يعدّ علماء النفس أن الشخصية تتكوّن قبل السادسة من العمر، وأن معرفة حوادث الطفولة تشكّل المدخل الأمثل لفك رموز الشخصية الإنسانية، ويشير “Word Worth” إلى أثر حوادث الطفولة في تكوين شخصية الإنسان، فيرى أن الطفل هو أبو الرجل، وأن الصدمات النفسية في فترة الطفولة، وعلاقة الطفل بعائلته، هي عوامل أساسية لفهم سلوكه فيما يلي من مراحل.
هكذا، إن شخصية الفرد تتساوى مع ظروف طفولته وتاريخه، ووجودنا الحاضر هو شعور بديمومتنا بين ماضٍ انقضى، ومستقبلٍ منتظر، والحاضر هو جزء من هذه الديمومة. وقد عبّر “هايدغر” عن ذلك بقوله: الإنسان هو كائن الأبعاد، أي أنه يُسقط المستقبل في الحاضر، ويدمج الحاضر بالماضي، فتكون الديمومة مسرح التذكّر والتخيّل.
من هنا، لا نستطيع أن نعرف العوامل التي جعلت حبيب صادق على هذا النحو من غير أن نمرّ بطفولته المعذّبة، ونتنسّم ما خفي منها، ونستكشف ما ألمح إليه من غير إفصاح عنه. عندها تبرز أمامك ألوان شخصيته، وتتضح العوامل التي أدّت إلى امتزاجها وتناسقها.
يقدّم لنا حبيب صادق في “حوار الأيام” معلومات شخصية وعامة عن طفولته التي ما زالت تنبض بالحياة، فيغوص في أغوار المضمون حيث يتدفق الدم الحار، وتتفجّر ينابيع الحياة، ويحتدم الصراع بين مكوّناتها وعناصرها المتنوعة الكثيرة، وبين الأنظمة الممسكة بمقاليد أمورها، ومفاتيح حركتها العامة. فإذا به، كـ”روسو” في “الاعترافات”، يذكر هذه الأشياء في الفترات المتأخرة من عمره، وقد صدفت نفسه عن توافه الملذات، فيتوقف متبسطًا في الحديث عن هذه الذكريات في ظلال من هدوء الشيخوخة.
فالإنسان يُدرك زمان ماضيه من خلال وعي متطور في الزمن، فتكون قيمنا وتجاربنا ومكتسباتنا النفسية الحاضرة ماثلة في وعينا وماضينا. ولقد توقّف الشاعر “بروست” على هذا الوعي في كتابه “عودة الزمن الضائع”.
من هنا، لا تكون الذاكرة عملاً آليًا منفصلاً عن الشخصية، بل هي، في جميع مراحلها من ثبات الذكريات إلى حفظها واستعادتها ومعرفتها، تكون تعبيرًا عن الشخصية الواقعية الحية التي تشد الماضي إلى الحاضر.
هذه بعض محطات طفولته وصباه:
1- وضعته والدته في منزل خالها الفلاح المتواضع والخير، ولم تضعه في بيت العائلة الأصلي. وتساؤله عن سبب ذلك، وحين تحرر وعيه الاجتماعي، حمد لأمه حسن اختيار مكان الوضع لما رأى من خالها الفلاح الكريم، ومن أفراد أسرته، ألوان الاهتمام بها وبنا جميعًا.
2- عاش حبيب صادق في بيت ديني شبه منغلق على ذاته، يحيا “أمجاد الماضي في ثنايا بؤس الحاضر… في اغتراب موهوم عن الواقع المعيش”.
3- تعدد زوجات أبيه، وتعدد أفراد أسرته، وإنجاب (أي الأب) بعض أطفاله وهو ما فوق السبعين من عمره، وما أحدثه ذلك من تشابك في الصلاحيات، وضروب الإهمال، هذه الأمور جميعها دفعت الابن إلى التساؤل: لماذا تعدد الزوجات؟ لماذا إنجاب البنين والبنات بكثرة؟ لماذا الإنجاب بعد التقدّم كثيرًا في السن؟ هذا كله نتيجة عدم اقتناعه بعدالة ذلك.
4- نهوض أمه بكفاءة عالية بمسؤوليتي الأبوة والأمومة معًا، وذلك قبل رحيل الوالد وبعده، وإدارة شؤون معيشة أسرتها بمهارة من خلال العمل المرهق.
5- انقطاع الأب لرسالته الدينية، ووقوعه في حال اغتراب عن ذاته أولًا، وعن أبنائه الزغب خاصة… ويقول حبيب: لا أذكر أني جالست أبي الشيخ على مائدة طعام في أي يوم من الأيام! لا أذكر أنه استدعاني يومًا وسألني عن حالي… وعن مستوى دراستي! لا أذكر أني تلقيت منه هدية من تلك الهدايا التي تُقدّم إلى الأطفال… لا أذكر أنه دخل علينا يومًا الحجرة المخصصة لنا… للوقوف على حالنا… وهذا ما أورثه بالغ الحزن، فلولا الصورة الشمسية المعلقة على أحد جدران الحسينية في النبطية، لكنت أجهل خلق الله بمعرفة ملامح وجهه… وتفهّمه لهذه القضية من غير أن يقتنع بعدالتها، لأنك لا يمكن أن تكون مسلمًا إذا لم تكن عادلًا.
6- عمل حبيب صادق مع الفلاحين على النورج، والتقاط سنابل القمح بعد الحصيد، ومعايشته معاناة الفلاحين وعذاباتهم.
