في خطاب ألقاه أمام حشود حسينية في مدينة بعلبك، توجه أمين عام حزب الله، الشيخ نعيم قاسم، برسالة شاملة تناولت عدة ملفات سياسية هامة تخص لبنان والمنطقة. في سياق إحيائه لذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، تطرق قاسم إلى عدة نقاط محورية، بدءًا من رمزية عاشوراء وصولاً إلى التحديات السياسية الداخلية والخارجية التي يواجهها لبنان في ظل التطورات الأخيرة.
حياة كربلائية: معركة الحسين مستمرة
افتتح قاسم خطابه بالحديث عن ذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، مؤكداً أن عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية بل هي إضاءات مستمرة عبر الزمن تهدف إلى تجديد العزيمة، وتأكيد الاستقامة في وجه الباطل. “الإمام الحسين عليه السلام خرج لإصلاح أمة جده، لإعادة الدين إلى مساره الصحيح”، قال قاسم. وأضاف أن شهادة الإمام الحسين وأصحابه لا تقتصر على كسب الفرد لحياته، بل هي شهادة تحيي الأمة بأسرها وتمنحها القوة لمواجهة تحديات العصر.
وشدد قاسم على أن “كربلاء هي مدرسة العشق الإلهي”، معتبراً أن الحسين وأصحابه كانوا قدوة في الصبر والتضحية، وأن كل يوم عاشوراء وكل أرض هي كربلاء جديدة، حيث نعيش المبادئ نفسها من حب لله وتضحية في سبيل الحق.
النصر تموز 2006: دروس من المعركة الكبرى
ثم انتقل قاسم للحديث عن انتصار تموز 2006، الذي اعتبره نتيجة لإرادة المقاومة، متكئًا على الدعم الإلهي ومرتكزًا على تضحيات الشعب والمجاهدين في مواجهة العدوان الإسرائيلي. وأكد أن هذا النصر، الذي أسهم في ردع إسرائيل لمدة 17 عامًا، أرسى معادلة جديدة في المنطقة وأثبت قوة المقاومة العسكرية، كما أنه منح لبنان فرصة لإعادة بناء جنوبه.
كما توجه قاسم بالشكر إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي قدمت الدعم اللامحدود للمقاومة في تلك الحرب، قائلاً: “شكراً لإيران، القائد الإمام الخامنئي، والشعب الإيراني، والحرس الثوري، الذين وقفوا معنا بكل قوة”. واعتبر أن النصر في تموز 2006 كان بمثابة انتصار لفلسطين، قائلاً: “معركتنا واحدة، ونضالنا من أجل فلسطين لا يتوقف.”
رسالة إلى الحكومة: لستم معذورين
ودعا قاسم إلى تسليط الضوء على موقف أولئك الذين لم يشاركوا في المقاومة، سائلاً: “أين أنتم من احتلال الأرض؟ وأين أنتم من العدوان؟ وأين أنتم من السيادة؟” مؤكداً أن المقاومة هي “نورٌ وضّاء، وشمسٌ تسطع على الجميع”.
وأوضح أن الدولة اللبنانية كانت قد أبرمت اتفاق وقف العدوان الإسرائيلي في نوفمبر 2024، وهو ما يترتب عليه مسؤولية الدولة في حماية أرضها ومواطنيها وصد العدوان، تماشيًا مع هذا الاتفاق ومع التزاماتها الوطنية. ولفت إلى أن المقاومة كانت دعمًا أساسيًا للدولة في استعادة زمام المبادرة، خصوصًا من خلال تسهيل انتشار الجيش اللبناني في جنوب لبنان، معتبرًا أن الصبر كان ضروريًا في تلك المرحلة الصعبة. كما أشار إلى أن البيئة المقاومة تعرضت للهجوم والضغط المستمرين من الخارج، غير أن ذلك لم يثنهم عن موقفهم.
