جلسنا، زوجتي عفاف وأنا، نحتفل في شقّتنا المتواضعة في أبيلين – تكساس، بذكرى ميلادها. بين أيدينا ألبومات عديدة من الصّور التي جلسنا نتصفّحها مستذكرين رحلة عمر بلغت السّابعة والأربعين. أخذنا نتصفّح صور منزلنا (الفيلا) في قرية البنّيه، والحديقة الغنّاء حوله، ثمّ نظرنا حولنا وضحكنا ضحكة واسعة. ضحكة عبّرت عن خيبة الحلم الذي عشناه طوال رحلة حياتنا العمليّة. كنّا نرى فكرة هذا المنزل هي أجمل ما يزيّن أيامنا في غربتنا. كنّا لا نتوقّف عن الحديث عن البيت الذي نريده لتقاعدنا آخر أيّام حياتنا: البركة وسط الدّار، الباربكيو، الصّالونات، المطبخ، الشّرفة المطلة على جبال الشّوف… وها نحن الآن في هذه الشّقّة المتواضعة.
حرّيّة لم ننتبه إليها
نظرت زوجتي نحوي وقالت: “هذه الشّقة الصّغيرة أجمل حلم لم ندركه في شبابنا. أنت وأنا، نملك هنا حرّيّة لم نأخذها بعين الاعتبار سابقا، حينما رسمنا بيتنا الكبير في البنّيه. هنا حرّيّتنا ملكنا، لا يؤطّرها لنا إلّا القانون”.
خرجنا إلى الشّرفة الصّغيرة. لا يوجد حولنا كشّافة تحمل بيارق تدلّنا على إطار حرّيّتنا، ولا حيطان تغطّيها صور زعماء و”شهداء” يجب تقديسهم، ولا ساحات تملأها أعلام حزبيّة وغيرها تعرّف هويّتك رغما عنك. هنا، لا نرى سوى علم أميركا يرفرف على كلّ شرفة. لا صور زعماء أو شهداء. النّاس يمرّون أمامنا، وكثيرون منهم يلوّحون محيّين، ويقفون أحيانا للدّردشة معنا. لم يسمعنا أحد موقفا طربيّا يشيد بهذا الزّعيم أو ذاك.
وهم البنّيه واكتشاف الحقيقة
آه… لطالما قال لنا أصدقاء: “أخرجوا من الوهم، واستفيدوا من الفرص الهائلة أمامكم لبناء منزل أحلامكم في أميركا أو أوروبّا أو الأرجنتين أو المكسيك”. كنّا في سويسرا، ولندن، وفي نيويورك، وبوينوس أيريس، ومكسيكو سيتي، ورغم ذلك، ظلّت قريتنا “البنّيه” الصّغيرة هاجسنا وحلمنا. هناك زرعنا قلوبنا. هناك ترعرع الحب في أفئدتنا. هناك حجر الصّوّان الذي تركه والدي في صحن الدّار، عربون تاريخنا المقدود من صخور لبنان.
شيء واحد لم ننتبه له: الإنسان في لبنان! غاب ذلك الإنسان الذي جسّد فينا ذلك الهاجس. غاب الإنسان الذي صنع عظمة لبنان في العالم، وحلّ مكانه إنسان القرون الوسطى الذي كان دم جاره خمره الذي يسكر به، ويغنّيه شعرا وطربا. عدنا لنرى وجوها مكفهرّة، تبتسم قسرا وفي سرّها كراهية وحقد ورغبة وغضب من مجهول يسكن أيامها بعتمته، ولكنّها تخاف أن تنطق به لأنّه أصبح ملاكها الحارس. هناك اكتشفنا سريعا خطأنا الكبير.
لا نخفي، زوجتي وأنا، أنّنا نسعى الآن إلى بيع “الفيلا”، والعودة إلى رسم حلم متواضع لكن متكامل، يكون الإنسان فيه المحطّة الأساسيّة. نصلّي أن نحقّق هذا الحلم. نضحك أخيرا ونقول: إن أسعد النّاس لرحيلنا هو “الزّعيم” الذي نخاله يقول: “يسعدو ويبعدوّ!”.
إقرأ أيضا: قرار السلاح بين الدولة وحزب الله..والجيش اللبناني ينفي رواية الإنفجار المقصود في وادي زبقين

