العلاقة الباردة بين التيار الصدري وإيران (1): تاريخ من الالتباس والتباعد

تُعدّ المدرسة الصدرية واحدة من أبرز المدارس الدينية والسياسية في المشرق، حيث تداخلت أدوارها بين النجف وقم وجبل عامل. فآل الصدر وآل شرف الدين قدّموا شخصيات كبرى أثرت في المشهد العربي والإسلامي:

* المرجع إسماعيل الصدر الذي دعا لمقاومة الاستعمار الروسي في إيران والإيطالي في ليبيا.

* السيد عبد الحسين شرف الدين، أحد قادة مقاومة الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان ومؤسس مؤتمر وادي الحجير عام 1920.

* محمد حسن الصدر، رئيس وزراء العراق الأسبق وأحد بناة الدولة مع الملك فيصل الأول.

* محمد باقر الصدر، مؤسس حزب الدعوة الإسلامية، والإمام موسى الصدر، مؤسس حركة أمل والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان.

* وأخيرًا، المرجع محمد صادق الصدر، الذي أرسى قواعد “الخط الصدري” في العراق وأصبح ابنه مقتدى لاحقًا وريث هذا التيار وزعيمه السياسي والشعبي.

هذا الامتداد التاريخي منح آل الصدر مكانة استثنائية، لكن العلاقة مع الجمهورية الإسلامية في إيران ظلّت إشكالية، تتأرجح بين القرب الأيديولوجي والتباعد السياسي.

بدايات البرودة: صدام فكري وفقهي

في التسعينيات، برز المرجع محمد محمد صادق الصدر كأحد القلائل في النجف الذين تبنوا مبدأ ولاية الفقيه، لكنه اشترط أن يكون “الولي الأعلم” بين الفقهاء. هذا الموقف وضعه في مواجهة غير مباشرة مع المرشد الإيراني علي الخامنئي، إذ اعتبر أنّ ولايته لا تتعدى إيران، في حين أن “ولاية الأمر على المسلمين” لا تصح إلا للأعلم، وهو ـ من وجهة نظره ـ نفسه.

هذه الفتوى فتحت باب التوتر مع طهران، خصوصًا بعد محاولة آل الصدر افتتاح مكتب في قم، وهو ما قوبل بالقمع والإغلاق والاعتقالات. ومع اغتيال الصدر الثاني ونجليه عام 1999، انفجرت العلاقة أكثر: ففي مجلس عزاء أقيم في قم اندلعت مواجهات بين أنصاره والمجلس الأعلى الإسلامي الموالي لإيران، ما أرسى شرخًا طويل الأمد بين التيار الصدري وطهران.

سقوط البعث وصعود مقتدى

بعد اغتيال والده، عاش مقتدى الصدر في شبه عزلة سياسية حتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003. حينها برز بسرعة كزعيم شاب يملأ الفراغ الذي تركه والده. في 11 نيسان من ذلك العام، أعاد إحياء صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، ومن على منبره أعلن رفضه للاحتلال الأميركي والدستور المؤقت ومجلس الحكم.

هنا أسّس “جيش المهدي”، الذراع العسكرية للتيار، الذي خاض مواجهات دامية مع القوات الأميركية، أبرزها انتفاضة نيسان 2004. هذا الخيار المقاوم وضع الصدر في قلب المشهد العراقي، لكنه لم يضعه بالضرورة في حضن إيران، التي كانت تراهن أكثر على المجلس الأعلى الإسلامي ومنظمة بدر.

إيران ومشروع “استنساخ حزب الله”

منذ مطلع الألفية، ومع صعود الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس”، سعت طهران إلى بناء شبكة إقليمية متماسكة من الحركات الشيعية المسلحة على غرار تجربة حزب الله في لبنان. العراق كان ساحة مثالية لهذا المشروع، خصوصًا بعد سقوط البعث.

غير أن إيران وجدت نفسها أمام معادلة معقدة: آل الحكيم انخرطوا في العملية السياسية أكثر من العسكرية، بينما آل الصدر ـ رغم شعبيتهم الواسعة ـ لم يكونوا طوع يدها. فمقتدى رفع منذ البداية شعار “لا شرقية ولا غربية”، متهمًا خصومه بالتبعية لطهران. ومع ذلك، لم يكن بإمكان إيران تجاهله نظرًا لثقله الشعبي ومرجعيته النجفية.

