تفجير مرفأ بيروت: كيف تتحقق العدالة على يد قضاء تحت سيطرة السياسيين؟

يوافق اليوم ذكرى مرور خمسة أعوام على جريمة تفجير مرفأ بيروت التي أدت إلى سقوط أكثر من ٢٤٠ ضحية ونحو ٧٥٠٠ جريح، ما زال بعضهم يعاني من جراحه حتى اللحظة، بالإضافة إلى تدمير وخراب آلاف الوحدات السكنية وغير السكنية.

وما زالت التحقيقات مستمرة بعد توقفها لفترات متعددة بسبب النزاع السياسي وتدخلات قوى سياسية مختلفة في مجرى التحقيقات، والحديث عن صدور القرار الظني في القضية بعد وقت قريب غير مؤكد، وخصوصاً أن بعض المطلوبين للتحقيق معهم ما زالوا يرفضون الحضور، ومنهم من هو في سلك القضاء نفسه ومن خلال حماية سياسية.

وفي الذاكرة أن أحد القضاة استغل موقعه وأقدم على إطلاق سراح جميع المشتبه بهم بجريمة تفجير مرفأ بيروت نكاية بقاضي التحقيق طارق البيطار.

هذا الوضع الذي يعيشه أهالي الضحايا والشعب اللبناني نفسه يجعل مطلب استقلالية القضاء شرطاً لتحقيق العدالة.

والسؤال: هل يمكن أن نصل إلى هذا الوضع المرتجى؟

النظام الطائفي كعائق تاريخي لاستقلالية القضاء

خلال الفترة الماضية شهدت الحياة القضائية شبهات كثيرة حول التزام بعض القضاة مصالح قوى سياسية مؤثرة في نظام المحاصصة الطائفية، وهذا ما دفع جهات وقوى سياسية إلى المطالبة باستقلالية القضاء بصفته سلطة مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.

واليوم، وبعد الاتفاق على التشكيلات القضائية، تبرز فيها شبهة حول حصة كل طرف سياسي أو طائفي فيها.

وبعد مرور خمسة أعوام على الجريمة، هل يستطيع القضاء اللبناني، حتى لو صدر القرار الظني بحادثة الانفجار وبكل شفافية، أن يؤمّن العدالة لضحايا الانفجار، وخصوصاً أن تحقيق مثل هذه العدالة يتطلب قضاءً مستقلاً فعلياً؟

إن إشكالية استقلالية القضاء اللبناني، وجدت منذ إقامة الكيان اللبناني عام ١٩٢٠ وصولاً إلى اليوم حيث نشهد انهيار وتحلل مؤسسات الدولة في مختلف الميادين.

إن المطالبة باستقلالية القضاء بدأت منذ عهد الاستقلال أيام الرئيس بشارة الخوري.

لكن هذه المطالبة غابت عن جدول أعمال المجالس النيابية المتعاقبة ومجالس الوزراء المتوالية،

ويقول البعض إن نقصاً في التشريع أدى إلى عدم تحقق الاستقلالية، لتقاعس السلطتين التشريعية والتنفيذية عن القيام بسد هذا النقص التشريعي.

هل القضاء مستقل فعلاً… أم من يجب أن يستقل عنه؟

يعترف جميع المكونات اللبنانية في السلطة أو خارجها أن القضاء غير مستقل، لكن السؤال: عن من يجب أن يستقل، وممن تُؤخذ هذه الاستقلالية؟

بعد تأسيس الكيان اللبناني عام ١٩٢٠، اعتمد الانتداب الفرنسي النظام الطائفي الموروث منذ عام ١٨٤٣ كأساس لبناء الدولة الجديدة، ومنذ ذلك الحين، نشأت إشكالية استقلالية القضاء.

لبنان دولة ذات نظام طائفي ثبّته الانتداب الفرنسي، وقضاء يغلب على القوانين التي يعتمدها طابع مدني غير طائفي.

بقي النظام الطائفي أساس الدولة التي ضمت مجموعات طائفية وليس شعباً واحداً، وكل مجموعة ترى نفسها مشروع دويلة أقوى من الدولة نفسها.

ومؤسسات الدولة هي في خدمة النظام الطائفي ومن مهامها منع أي تغيير في طبيعة النظام.

النظام الطائفي هو الدولة العميقة، وهذا يعني أنه أقوى من القضاء الذي هو أحد المكونات الثلاثة لسلطة الدولة.

