رسائل متقاطعة: الشّرع يفتح صفحة جديدة..و«فيلق القدس» يتمسّك بسلاح حزب الله

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وفداً إعلامياً عربياً ضم مديري مؤسسات ورؤساء تحرير ووزراء إعلام سابقين، حيث وجّه رسالة لافتة حيال مستقبل العلاقات اللبنانية – السورية. الشرع اعتبر أنّ “الاستثمار السوري في الاستقطاب المذهبي والسياسة في لبنان كان خطأً كبيراً بحق البلدين ولا يجب أن يتكرر”. وأضاف أنّه “تنازل عن الجراح التي سبّبها حزب الله لسوريا بعد تحرير دمشق”، مشدداً على أنه يتطلع إلى “كتابة تاريخ جديد للعلاقات اللبنانية – السورية قائم على المصالح الاقتصادية المشتركة والاستقرار بعيداً عن التدخلات”.

وفي لهجة براغماتية، أوضح الشرع أنّ “سوريا كما يراها اليوم فرصة كبيرة للبنان، وعلى اللبنانيين أن يستفيدوا من نهضتها، وإلا فإنهم سيخسرون الكثير”. هذه المقاربة تشي برغبة دمشق في طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة من دولة إلى دولة.

طهران: نزع سلاح المقاومة خط أحمر

في المقابل، جاء الموقف الإيراني أكثر تصلباً. مسؤول التنسيق في فيلق القدس بالحرس الثوري اعتبر أنّ خطة نزع سلاح حزب الله “مؤامرة أميركية – إسرائيلية” مرفوضة بالكامل من “الشعب اللبناني وحزب الله”. وأكد أنّها لن تنجح، “لأنها تتعارض مع إرادة اللبنانيين وحقهم المشروع في المقاومة”، مشيراً إلى أن القوات الإيرانية “مستعدة للرد على أي عدوان قد يستهدف إيران”.

الإيرانيون ربطوا بين السلاح اللبناني وأمنهم القومي، ملوحين بأن أي مساس به سيفتح مواجهة إقليمية، في وقت تواصل طهران تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية، وفق تعبير المسؤول الإيراني.

الشارع الشيعي يستنفر

في الداخل اللبناني، دعت حركة “أمل” و”حزب الله” إلى تجمّع عمالي – نقابي واسع في ساحة رياض الصلح الأربعاء المقبل، رفضاً لقراري الحكومة الصادرين في 5 و7 آب 2025، القاضيين بحصر السلاح غير الشرعي في اجهزة الدولة، وتسليم سلاح الحزب.وفي بيان مشترك رأى أن القرارين يتعارضان مع “المصلحة الوطنية العليا ووثيقة الوفاق الوطني وصيغة العيش المشترك”، مع تأكيد واضح على قدسية سلاح المقاومة واعتباره “السلاح الشريف الذي يحمي الوطن”.

الدعوة أتت تحت شعار “هيهات منا الذلة”، في استعادة لرمزية المواجهة الوجودية، ورسالة تعبئة سياسية وشعبية في مواجهة قرار الحكومة السير بخطة نزع سلاح “حزب الله” حتى نهاية العام الحالي.

إسرائيل ترحب: “فرصة تاريخية” للبنان

في المقلب الآخر، احتفى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بقرار الحكومة اللبنانية الأخير، واصفاً إياه بأنه “خطوة جوهرية لاستعادة سيادة الدولة وبناء مؤسساتها”. البيان الإسرائيلي لم يكتف بالإشادة، بل ذهب إلى حد إعلان الاستعداد للتعاون مع لبنان، متعهداً بخطوات متبادلة “تشمل تقليصاً تدريجياً للوجود العسكري الإسرائيلي بالتنسيق مع الولايات المتحدة”.

هذا الموقف يكشف أن إسرائيل ترى في الخطة اللبنانية فرصة تاريخية لتغيير قواعد اللعبة جنوباً، عبر تحجيم دور حزب الله وإعادة ضبط الحدود.

ميدان الجنوب: رسائل نارية متبادلة

لكن التطورات الميدانية لا تعكس مناخاً تعاونياً. إذ أقدمت قوة إسرائيلية على اقتحام معمل “حرب” بين مركبا وعديسة، حيث فتشته بدقة قبل أن تضع تحذيراً خطياً لصاحبه، بالتوازي مع عمليات تمشيط بالرشاشات في محيط كفرشوبا. ونعى حزب الله مقاتله حسين بداح الذي اغتيل قبل ظهر اليوم بصاروخ اطلقته مسيّرة اسرائيلية على سيارته قرب بلدة تبنين بجنوب لبنان. هذه الخروقات اليومية لوقف إطلاق النار المعلن منذ تشرين الثاني 2024 تذكّر بأن الواقع الأمني لا يزال هشاً، وأن الجنوب ساحة رسائل بين تل أبيب والمقاومة.

جنيف: النووي الإيراني على طاولة اختبار جديد

بعيداً عن الحدود اللبنانية، تتحرك الدبلوماسية في جنيف. إذ تنعقد غداً جولة جديدة من المحادثات بين إيران وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بمشاركة الاتحاد الأوروبي. هذه الجولة تأتي وسط توتر متصاعد مع العواصم الأوروبية، بعد أن لوّحت باريس وبرلين ولندن بتفعيل آلية “الزناد” التي تعيد العقوبات الأممية على طهران.

الاجتماعات تمثل محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة، ومنع انزلاق الملف النووي نحو مواجهة شاملة. لكنها أيضاً ورقة ضغط إضافية على إيران، التي ترى في أي تنازل نووي مساساً بأمنها الاستراتيجي، خصوصاً مع ربطها مصير “المقاومة” في لبنان بمعادلاتها الإقليمية.

وبالنهاية، تكشف اللوحة السياسية – الأمنية الراهنة عن تداخل ثلاثي: ضغوط دولية – إقليمية لنزع سلاح “حزب الله”، مواقف لبنانية منقسمة بين قرار حكومي مؤيد ودعوات شعبية – حزبية رافضة، وميدان جنوبي مشحون بالخرق والرسائل العسكرية.

في الخلفية، يطل الملف النووي الإيراني كعنصر ضاغط إضافي، حيث تتحرك أوروبا لتقييد طهران، فيما الأخيرة تلوّح بمزيد من التشدد. أما سوريا، فيسعى رئيسها الجديد إلى رسم صورة مختلفة قائمة على المصالح الاقتصادية، لكن الطريق لا يزال وعراً أمام ترجمة ذلك في ظل التعقيدات الإقليمية.

اقرا ايضا: نتنياهو يعلن جهوزيه بلاده لـ«دعم لبنان» و«تقليص» احتلال جيشه للجنوب

السابق
أمل وحزب الله يدعوان إلى تجمّع عمّالي في رياض الصلح رفضًا لقرارات الحكومة
التالي
إلغاء تظاهرة لـ«أمل» و«الحزب» في بيروت