تفجير مرفأ بيروت: المنظومة مسؤولة..وترهيب القاضي بيطار عطّل التحقيقات

انفجار مرفأ بيروت

خمسة أعوام مرّت على جريمة تفجير مرفأ بيروت، وما زال اللبنانيون يبحثون عن الحقيقة في بلد تآمر فيه نظام سياسي – أمني – قضائي على دفن العدالة. في الرابع من آب/أغسطس 2020، انفجرت بيروت في لحظة واحدة، وسقط معها أكثر من 220 ضحية، وآلاف الجرحى، وعاصمة باتت أنقاضاً، دون أن يُحاسَب مسؤول واحد حتى اللحظة. وبينما تحاول السلطة تسويق الانفجار كحادث عرضي ناتج عن اهمال تخزين نيترات الامونيوم المجهولة المصدر ، تشير معظم الوقائع إلى فعل مدبَّر، جرى التستّر عليه بعناية، بغطاء من طبقة سياسية فاسدة.

يد العدالة مقيَّدة

القاضي طارق البيطار، رغم شجاعته في الاستمرار بتحقيقاته، يواجه منظومةً مدروسة لتعطيل مهمّته. عشرات دعاوى الردّ والمخاصمة الموجّهة ضده من سياسيين متهمين، إضافة إلى غياب التعاون الدولي الكامل، جعلت من مسار التحقيق ساحة مواجهة لا عدالة. الدول التي طلب منها القاضي استنابات قضائية لم تجب حتى الآن، وصور الأقمار الاصطناعية لا تزال مفقودة، وكأن ثمة قرارًا دوليًا غير معلن بعدم كشف الحقيقة.

لكن العراقيل الداخلية هي الأخطر، وتحديداً من قبل الجهة المنظومة الامنية والسياسية الموازية التي تهيمن على مفاصل الدولة. فتهديد وفيق صفا، مسؤول الارتباط في حزب الله للقاضي البيطار عام 2021، لم يكن شائعة. بل نُقل بوضوح: “رح نقبعك”، في رسالة لا تحتمل تأويلاً. ورغم فداحة التهديد، لم يتحرك القضاء، ولم تتجرأ السلطة على مساءلة الحزب، في مشهد يُكرّس الإفلات التام من العقاب.

لماذا اوقف الحزب التحقيقات؟

رغم نفي الحزب أي علاقة له بالمواد المخزنة في المرفأ، فإن وقائع عدة تضعه في موضع الشبهة، رغم عدم وجود دليل بسبب عدم اكتمال التحقيقات. فالعنبر رقم 12، حيث كانت تُخزن كميات نترات الأمونيوم، وموقع المرفأ الاستراتيجي، المستخدم في تهريب الأسلحة والمعدّات، يرى مراقبون انه ليس بعيداً عن نشاطات الحزب اللوجستية. كل هذا، بالإضافة إلى رفض أي مسؤول فيه المثول أمام القضاء، وتحرك الحزب عبر أدواته السياسية والقضائية لشل التحقيق، يؤكّد أن هناك ما يُراد دفنه إلى الأبد.

الأدهى، أن الطبقة السياسية المتحالفة مع حزب الله، من وزراء ونواب وقضاة وأجهزة، انخرطت في خطة ممنهجة لحماية المتورطين. أبرزهم النائبان غازي زعيتر وعلي حسن خليل، اللذان رفضا المثول أمام التحقيق، بحماية مباشرة من ثنائي “حزب الله – حركة أمل”. ويُضاف إلى ذلك دور القاضي غسان عويدات، الذي رفض التعاون مع البيطار، ثم ادّعى عليه في لحظة انكشاف سياسي، في ما يشبه الانقلاب القضائي.

العدالة رهينة المنظومة

ما يحصل ليس صدفة، بل خطة واضحة: القضاء ممنوع من الاقتراب من “المحرّمات”. والملف لم يعد تحقيقاً قضائياً بل معركة سيادية. فكل من يحاول الاقتراب من الحقيقة، يُهدَّد أو يُعزل أو يُكسر. وهو ما حدث مع القاضي صوان ، وما يتكرر اليوم مع البيطار.

ولأن حزب الله، بأدواته السياسية والقضائية، لا يريد تحقيقاً يكشف من أدخل النترات، أو غطّى وجودها، أو حمى شبكات استخدامها، فإن القضية باتت مؤجلة إلى أجل غير مسمى، حتى إشعار إقليمي أو دولي آخر.

أهالي الضحايا: مقاومة مدنية في وجه المنظومة

رغم كل شيء، يبقى أهالي الضحايا صوت الضمير اللبناني الحيّ. هؤلاء لم يخضعوا، ولم يسكتوا، بل نظّموا تحركات، ورفعوا دعاوى دولية، ووقفوا في وجه دولة السلاح والفساد. يرفضون أن تُطوى الجريمة على تسوية سياسية، أو أن يُختصر الانفجار بموظف صغير أو قاضٍ مُقصَّر.

إنهم يدركون تمامًا أن العدالة لن تتحقق طالما المنظومة السياسية الفاسدة المتحالفة مع السلاح غير الشرعي تحكم وتتحكم، فالعدالة اليوم ليست فقط كشف الحقيقة، بل كسر هذه البنية التي تحمي المجرمين وتمنع المحاسبة.

والخلاصة ان تفجير المرفأ هو لحظة كاشفة، فإما أن ينتصر منطق المؤسسات ويُحاسب كل متورط كائناً من كان، أو يُثبت لبنان مرة أخرى أنه بلد محكوم بالسلاح والخوف والطائفية.

وفي الحصيلة، لن يُقال بعد اليوم إن الانفجار وقع صدفة، بل إنه ارتُكِب وتمت حمايته، فيما يقف اللبنانيون بين فاجعة بلا نهاية، ومنظومة لا تعرف الخجل.

اقرأ أيضا: الحقيقة في 4 آب: الخروج من سياسة الإفلات من العقاب

السابق
من هو علي سليمان أبو عباس المستهدف في غارة إسرائيلية على الخيام
التالي
تفجير مرفأ بيروت: كيف تتحقق العدالة على يد قضاء تحت سيطرة السياسيين؟