وفيما يتعلق باستطلاعات الرأي التي أجراها المركز الاستشاري للدراسات في أغسطس 2025، أكد قاسم أن 72% من المستطلعين أشاروا إلى أنه لا يمكن للجيش اللبناني التصدي لأي عدوان بمفرده، فيما عبّر 76% عن عدم ثقتهم بالدور الدبلوماسي وحده. كما عارض 58% سحب السلاح دون استراتيجية دفاعية، بينما اعتبر 73% أن ما يجري في سوريا يشكل خطرًا وجوديًا على لبنان. واعتبر قاسم هذه النتائج بمثابة تأكيد على دعم اللبنانيين للمقاومة وضرورة استمرارها.
و انتقد قاسم بشدة قرار الحكومة اللبنانية في 5 أغسطس 2025، الذي يسعى لتجريد المقاومة من سلاحها الدفاعي خلال العدوان، معتبرًا أن هذا القرار يسهل قتل المقاومين وطردهم من أراضيهم. كما شدد على أن الحكومة كانت أولى بأن تقوم بطرد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان قبل الحديث عن نزع سلاح المقاومة، مؤكدًا أن هذا القرار يخدم المشروع الإسرائيلي ويجعل لبنان عرضة لفتنة داخلية.
قاسم تساءل عن موقف الحكومة من إشادة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بهذا القرار، وقال: “هل يعقل أن يشيد نتنياهو بكم؟”. واعتبر أن الحكومة تضع مصالحها الشخصية فوق مصالح لبنان، مستعرضًا أوجه القصور في المواقف الحكومية التي تراعي الضغط الخارجي بدلاً من اتخاذ قرارات تحمي لبنان وتؤمن سيادته.
الواقع العسكري
فيما يتعلق بالواقع العسكري والأمني، طرح قاسم تساؤلاً عن دور الحكومة في حماية الشعب اللبناني وتوفير الاستقرار، وقال إن لبنان لا يمكن أن يستقر إذا كانت هناك فئات تتعدى على فئات أخرى. وأكد أن الحكومة إن كانت تشعر بالعجز، عليها أن تترك مواجهة العدو للمقاومة، ولا أن تضع نفسها في مواجهة مع المقاومة وحقوق اللبنانيين في الدفاع عن وطنهم.
وبالنسبة للأحداث الجارية، شدد قاسم على أن الحكومة اللبنانية تتحمل مسؤولية أي فتنة أو أزمة قد تحدث، داعيًا إياها إلى العمل على تأمين الاستقرار وعدم الانجرار وراء الأوامر الخارجية التي قد تؤدي إلى تدمير لبنان.
وتساءل أيضًا عن موقف الحكومة من توسع المشروع الإسرائيلي، مشيرًا إلى تصريحات نتنياهو حول “إسرائيل الكبرى” التي تشمل أجزاء من لبنان. كما انتقد الردود الرسمية على هذا التوسع، مشيرًا إلى أن بيانات الإدانة لا تجدي نفعًا في ظل الواقع العسكري والتهديدات المباشرة.
تسليم السلاح
وفيما يتعلق بموقف حزب الله، أكد قاسم أنه لن يتم تسليم سلاح المقاومة طالما أن العدوان قائم والاحتلال مستمر، مضيفًا أن المقاومة ستواصل التصدي لهذا المشروع الإسرائيلي الأمريكي مهما كلف الأمر، مؤكدًا “هيهات منا الذلة”. وأشار إلى أن الحكومة تتحمل المسؤولية عن أي فتنة داخلية أو دمار يطال لبنان، داعيًا إياها إلى العودة إلى مسؤولياتها الوطنية في الدفاع عن لبنان وحماية سيادته.
وفي الختام، دعا قاسم إلى الوحدة بين اللبنانيين وبناء البلد معًا، مشددًا على أن لبنان لا يمكن أن يُبنى لمكون دون آخر، وأن الحفاظ على سيادة لبنان يتطلب مشاركة جميع مكوناته. وكرر قاسم أنه لا حياة للبنان إذا استمر البعض في الوقوف ضد المقاومة وحماية سيادة لبنان، محملًا الحكومة المسؤولية عن أي تداعيات قد تطرأ نتيجة لهذه السياسات

