في المقالة السابقة تحدثنا عن دورة الوقود النووي الكاملة، هذا الوقود (اليورانيوم المُخصّب) لديه استخدامان أساسيان: سلمي كأن يُوضع داخل مفاعل نووي لتوليد الكهرباء (تخصيب بين 3 و5%)، وعسكري كأن يتحول إلى قنبلة نووية انشطارية بقوة تدميرية هائلة (تخصيب فوق 90%).
بعد اختراع واستخدام أول قنبلة نووية، علّق أينشتاين قائلاً: “لقد تغيّر كل شيء ما عدا طريقة تفكيرنا، وهنا تكمن الكارثة الكبرى”. ليست المشكلة في استخدام الطاقة النووية، إنما المشكلة في كيف ينبغي أن نستخدمها؟ سؤال أخلاقي كبير، كما كل الأسئلة التي ترتفع خلال التطور التقني المتسارع الذي يشهده النوع البشري. الإجابة تحتاج دائمًا إلى إلمام ولو بالحد الأدنى من المعرفة العلمية ذات الصلة بالموضوع. فلنذهب في رحلة مُختصرة ومُبسطة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وهي رحلة شيّقة بالفعل.
كيف يعمل المفاعل النووي؟ من الانشطار إلى الكهرباء
مبحث نظري: تُقصف نواة اليورانيوم 235 بنيوترون متوسط السرعة (سرعة مناسبة للالتصاق بالنواة وعدم اختراقها لأن هذا يمنع الانشطار) بواسطة مدفع نيوتروني له آلية خاصة. هذا يؤدي إلى انشطار نواة اليورانيوم إلى عنصرين جديدين مع تحرير 3 نيوترونات لها دور كبير كما سنرى في السياق لاحقًا. وتكون كتلة المادة بعد الانشطار أقل منها قبل الانشطار. تتحول الكتلة المفقودة، بحسب نظرية أينشتاين، إلى طاقة حرارية كبيرة. وكما هو معلوم في الفيزياء، كل جسم حار يرسل إشعاعات. فالشمس على سبيل المثال، مُشعّة لأنها حارة جدًا.
داخل المفاعل النووي: المفاعل النووي هو بنية هندسية معقدة، الهدف الأساسي من بنائه توليد الطاقة الكهربائية. يُوضع اليورانيوم المُخصب داخل قضبان على شكل حُزم متصلة (pellets) ويُغطّس داخل المفاعل. ويكفي إطلاق نيوترون واحد ليشطر نواة يورانيوم واحدة، ليتحرر 3 نيوترونات تشطر 3 أنوية جديدة وهكذا تتضاعف الانشطارات بسرعة قياسية لتصبح بالملايين في أقل من ثانية واحدة. يُطلق على هذه العملية اسم التفاعل التسلسلي (chain reaction). يصاحب هذه العملية تولّد طاقة حرارية هائلة، وحتى لا تخرج الأمور عن السيطرة، توضع قضبان تحكم وتبريد داخل المفاعل وظيفتها امتصاص الكمية المناسبة من النيوترونات المُحررة بعد كل انشطار، وهي غالبًا من الغرافيت أو البورون. وفي بعض أنواع المفاعلات يُستخدم الماء للتبريد (الخفيف أو الثقيل). كل هذا يحصل في لُبّ المفاعل (core) ويتم عزله عن البيئة المحيطة لمنع التسرب والإشعاعات بجدران من الخرسانة المسلحة شديدة المتانة مع طبقة من مادة الرصاص (shield).
توليد الكهرباء: تُستخدم الحرارة الشديدة داخل المفاعل في تسخين المياه وتحويلها إلى بخار بضغط عالٍ، هذا البخار يُوجّه نحو توربينات فتدور لتولّد الكهرباء وفق الآلية المعروفة في كل محطات التوليد. الموضوع هو إذًا تسخين المياه تارة باستخدام الوقود الأحفوري (النفط أو الغاز) وتارة باستخدام الوقود النووي (اليورانيوم المُخصّب). ولتقريب الصورة، فإن انشطار غرام واحد من اليورانيوم يُولد طاقة حرارية تعادل 2000 كيلوغرام (2 طن) من الوقود الأحفوري.
من الطب إلى الفضاء: طيف واسع من الاستخدامات السلمية
في الطب: علاج بعض أنواع السرطانات بأشعة غاما التي تدمر الخلايا السرطانية، كما باستخدام بعض النظائر المشعة مثل اليود المشع لسرطان الغدة الدرقية. كما تُستخدم بعض الإشعاعات في التصوير الطبقي عالي الدقة لتشخيص أمراض القلب والسرطانات واضطرابات الدماغ. ويمكن استخدامها لتعقيم الأدوات الطبية بشكل أكثر فعالية من الحرارة والمواد الكيميائية.
