يبدو أن لبنان يتأرجح بين مشهد برلماني تشريعي بلا عمق سيادي، وجبهة جنوبية مفتوحة على سيناريوهات تفجيرية. فلا مؤشرات على تسوية قريبة، ولا على حرب شاملة، بل على استمرار نزاع منخفض الحدة يتغذى من العجز الداخلي والانقسام السياسي.
بين قوانين البرلمان والتحديات الأمنية.. الوقت ينفد
يعقد مجلس النواب اللبناني جلسة تشريعية غدًا، وسط تصاعد التوتر الإقليمي ومخاوف الداخل، لبحث مشاريع واقتراحات قوانين تتراوح بين تنظيم المهن وتعويضات مديري المدارس، إلى قانون إصلاحي بالغ الحساسية يتعلق بالمصارف، وآخر بتنظيم القضاء العدلي. لكن خلف هدوء قاعات البرلمان، ثمّة عاصفة سياسية – أمنية تتشكّل على الحدود، وسط صمت الدولة وانكفائها عن الخيارات الحاسمة.
من جهة، تُستكمل الجلسات النيابية وفق جدول أعمال تقني، يفتقد لأي نقاش جدي بشأن الأولويات الأمنية والسيادية، لا سيما ملف السلاح الخارج عن الدولة الذي سيطرحه وزراء “القوات اللبنانية”، وكذلك الانهيار المصرفي، وملف الإصلاحات الموعودة، في ظل غياب تام لأي إرادة سياسية جذرية لمقاربة الأسئلة السيادية التي تفاقمت في الأشهر الأخيرة مع تصاعد المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل.
تهديدات إسرائيلية: الانسحاب غير وارد و”الرضوان” هدف دائم
في موازاة الانشغال الداخلي بالتشريع، أطلق وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش مواقف عدائية صريحة، مؤكدًا أن “الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من النقاط الخمس في جنوب لبنان”، ومعلنًا رفضه لإعادة إعمار القرى الجنوبية المدمّرة. وإذ أشار إلى احتمال تجريد حزب الله من سلاحه الذي يحتمل ان اغلبه جرى تدميره، فإنه زعم أن المرشد الإيراني “تخلّى” عن الحزب، ملوّحًا بنهاية دوره في الجنوب، مؤكدا ان اتفاق وقف اطلاق النار مع لبنان جيد ويسمح لاسرائيل باستهداف الحزب في جميع الاراضي اللبنانية، “حتى في قلب الضاحية. إذا لزم الأمر سنهدم المباني في وضح النهار. ولا توجد منطقة آمنة”..
لكن تقييمات الجيش الإسرائيلي، وفق صحيفة “معاريف”، تُكذّب هذه النبرة الانتصارية، إذ تشير إلى أنّ “الحزب لم يُهزم بل يُلملم جراحه”، ويُعيد توزيع قواته، لا سيما “قوة الرضوان” التي نُقلت من سوريا إلى مناطق بيروت والبقاع، استعدادًا لردود فعل أو تحصين داخلي تحسّبًا لتحولات أمنية قادمة.
ضرب النسيج الاجتماعي والبيئة السياسية والاقتصادية الحاضنة، وهو ما لمّح إليه قائد الجيش العماد رودولف هيكل في أمر اليوم العسكري، محذرًا من “اختراق النسيج الوطني” ومُشدّدًا على خطورة التحديات الخارجية والداخلية المتزامنة.
الجيش: بين الإمكانات المحدودة والمهام الثقيلة
في هذه الأجواء القاتمة، يحتفل الجيش اللبناني بعيده الثمانين وسط تراجع في الموارد والقدرات، لكنه يستكمل مهماته الأمنية والعسكرية، من بسط سيطرة الدولة إلى تنفيذ القرار 1701، ومراقبة الحدود وضبط الأمن الداخلي، وفق ما أكد قائد الجيش في أمر اليوم، داعيًا إلى دعم المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها في وجه التحديات المتعددة.
لكن في ظل غياب قيادة سياسية موحّدة، وتعثّر التفاهمات الدولية – الإقليمية، تبدو المؤسسة العسكرية وحيدة في ساحة داخلية تمور بالتجاذبات، وخارجية تزداد اضطرابًا. فالتسريبات عن مفاوضات غير مباشرة، وعن نوايا أميركية وفرنسية لإعادة ترتيب الأولويات اللبنانية، لم تُترجم بعد إلى أي مسار سياسي واضح، بل تُقابل بمزيد من الشلل الرسمي والتشظي الأهلي.
في النهاية، كل تأجيل للتفاهم على استراتيجية وطنية جامعة لإدارة السلاح والدولة معًا، هو اقتراب من الهاوية. وكل تجاهل لتحديات السيادة والاستقرار الاجتماعي، هو دعوة مفتوحة لانفجار جديد.
وحده الجيش، حتى الآن، يقف على خطوط النار، بعتاده المتواضع، وإرادته المستمرّة، بينما تسير الطبقة السياسية في طريق التشريع الموسمي… على حافة الانفجار.
أقرأ أيضا: سلاح الحزب بين الضغط الدولي والجمود اللبناني: اختبار السيادة يتعمّق