وخلال تاريخنا منذ نحو قرنين، كان النظام الطائفي هو الثابت، والمتغير هو نموذج السلطات التي تعبر عن التوازنات ما بين زعامات الطوائف المكونة للكيان.

وقد انعكس هذا التغيير الناتج عن التوازنات على حال القضاء اللبناني، إذ رُكّبت المؤسسات وفق معايير طائفية سائدة أو مستجدة أو انعكاس لموازين العلاقة بين زعماء الطائفيات السياسية.

وفي تاريخ القضاء اللبناني ظواهر بارزة للتدخل السياسي فيه.

الظواهر عديدة، والوضع الحالي الذي نعيشه مع حادثة انفجار مرفأ بيروت هو نموذج لما حدث سابقاً وما سيحدث لاحقاً.

شهد عهد الرئيس بشارة الخوري فساداً مستشرياً، لكن القضاء لم يتحرك لمواجهته.

ولم يستطع القضاء تطبيق قانون “من أين لك هذا” منذ إقراره عام ١٩٥٣ وحتى اللحظة الراهنة.

وفي سبعينيات القرن الماضي، صمت القضاء أمام الجرائم التي ارتُكبت بحق مناضلي الحركة الشعبية مثل عمّال غندور في بيروت ومزارعي التبغ في النبطية، ورُميت التهم على “المشاغبين والمجموعات الهدّامة” كما تم وصفها آنذاك.

ويحق لنا السؤال عمّا حصل حتى الآن في التحقيق بجريمة اغتيال الزعيم معروف سعد؟

ولا يمكن أن ننسى كيف استخدمت قوى الحروب الأهلية المسلحة القضاء اللبناني لمصلحة سلطات الأمر الواقع الأهلية.

وبعد اتفاق الطائف وتوقف الحروب الأهلية المسلحة، لم يتحرك القضاء لمحاربة الفساد، على الرغم من إقرار المجلس النيابي لقانون خاص يتعلق بالتعدّي على أملاك الدولة.

ضغط الأهالي… الطريق الوحيد لفك الارتباط بين القضاء والسياسة

في فترة الشهابية حصلت تجربة بتشكيل القضاء خلافاً لمنطقة التوزيع الطائفي، لكن هذه التجربة فشلت لأن أركان النظام الطائفي، ومن مختلف الاتجاهات، أحبطوها.

واليوم أعاد النظام الطائفي إنتاج نخب متجددة من الطبقة السياسية نفسها ووفق موازين سياسية جديدة، وأعيد تركيب القضاء اللبناني وفق الموازين الجديدة، وتحولت الهيمنة إلى محاصصة على مواقع محددة، وإذا كانت القرارات تصدر بمراسيم عن وزير العدل ورئيس الجمهورية، إلا أنها تعتمد على ما يتم الاتفاق عليه بين زعماء الطوائف، وهذا ما يجري حالياً.

وعلى الرغم من كل شيء، يمكن ملاحظة تناقضين في الحياة القضائية:

التناقض الأول بين قضاء تعتمد مراجعه القانونية على أرضية مدنية، في دولة نظامها طائفي يعتمد المحاصصة بين أطراف السلطة.

والتناقض الثاني يعتمد على تركيبة الجسم القضائي وتشكّله، ومعايير توزيع مناصبه وفق التوازن الطائفي الحالي.

إذن، وبعد أن بات للتجاذب الطائفي دور كبير في تشكيل القضاء، هل يمكن أن يكون هناك استقلال شامل وكامل للقضاء عن النظام الطائفي اللبناني الموروث؟

سؤال يفتح الباب أمام نقاش واسع حول هذه الاستقلالية، وكيف يتم ذلك؟

لذلك، يشكّل التحرك الدائم لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، والذي لا يقتصر على مناسبة ذكرى الجريمة، أهمية كبيرة لأنه يشكّل ضغطاً قد يؤدي إلى تغيير في التحاق السلطة القضائية بالسلطتين التشريعية والتنفيذية القائمتين على أساس المحاصصة الطائفية، وليس على أساس المواطنة التي تشكل أرضية حقوق الإنسان وسبيلاً إلى تحقيق العدالة.

اقرا ايضا: تفجير مرفأ بيروت: المنظومة مسؤولة..وترهيب القاضي بيطار عطّل التحقيقات

السابق
تفجير مرفأ بيروت: المنظومة مسؤولة..وترهيب القاضي بيطار عطّل التحقيقات
التالي
مقتل الطالب السعودي محمد يوسف القاسم في بريطانيا: تفاصيل الجريمة التي هزّت كامبريدج