برز المرجع محمد محمد صادق الصدر كأحد القلائل في النجف الذين تبنوا مبدأ ولاية الفقيه، لكنه اشترط أن يكون “الولي الأعلم” بين الفقهاء. هذا الموقف وضعه في مواجهة غير مباشرة مع المرشد الإيراني علي الخامنئي

تناقضات العلاقة: بين التعاون والخصومة

طوال العقدين الماضيين، ظلّت العلاقة بين مقتدى الصدر وإيران ملتبسة، شارك أنصاره في الحكومات المتعاقبة، وأحيانًا لعب دورًا ضمن محور المقاومة في مواجهة الأميركيين أو “داعش”، وفي احيان كثيرة هاجم طهران الصدر مباشرة، رافضًا ما اعتبره “وصاية إيرانية” على القرار العراقي، وأعلن أكثر من مرة انسحابه من العملية السياسية احتجاجًا على النفوذ الخارجي.

وفي كل مرة حاولت إيران استيعابه، اصطدمت باندفاعه الشعبوي واستقلاليته السياسية، التي لم تنسجم مع نموذج “الحزب العقائدي المنضبط” الذي أرادت تكراره في العراق.

محطة مفصلية: ما بعد سليماني

اغتيال قاسم سليماني مطلع 2020 زاد العلاقة تعقيدًا. فالرجل كان يعرف كيف يتعامل مع تناقضات الصدر، ويوازن بين استيعابه والضغط عليه. برحيله، افتقدت طهران قناة تواصل مرنة، ما جعل الصدر أكثر جرأة في رفع السقف ضدها.

لكن في المقابل، لم يذهب بعيدًا إلى حد القطيعة الكاملة. فقد بقي جزء من “محور المقاومة” بالمعنى العام، وإن على طريقته الخاصة، مع احتفاظه بخطاب “وطني عراقي” يضعه في مواجهة الفصائل الأكثر التصاقًا بإيران.

مقتدى والشارع العراقي

سرّ قوة الصدر لم يكن يومًا في السلاح فقط، بل في قدرته على تحريك الشارع. فقاعدته الشعبية المتجذرة في أحياء بغداد والجنوب منحت التيار موقعًا فريدًا: تيار شيعي واسع النفوذ لكنه غير منضبط بالكامل ضمن الاستراتيجية الإيرانية.

هذا التميز جعل طهران تنظر إليه بقلق: فهو في آن واحد حليف محتمل وعدو خطير. فإما أن يساهم في تعزيز نفوذها داخل العراق، أو يقود انتفاضة شعبية تحدّ من قدرتها على التحكم بمسار الأحداث.

علاقة ملتبسة إلى أين؟

بعد أكثر من عقدين، يمكن القول إن العلاقة بين التيار الصدري وإيران لا تزال “باردة”، فلا هي قطيعة كاملة كالتي تجمع إيران ببعض خصومها العراقيين، ولا هي تحالف عضوي كالذي يجمعها بحزب الله أو الفصائل العراقية الموالية لها.

سرّ قوة الصدر لم يكن يومًا في السلاح فقط، بل في قدرته على تحريك الشارع. فقاعدته الشعبية المتجذرة في أحياء بغداد والجنوب منحت التيار موقعًا فريدًا

إيران أرادت من مقتدى الصدر أن يكون “حزب الله العراق”، لكنه اختار أن يكون “الزعيم الصدري” بسماته الخاصة، متأرجحًا بين المرجعية النجفية، الخطاب الوطني العراقي، واللعب على التناقضات الإقليمية.

هذا الالتباس هو ما يجعل الصدر لاعبًا استثنائيًا في العراق: لا يمكن تطويعه بالكامل، ولا يمكن تجاهله مطلقًا. ومن هنا، تبقى علاقته مع إيران عنوانًا مفتوحًا، يعكس صراعًا أوسع بين الهوية الوطنية العراقية والامتداد الإقليمي للمحور الإيراني.

اقرا ايضا: خطاب بري: انعكاس لمأزق لبنان والطائفة!

السابق
المشهد الحكومي حذر قبل جلسة الجمعة: هل ينجو لبنان من انفجار جديد؟
التالي
4 بنود إضافية على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء المقررة يوم الجمعة