«بالنسبة لبكرا شو»..؟!

“إن اللاوعي ليس هو كلّ ما كُبِت ببساطة، بل هو خطاب الآخر، هو البنية التي تتكلم فينا دون أن نعلم. نحن لا نتكلم اللغة، بل اللغة هي التي تتكلمنا. الذات ليست كيانًا متماسكًا، بل هي منقسمة، مُوزّعة في مواضع رمزية، تبحث عبثًا عن اكتمالٍ مفقود. فالرغبة لا تتعلّق بالموضوع، بل بالفجوة، بالنقص الذي لا يمكن تجاوزه.”

*جاك لاكان*

زكريا وثريا زوجان يقرران الانتقال للعيش في العاصمة اللبنانية بيروت في السبعينيات من القرن الماضي من أجل الارتقاء بأوضاعهما المعيشية، ويلتحقان بالعمل في إحدى حانات شارع الحمرا الذي يقبل عليه مختلف شرائح المجتمع اللبناني، وهو ما يجبرهما على تقديم الكثير من التنازلات من أجل تحقيق الارتقاء الاجتماعي المرجو.

عُرضت ثالث مسرحية (بالنسبة لبكرا شو) للفنان زياد الرحباني لمدة 8 أشهر متواصلة في عام 1978 في بيروت. وبالرغم من تصوير المسرحية على شرائط *Super 8*، إلا أنها لم تُعرض على الإطلاق في أي وسيلة مرئية حتى تقرر عرضها سينمائيًا في مطلع 2016 بعد معالجة الشرائط. كان زياد قد قام بتصوير المسرحية فقط من أجل مراقبة الأداءات، ولم يفكر في عرضها بعد تصويرها، لكن الحاجة دائمًا أمّ الاختراع، الذي يتحول مع الوقت ليصبح ضرورة وجودية.

السؤال الوجودي اللبناني

أصبحنا في لبنان هذه الأيام الوجودية نعيش ونموت على هاجس السؤال الوجودي الأهم، أوعلى إيقاع الطبول الوجودية التي تقرع في آذاننا وكياننا وكينونتنا ووجودنا قائلة: بالنسبة لبكرا شو؟

كان زياد الرحباني سابق عصره وزمانه وأوانه في هذا السؤال المركزي، الذي أصبح في لبنان الأمس واليوم والغد على كل لسان وشفة. نعم، على كل لسان وشفة في البلد المأسوف على شبابه، الذين طحنتهم الحروب اليومية من كل الألوان والأشكال والأحجام والأبعاد الزمكانية في الجهات الأربعة ومشتقاتها…

 نعم، الجهات الأربعة… والجهات الخمسة… والأجندات، والأيديولوجيات الاقتصادية والدينية والاجتماعية عمومًا… والسياسة خصوصًا… الخارجية منها والداخلية…

بالنسبة لبكرا شو؟ بكرا السحب! نعم، بكره السحب على بقاء لبنان أو موته المؤجّل مرّات ومرّات، والتي تبدأ من تركيبته البدائية المقصودة، تركيبه طائفيًا، وتحويله إلى مجرد فتيل تفجير داخليًا وخارجيًا كما هي الحال في كل حروبنا الداخلية والخارجية المأساوية دون استثناء!

لبنان… طاولة لعب كبرى

بالنسبة لبكرا شو؟ بكرا السحب على أرواحنا وأولادنا! بكرا سيتحول لبنان – أيها السيدات والسادة – إلى مجرد طاولة لعب… نعم، مجرد طاولة للعب ورق الشدة أو الكوتشينا أو كما يقال في الكازينوهات الكبيرة الفخمة ورق اللعب… لعب البوكر الوجودي على وجودنا… بكرا سنشاهد كل أوراق اللعب والقتل والموت…

والجوكر في اللعبة القديمة الجديدة… أضحى معروفًا… بلّاع الموس كذلك… من ورق ملف سلاح حزب الله… إلى هالله هالله… إلى يعلم الله… وصولًا إلى يفتح الله… دون أن يدري، أو يدري حزب إيران وأمينه العام الشيخ نعيم قاسم، أنه ليس سوى لعبة ورهينة بين القوى السياسية ولعبة إيران على طاولة الأمم… تستخدمه إيران على طاولة اللعب والمقامرة متى شاءت وكيف شاءت…

نعم، نعيماً يا نعيم، أصبح سلاح حزب الله غير الشرعي رهينة، هو والشعب اللبناني، تحت عباءة المرشد الإيراني الأعلى، يلعب به أو يلعب عليه حسب الورق في يديه… في حين ملف إيران النووي – للعلم والخبر يا نعيم – رهينة أيضًا، ولكن في حسابات العرض والطلب الأميركية على الطاولة الدولية…

وليست الحروب والأسماء والمسميات التي نعيشها في بلادنا تحت خطوط النٌار من غزة المنكوبة… إلى لبنان الذي يعيش على إيقاع الدمار والموت المتواصل… إلى اللعب على سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان التي أصبحت أسلحة للاستخدامات المتعددة… والتي يختبئ وراءها حزب الله دائمًا دستور من خاطره دستور.

