الحقيقة في 4 آب: الخروج من سياسة الإفلات من العقاب!

Beirut Port Explosion

خمس سنوات مرّت دون معرفة الحقيقة عمّا حصل في الرابع من آب من العام 2020، ومن المسؤول عن انفجار أو تفجير مرفأ بيروت، وانتهاك العاصمة الجميلة النابضة بالحياة، وتعريض أهلها لأبشع تجربة ذهب ضحيتها أكثر من مئتي ضحية وعشرات الجرحى، فيما التداعيات النفسية تكاد لا تُعدّ ولا تُحصى، وقد تركت الحادثة ندوبًا يصعب الشفاء منها.

وإذا كانت الجريمة كبيرة، فإن الجريمة الأكبر هي طمس الحقيقة وحرمان المدينة وأهلها، واللبنانيين عمومًا، من معرفة ما الذي حصل يومها، علّ الحقيقة تردّ بعضًا من العزاء والمواساة والراحة لشعبٍ قلّما يعرف الحقيقة في أيّ من القضايا التي تتعلّق بمصيره، وهي أكثر من أن تُعدّ وتُحصى، ومنها تحديدًا الاغتيالات السياسية منذ العام 2004، وصولًا إلى نهب أمواله في المصارف، وليس آخرها تعريضه لمقتلة في العام 2023.

ما كان ممكنًا بالأمس لم يعد كذلك اليوم!

في الذكرى الخامسة لتفجير مرفأ بيروت، يعود الأستاذ الجامعي وعضو تيار التغيير في الجنوب الدكتور علي مراد إلى لحظة مفصلية في مسار التحقيق، مسترجعًا جلسة تشرين الأول 2021 حين “أطاح الوزير محمد مرتضى بأي إمكانية للوصول إلى الحقيقة”، كما يقول. ويشير مراد إلى أنّ ما سبق تلك الجلسة كان أيضًا ذا دلالة، لا سيما “دخول وفيق صفا إلى قصر العدل”، وهي خطوة رأى فيها كثيرون تدخّلًا سافرًا في مسار العدالة.

لم تكن تلك الزيارة عابرة. ففي أيلول من العام نفسه، نقل وفيق صفا، المسؤول الأمني البارز في حزب الله، رسالة تهديد مباشرة إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، مفادها: “واصلة معنا للمنخار… وإذا ما مشي الحال رح بنقبعك”. هذا التهديد العلني، الذي أبلغه القاضي بيطار للمدعي العام التمييزي، بحسب تسريبات إعلامية، اعتُبر محاولة فاضحة لتقويض استقلالية القضاء، وأثار موجة من الغضب في الأوساط الحقوقية وأهالي الضحايا.

لكن بالنسبة لمراد، فإن ما كان ممكنًا بالأمس لم يعد كذلك اليوم. فمعرفة الحقيقة باتت، بحسب تعبيره، “فعلًا سياسيًا في وجه سياسة الإفلات من العقاب”، وهو أمر يتجاوز البُعد الجنائي التقني حصرًا، لأن النظام السياسي الحالي، كما يوضح مراد: “لا يحتمل أي شكل من أشكال المحاسبة حين تمسّ شخصيات نافذة تنتمي إليه”.

علي مراد

كل لبناني ناجٍ حتى إشعار آخر!

اليوم، لا يقتصر صدور القرار الاتهامي على كونه مطلبًا لأهالي ضحايا انفجار المرفأ فقط، بل هو قضية تهمّ كل اللبنانيين. فكل لبناني ناج، حتى إشعار آخر، ويُعتبر ضحية لهذا الانفجار والفساد المستشري. برأي مراد، فإن مسألة الحقيقة هنا تمثّل إنصافًا لكل ضحايا القضايا التي بقيت طيّ الكتمان في لبنان، من اغتيالات سياسية إلى جرائم أخرى أصابت المجتمع اللبناني.

ويشير الدكتور علي مراد إلى أنّ ظاهرة الإفلات من العقاب تتجاوز الإطار القضائي الضيق لتصبح مرتبطة بمأساة أعمق، تتمثل في الانهيار الاقتصادي الذي يعانيه لبنان. “لا يوجد بلد في العالم مرّ بما مرّ به لبنان وشعبه، ولم يحاسب أي طرف مسؤول عن ذلك”، يؤكد مراد، مضيفًا أن المحاسبة جزء لا يتجزأ من استعادة الحقوق والكرامة الوطنية.

العدالة المفقودة في لبنان!

حتى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الذي وُضع تحت التحقيق في ملف فساد مباشر وواضح، لم يُحاسب فعليًا على الخيارات والخطايا المالية التي ارتُكبت في عهده، وعلى رأسها تبخر أموال المودعين في المصارف.

ويؤكد الدكتور علي مراد أن “كشف الحقيقة في قضية الرابع من آب يفتح الباب أمام إعادة الاعتبار للعدالة المفقودة في لبنان”. ويضيف أن السلطة السياسية تتحكم في توزيع العفو العام، سواء كان ماليًا أو جنائيًا، مشددًا على أن “تلكؤ القضاء في الحسم في ملفات الاغتيالات المتعددة يعني عفوًا عامًا جنائيًا يسمح للمجرم بتكرار جريمته بثقة، مدركًا أن لا محاسبة ستطالّه”.

