقانونية” دقيقة للغاية جاءت على الشكل التالي:

يرى بارود أن الدستور اللبناني في كثير من أحكامه لم يعطِ الأجوبة الكافية لضمان انتظام الحياة السياسية، فالهدف الأساسي من الدستور هو تنظيم الحياة السياسية وعمل المؤسسات، وفي علم القانون يُسمّى الدستور بـ”العلم الأساسي”. ويعتبر بارود أنه “للأسف، يُستخدم الدستور في كثير من الحالات في لبنان لتسجيل مواقف ظاهرها دستوري وباطنها أجندات سياسية”. ويشير إلى أن الأزمة تتفاقم في غياب الهيئة التي تحسم الجدل والنقاش في هذا الاتجاه أو ذاك، في حال تعارضت الآراء أو كانت متناقضة، فمن يُفصّل ويحدد من الخبير الذي يجب الأخذ برأيه؟

برأيه أن “التفسير قد ينطوي على تعديل، فحين نفسر مادة دستورية قد ينتج عن التفسير تعديل، وبالتالي فإن الأكثرية النيابية الدنيا لتعديل الدستور ستكون على الأقل ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهذا شبه مستحيل في بلد مثل لبنان!”. ويشير إلى الصعوبة في اجتماع ثلثي أعضاء مجلس النواب والاتفاق على تعديل دستوري بأكثرية موصوفة، وهو أمر لم يحدث من قبل. ويضيف بارود: “لو أعطي المجلس الدستوري هذه الصلاحية، لتجنبت الدولة اللبنانية الكثير من الجدل”.

زياد بارود

مصادرة الصلاحية الثالثة!

في الأنظمة الديمقراطية، يتمتع المجلس الدستوري بصلاحية تفسير الدستور، أما في لبنان، فعند إنشاء المجلس الدستوري عام 1990 بعد اتفاق الطائف، نصّت المادة 19 التي أنشأت المجلس على منح المجلس صلاحيتين فقط: الطعون الانتخابية والطعن بدستورية القوانين، فيما حُجبت عنه صلاحية تفسير الدستور.

ويشير بارود إلى أنه عاد إلى محاضر المناقشة في مجلس النواب يومها، فتبين له أن عددًا من النواب، وبعضهم من القانونيين، قالوا بعدم جواز إعطاء المجلس الدستوري هذه الصلاحية، مع تعليلهم بأن ذلك كان “خوفًا من حكم القضاة”. وانطلاقًا من هنا، حُصرت مهمة تفسير الدستور بمجلس النواب فقط، لكن يظل السؤال: بأي أكثرية يحق لمجلس النواب تفسير الدستور؟

ويتساءل بارود: “هل دستورنا ما بيُسوى؟! لا أريد قول ذلك، لأن هذا الدستور في مرحلة من المراحل كان جيدًا”. ويرى أن دساتير العالم لا تحمل أجوبة على كل شيء، لكن يجب أن يكون هناك حسن نية في مقاربة النصوص، وهو ما يغيب في لبنان. ويعتبر أن الأزمة في لبنان ربما تكون أزمة نص، لكنها أيضًا أزمة تفسير وأزمة سوء نية في مقاربة الأحكام الدستورية.

المجلس الدستوري نتاج الصيغة اللبنانية!

يذكر بارود أنه كانت هناك مساعٍ لسدّ الثغرات في الدستور، وكان آخرها تشكيل لجنة من خيرة الخبراء الدستوريين في عهد الرئيس ميشال سليمان، الذي كلفها بهذه المهمة، وانتهت إلى خلاصات مقبولة. ويشير بارود إلى وجود ثغرات إجرائية، وأن هناك آليات في الدستور لا بد من تعديلها لضمان انتظام الأمور.

ويضيف أن المجلس الدستوري هو نتاج الطوائف والزعماء والصيغة اللبنانية ككل، وهذا ما يعرقل انتظام العمل الدستوري والمؤسساتي في لبنان في كل فترة، بحيث يعيش لبنان في دوامة لا تنتهي. وعن ذلك يقول بارود: “المجلس الدستوري مؤلف من 10 أعضاء، يتم تعيين نصفهم داخل مجلس الوزراء، والنصف الآخر داخل مجلس النواب، وهذا جزء من حالتنا اللبنانية المستعصية. لكن ذلك لا يعني أن المجلس الدستوري لم يتخذ أي قرارات جيدة منذ تأسيسه، بل هناك عدة محطات مبدئية مشرفة في تاريخه”.

أما عن الحل المستقبلي لأزمة تفسير الدستور اللبناني وحالة الفرملة الناتجة عن اختلاف التفاسير بين الأطراف اللبنانية، فيجيب بارود بالقول ان: “تعديل المادة 19 من الدستور، وإعطاء المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور، وإعادة النظر في طريقة تشكيل المجلس الدستوري” هو الحل، وبرأيه ان “في بعض الدول، لا يتألف المجلس الدستوري فقط من حقوقيين، بل يجمع أفرادًا من المجتمع مثل النقابات والمهندسين والأطباء وغيرهم، لأن الهدف هو التعبير عن حالة مجتمعية”.

لكن الوزير بارود يختم بقوله: “مع الأسف أن الحل في المدى المنظور صعب، وهناك رغبة بإبقاء الأمور على حالها”.

إقرأ أيضا: خطة الجيش: منع أي سلاح ظاهر تحت أي مسمى كان مقاومة أو سواها.. والاعتراض الشيعي ورقة ضغط لا أكثر

السابق
خاص بالفيديو: عملية أمنية نوعية في الضنية توقف تهريب شاحنة كبتاغون إلى السعودية
التالي
حين تنكسر المرآة: الإنسان في مواجهة الطبيعة