مفارقة التسامح وكارل بوبر

هذا دون ذكر كل أبواق وجهابذة التصريحات النارية المتطايرة من هنا ومن هناك… واحد معمم – على سبيل المثال – محذرًا من جلسة الحكومة: “إما استقرار أو نار… ولا حياد في القضايا المصيرية”…

يا لطيف الطف… صار السلاح مصيريّ لميليشيات الأجندات الخارجية وألوية موتوسيكلات وفيق صفا الاستعراضية… إلى بوق آخر من مصادر مقربة من حزب الله التي تقول ولا تقول: “نتيجة الاتصالات سنحدد سحب النقاش حول السلاح أو الاستقالة من الحكومة”… يا زلمي ما حدا مانع حدا، ولكن أتحداكم أن تستقيلوا…

دون أن ننسى أو ننسى تصريح حزب الله الأخير بأن الحكومة اللبنانية ارتكبت “خطيئة خطيرة” بقرارها تجريد البلاد من أسلحة الحزب الجهادية!

على مهلك علينا شوي شوي بليز يا حزب الله… أليس هذا هو السلاح “الإلهي” الذي استُخدم ضد الآخرين في البلد من تصفيات واغتيالات… أليس هو نفس السلاح “المقدس” الذي استباح عاصمة البلد بيروت وانتهك حرماتها دون رادع أخلاقي… أو رادع وطني!

يقول كارل بوبر، في كتابه *المجتمع المفتوح وأعداؤه*: “المجتمع الذي يجعل من التسامح غير المحدود فضيلة سينتهي به الأمر إلى اختفاء التسامح”. هذا الاقتباس يعرف بـ”مفارقة التسامح” ويشير إلى أنه إذا تسامحنا بلا حدود حتى مع من يرفض التسامح نفسه فإننا نخاطر بأن يدمر هذا التسامح من الداخل ويقلب حياتنا.

يهاجم بوبر ما يعتبرها أيديولوجيات معادية للديمقراطية، ويدافع عن مبادئ المجتمع المفتوح القائمة على العقلانية والنقد والتعددية… يتناول أربعة جوانب مترابطة من المجتمع المفتوح: العالمية، والشفافية، والتبادل الحر للأفكار، والمجتمعية… فقد شكّل العقل والتسامح واللاعنف والحرية الفردية جوهر قيمه السياسية، وكما رأينا، فقد اعتبر الديمقراطيات الليبرالية الحديثة أفضل تجسيد – حتى الآن – للمجتمع المفتوح…

من الأسد إلى الممانعة الكاذبة

كتاب *المجتمع المفتوح وأعداؤه* عبارة عن دفاع لا هوادة فيه عن الديمقراطية الليبرالية، وهجوم قوي على الأصول الفكرية للاستبداد. ويشمل ذلك حماية حق جميع الناس في التصويت والوصول إلى صناديق الاقتراع، وحماية نزاهة الانتخابات الحرة والنزيهة، وتعزيز التمثيل السياسي العادل، وتشجيع المشاركة المدنية غير الحزبية، ومكافحة المعلومات المضللة للناس والناخبين خصوصًا… و(للكلام بقية)…!

أود أن أختم مقالي هذا بأنه منذ عام 1956 وحتى سقوط عصابة آل الأسد المختطفة دولة الشعب السوري، كان حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار – المختبئ مع أموال سوريا المحمولة المنهوبة المخبأة في موسكو وبنوك وشركات أجنبية لا تعد ولا تحصى – أحد الأسباب الرئيسية في تدمير سوريا والقضية الفلسطينية ولبنان، وقتل مئات آلاف الأبرياء من السوريين والفلسطينيين واللبنانيين – من كل الطوائف: سنة، شيعة، دروز، ومسيحيين – وغيرهم الكثير جدًا من المفكرين والمثقفين من اليسار… ومن اليمين…

الأصعب من كل ذلك، أن هناك اليوم من يدورون في فلك (الحوزب الممانع والمانع للحياة) ممن ما زالوا يدافعون عن إبقاء اسم المجرم الطاغية ديكتاتور حدائق الكريستال الجذمورية المستبدة “حافظ الأسد” على أحد شوارع لبنان… تبًّا لهم… تبًّا لهم وحافظ الأسد ووريثه الحي الميت بشار، الهارب من وجه عدالة الشعب السوري…

والسلام… السلام لروح زياد الرحباني، الذي لا يشبه كذبة تلك الممانعة بشيء… زياد الذي اكتشف وكشف – مرات ومرات – زيف تلك الممانعة المانعة لكل شيء وأي شيء لا يخدم مؤامراتها… مؤامراتها ضد بلادنا وشعوبنا!

اقرأ أيضا: حزب الله.. والنصر الدائم!

السابق
موجة حرّ شديدة تُحاوِط لبنان والرطوبة حتى الأسبوع المقبل
التالي
بين «الميثاقية الكاملة» لجلسة 7 آب و«المصداقية الناقصة» لأهل السياسة!