ويعتقد مراد أن القاضي طارق البيطار ربما أصبح جاهزًا لإصدار قراره الاتهامي في ملف تفجير مرفأ بيروت، إلا أن طريقه لا يزال معقّدًا بشبكة عنكبوتية من دعاوى الاسترداد والمخاصمة، التي أعاقت تقدّم التحقيق. ويرى الدكتور علي مراد أن “التعطيل كان سياسيًا بأدوات قضائية وإجرائية”، مشددًا على أن “تحرير الملف ومتابعة التحقيق هو قرار سياسي على عاتق الدولة اللبنانية للوصول إلى الحقيقة”.

الحقيقة كمجموعة أخطاء متراكمة!

يرى الدكتور علي مراد أن الحقيقة في ملف تفجير مرفأ بيروت تشبه إلى حد بعيد كارثة تشيرنوبيل النووية، حيث ليست نتيجة خطأ واحد كبير، بل تراكم لسلسلة من الأخطاء الصغيرة المتتابعة التي أدّت في النهاية إلى الكارثة. فقد كانت حادثة تشيرنوبيل، نتيجة إهمالات متكررة وأخطاء بشرية وتقنية تراكمت مع الوقت، وليس خطأً فرديًا واحدًا فقط. وبالمثل، لم يحدث انفجار مرفأ بيروت بفعل عامل وحيد، بل نتيجة تخزين مواد خطرة بشكل غير آمن، إلى جانب الإهمال الإداري والتدخلات السياسية والقضائية التي أجّلت التحقيق وكشفت عن تراكم الفشل في إدارة الملف. ومن هنا، يؤكد مراد ضرورة معرفة الجهات التي أدخلت هذه المواد الخطرة إلى لبنان، ولماذا أدخلتها، ومن تواطئ في هذا الملف، لأن فهم هذا الجانب يشكّل مفتاحًا رئيسيًا للوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة.

تغييرات بنيوية عميقة لمحاربة الإفلات من العقاب!

بدورها، أشارت النائبة في البرلمان اللبناني، حليمة قعقور، على هامش مشاركتها في ندوة نظّمتها المفكرة القانونية بمناسبة الذكرى الخامسة لجريمة تفجير مرفأ بيروت، إلى أن “مسألة الإفلات من العقاب تتضمن عدة جوانب: جانبًا تشريعيًا يتعلق بإصدار قوانين تضمن استقلالية القضاء، وآخر يتعلق بتنفيذ هذه القوانين، إضافة إلى جانب يخصّ دور المجتمع المدني والرأي العام والنقابات والإعلام”، مؤكدةً ضرورة ألا تخضع هذه المؤسسات لمبدأ “6 و6 مكرر” المعروف لدى جميع اللبنانيين.

وأشارت قعقور إلى أن تشكيل الهيئات وفق منظور المحاصصة الطائفية يشكّل عائقًا أمام تحقيق العدالة، وضربت مثالًا على ذلك بتشكيل هيئة لقانون إصلاح المصارف، حيث يتم تشكيلها بطريقة طائفية بدلًا من أن تكون مستقلة، وكذلك الأمر في تشكيل هيئة تُعنى بمجلس القضاء الأعلى. وترى قعقور أن هذه الهيئات يجب أن تكون منتخبة وخاضعة لمبادئ الحوكمة والشفافية، في حين أن النقاش داخل المجلس النيابي لا يزال يدور حول التوزيع الطائفي، ما يجعل عملية الإصلاح متعارضة جذريًا مع منطق المحاصصة الطائفية في تشكيل الهيئات.

أما في ما يتعلق بسبب الوصول إلى حالة التفلت من العقاب، فتشير قعقور إلى أن “الهيئات المعنية بالمحاسبة والمحاكمة تابعة لأطراف طائفية، وبالتالي هي خاضعة سياسيًا لجهات مرجعية في البلد”. وبرأيها، فإن لبنان يعاني من أزمة بنيوية تحول دون إمكان تنفيذ الإصلاح، وتُعد مسألة التوافق الطائفي إحدى أبرز هذه المشكلات، إذ تضرب في عمق كل ملف إصلاحي.

وتلفت قعقور إلى نقطة لافتة أخرى مرتبطة بملف الإصلاحات، لها جذور تحول دون ترسيخ ثقافة العدالة، وتكمن في النظام التعليمي اللبناني الوطني. فوفق قولها، تهيمن المدارس الخاصة، لا سيما الطائفية منها، على قطاع التعليم، مقابل نسبة لا تتجاوز 22 في المئة من الطلاب في المدارس الرسمية، والتي يُفترض أن ترسّخ قيم المواطنة، في ظل تهميش واضح لدور التربية الوطنية اللبنانية. وترى قعقور أن الحل البنيوي، رغم أنه طويل الأمد، إلا أنه مستدام، مشدّدة على ضرورة استثمار الظرف الدولي القائم من أجل تحقيق الإصلاحات.

إقرأ/ي أيضا: كشف مخطط «الحزب» في مرفأ بيروت: ماذا يفعل مع فيلق القدس؟

السابق
عن خطة اسرائيلية جهنمية خلف تجويع اطفال غزة
التالي
الرئيس عون في الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ: سنواصل الضغط لتقديم كل المسؤولين عن الجريمة إلى العدالة