افتش منذ فترة عن السبب الذي يمنعني من الكتابة عن غزة. قلت فالأبدأ بالكتابة فربما اكتشفت السبب او الأسباب وانا احاول الكتابة.
بعد كتابي “ممرات انسانية الى غزة” في منتصف ٢٠٢٤،
لم اكتب كثيرا عن فلسطين وعن غزة. ومنذ اسابيع لم اكتب شيئاً على الاطلاق مع اني اكتب كل يوم عن كل ما يثير قلبي وعقلي.
اتابع يومياً ما يجري هناك وانا على اتصال دائم بأصدقائي في غزة للاطمئنان عنهم، لكني لا أشعر أن لدي ما أقوله سوى “حمدالله عالسلامه” و”تضلوا بخير”. لا حياة هناك لتسأل عن احوالها.
في الواقع لم يعد يشغلني “اليوم التالي” سياسياً، او ما ما يُحكى منذ سنتين عن حماس ومصيرها ومن سيحكم غزة بعد توقف الحرب. فقد بات شبه حتمي ان “اليوم التالي” لن يكون الا المزيد من الابادة وصولا الى التهجير….الطوعي حكماً، وباسرع ما نتصوّر.
إقرأ أيضا: بالفيديو: بعد خطاب قاسم.. «الحزب» ينشر رسالة «السيد حسن» وتهديدات بتدهور أمني!
“تضلّوا بخير” اصبحت تعني لي وحصرياً، “الا تشملكم الابادة يا اصدقائي وأن تُوفّقوا ببلد هجرة يحترم الحد الأدنى من حقوقكم الانسانية”. هذا ما اعتبره قمة التفاؤل. وهذا ما ينتقص من انسانيتي، فهي أعجز من أن تتمنى لأهل غزة جميعهم النجاة، كما انها أضعف من أن تطالبهم بالاستمرار بالمقاومة.
قبل ان ابدأ بالكتابة كنت اعتقد أن احجامي عن قول اي شيء إضافي عن غزة، يعود إلى اننا أصبحنا فعلاً في مرحلة “ما بعد الابادة والتهجير”، وهي توازي في ادراكي، وبما تحمله من تحوّل جذري في القضية الفلسطينية، هذا التغيير الهائل الذي حصل عندما نتكلم مثلاً عن “ما بعد مرحلة المجتمع الصناعي” على المستوى العالمي، والتي دامت لقرنين من الزمن.
كنت اميل لوضع جذرية ما يحصل في غزة، وتحديدا الابادة والتهجير، بمستوى- وبما يتناغم مع – ما اسمّيه مرحلة “ما بعد الانسانية” التي تتميّز بداياتها بإستبدال الذكاء الطبيعي بالذكاء الاصطناعي، والعمل الحثيث على إستيلاد البشر عبر الاستنساخ والاستغناء عن الحب والجنس بين شخصين، كممر ضروري لتكاثر الانسانية ولتطورها على المستويات كافة. ففي تقديري لم يكن ممكنا ان يحصل ما يحصل في غزة لو لم نكن قد دخلنا مرحلة “ما بعد الانسانية”.
إقرأ أيضا: موعد غرامي في ألاسكا A Date in Alaska
لكني اليوم وانا اكتب من جديد، أرى نفسي عالقاً في مرحلة “ما قبل الابادة والتهجير” اي ما قبل استكمال الابادة وتحقق التهجير. اكتشف اليوم وانا احاول ان اكتب مجددا عن غزة، ان عجزي السابق عن الكتابة، هو ترجمة فكرية لعجز حسي عن عيش لحظة “ما قبل الابادة الكاملة واستحقاق التهجير”. طالما انا عاجز عن الإمساك بجوارحي بهذه اللحظة المرعبة
التي يعيشها اهل غزة، وفي كل لحظة، طالما لن يكون باستطاعتي ان استنبط افكارا تكون في مستوى الدخول في مرحلة “ما بعد غزة” وهو المعنى نفسه لتعبير “ما بعد الانسانية”.