في الزراعة والغذاء: تُستخدم الإشعاعات في عمليات جينية كنوع من الهندسة الوراثية لتحسين المحاصيل وجعلها أكثر مقاومة للأمراض. كما تُستخدم في قتل الحشرات الضارة وقتل الطفيليات في مخازن الغذاء والمزروعات، مما يساهم في ديمومة التخزين دون فقدان القيمة الغذائية.
في الصناعة: تقيس النظائر المشعة متانة وكثافة وسماكة المعادن المستخدمة في الصناعات على أنواعها. كما أن الصناعات التي تحتاج إلى حرارة عالية، يمكن لها استخدام الطاقة النووية، ومن أهم الأمثلة على ذلك تحلية مياه البحر لتكون صالحة للشرب.
في الفضاء: الطاقة النووية معين لا ينضب تقريبًا للرحلات الفضائية البعيدة للاستكشاف العلمي. وقد تم استخدامها في مركبتيْ “فوياجر” و”كيريوسيتي” الشهيرتين.
النفايات النووية: عندما تنشطر نواة اليورانيوم، وكما ذكرنا سابقًا، ينتج عنصران أو نظيران جديدان مثل اليود والزينون والباريوم والسيزيوم والتكنيتيوم، وتكون حارة ومشعة جدًا بشكل خطير. وخطورتها الأكبر تكمن في أنها تبقى فاعلة ومشعة إلى عشرات ومئات آلاف السنين. كما أن الماء المستخدم في تبريد المفاعل والقضبان يتلوث بها بشكل حاد. ما يحصل حاليًا في معالجتها، أنها تُبرّد لعدة سنوات ثم يُعمل على تصغير حجمها وخزنها في حاويات زجاجية من نوع خاص أو حاويات من الخرسانة المسلحة المتينة، ثم تُدفن في باطن الأرض في أماكن مستقرة جيولوجيًا حتى لا تتعرض للزلازل. والجدير ذكره، ومن الأهمية بمكان، أن هذه النفايات ممكن أن تُعالج لاستخراج البلوتونيوم، وهو مادة انشطارية خطيرة للاستخدام العسكري.
أسئلة:
بعد هذا العرض، وبالعودة إلى مقولة أينشتاين، بأن الإنسان رغم التطور التقني ما زال بدائيًا في ضميره وفي تفكيره، يُفتح الباب على أسئلة عديدة ومشروعة تحت عنوان أخلاقيات العلم:
- هل من الأخلاقي تطوير تكنولوجيا لا يمكن السيطرة عليها بشكل كامل؟
- هل من الأخلاقي استخدام تكنولوجيا تُبقي نفايات مشعة لآلاف السنين القادمة؟ فماذا عن الأجيال القادمة؟
- كيف يمكن الفصل والتثبت من عدم تحويل الاستخدام السلمي إلى العسكري؟
- هل يُتخذ قرار بناء المفاعلات على أساس موافقة واستفتاء شعبيين، أم على أساس مصلحة وجشع شركات وحكومات؟
- رغم أنها لا تؤدي إلى انبعاثات كربونية تُساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، هل هي طاقة “نظيفة” فعلاً؟
- من يتحمّل المسؤولية في حال وقوع كارثة نووية لسبب طبيعي أو لخطأ بشري تقني ناتج عن قلة تدريب؟
- من يُحدد فعليًا، من يحق له امتلاك القدرة النووية ومن لا يحق له؟ خاصة أننا نعيش في عالم يتحكم به القوي…
باعتقادي الشخصي، لا يحق لأحد كائنًا من كان، أن يُطوّر ويستخدم الطاقة النووية تحت أي سبب ومُسمّى. إنها خطر كامن على الجنس البشري والكائنات والبيئة، وعلى كوكبنا بشكل عام. ويجب توظيف الأموال والمصادر على تطوير مصادر الطاقة النظيفة، مثل الطاقة المستخرجة من الشمس والرياح وحتى أمواج البحر ومدّه وجزره.
اقرأ أيضا: تخصيب اليورانيوم: القصة الكاملة…
“الطاقة النووية ليست خيرًا ولا شرًا في ذاتها، بل مرآة لنيّة الإنسان الذي يستخدمها.”
(والقول مستلهم من هايدغر وهانز يوناس)