7- انقسام “المجتمع الخيامي” طبقيًا إلى كثرة من الفلاحين المستَغَلين، وقلة من الأفندية المستغِلين، وانحياز السلطة الحكومية المحلية إلى جانب المتنفذين من الأفندية على حساب حقوق الفلاحين المشروعة، وعلى حساب مصالحهم. واهتزاز مشاعر حبيب صادق في تعاطف شديد مع الفلاحين المستضعفين والمظلومين.
8- تردّي وضع الجنوب الاقتصادي، وخصوصًا بعد نكبة فلسطين، وسوء وضعه الاجتماعي نتيجة تعاون السلطة الدينية مع سلطة رجال الإقطاع، واتساع دائرة البطالة إلى حدودها القصوى.
تضافرت جلّ هذه العوامل، فكوّنت شخصية حبيب صادق، المعترف بحسن صنيع أمه وتضحياتها في سبيل أولادها، المتمرّد على السلطة الدينية المتحالفة مع الإقطاع، الرافض لتعدد الزوجات وتعدد أفراد الأسرة، وعدم اقتناعه بعدالتهما، وانعكاس ذلك على حياته المستقبلية، المنتقد لاغتراب أبيه عن أولاده، وخصوصًا الزغب منهم، الثائر ضد طغيان الإقطاع بمختلف أشكاله وامتصاصهم عرق الفلاحين، المنتقد لانحياز السلطات الحكومية المحلية إلى جانب الإقطاع، المدرك لأسباب تدهور الوضع الاقتصادي الجنوبي، المخلص لقضية فلسطين إخلاصه لقضايا الجنوب ولبنان والعرب والإنسانية، المؤمن باستقامة ميزان العدالة في هذه الدنيا يومًا ما، وبثورة المعذبين في الأرض في وجه سَدَنة الظلم والطغيان، لتحقيق حلم الإنسانية في إقامة جمهورية العدالة والمساواة والحرية، الثائر المقاوم واليساري فكرًا وممارسة، والماركسي المندفع نحو الاشتراكية، والمفكر الطليعي، السياسي المتمرد على مفهوم السياسة التقليدي القائم على الفساد والإفساد، وخدمة المتسلطين على رقاب الطوائف، والساعي إلى تغيير هذا المفهوم عبر نظرة واقعية تسعى لتطويره نحو الأفضل ولمصلحة الناس… من غير أن يتمكن، كالمعري، من التخلّص من رواسب نشأته الدينية.
فحبيب صادق متواضع في حياته، راجح في فكره، شامخ في عطائه، نقي في صداقته، لم يُسئ يومًا إلى إنسان. تظن وأنت في حضرته أن النبل قد اختُصر فيه، عشق المبادئ حتى الحلولية، فانكشف قلبه لمن حوله يغرف منه أصدق المشاعر، يبدد قلق محدثيه، ويفجّر ابتساماتهم الحبيسة بعذب كلامه، وبصفاء محبته، وبطهارة جبلته.
يغدق على من حوله من لآلئ فكره، ودرر سلوكه، وسموّ قيمه، فاستحق قول برغسون: “الإنسان سمعة طيبة وصيت حسن”. يلقاك بودّ، ويودّعك بودّ، ولسانه يلهج شكرًا ودماثة خُلُق، يتقدّم الجميع حاملًا قنديله، باحثًا عن الحقيقة، حتى صفَتْ نفسه، وتجاوز صفاؤها ألف الشعاع، فكأنه المقصود بقول فريد الدين العطّار: الذين تصفو نفوسهم، وتتطهر جبلّتهم… تتكوّن لديهم آلاف القوالب ليصرفوا منها كل يوم مئات.
حمل حبيب صادق جبل عامل في مهجته، ولبنان في قلبه، وفلسطين في وجدانه، والعروبة في روحه، والإنسانية في ضميره. تمرّد على نشأته وعلى الظلم، وأنار بمشكاته دروب الآخرين، بعد أن ملأها بزيت الحقيقة. قرن العلم بالسلوك، فلم تقوَ أعاصير الزيف على النيل من هامته المنتصبة، فنال احترام من أحبه ومن كرهه.
أصّل حبيب ثقافة جيل سعى إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، عبر محاربة الإقطاع، والنضال من أجل التحرر الوطني، فكان ميزان حركات التحرر على مستوى لبنان والعالم العربي، مع إدراكه أن فلسطين هي الأساس في معركة التحرر، وأن الثقافة هي السلاح الأمضى لاختراق وعي الناس. لذلك وجدنا أنفسنا نحن، الذين تنسّمنا شذى نضالاته، وتنشّقنا أريج أفكاره، حتى رحنا نفضح ممارسات الإقطاع وتسلّط رجال الدين، ونشارك في نضال مزارعي التبغ، ونعمل على تأسيس رابطة معلمي المدارس الرسمية، ونشارك في تظاهرات الرغيف، ونساند المقاومة الفلسطينية الشريفة، ونناضل لطرد الغزاة الصهاينة عبر حركة المقاومة الوطنية.
من هنا، لا يمكن اختصار حياة حبيب صادق في “حوار الأيام”، ولا يمكن للعين أن تدرك أفق هذا المثقف الثوروي، الذي اقترن اسمه باسم المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، واقترن اسم المجلس الثقافي باسمه، حتى أقام به، متخطّيًا مقام الحب إلى مقام العشق، فأبقى المجلس منبرًا يصدح بالكلمة الحرة، على ألسنة مبدعة، أصيلة المنطلقات، أمينة التطلعات. من هنا اتهمه وانتقده وهاجمه المتسلطون على رقاب الناس وثقافتهم، القامعون لجدلية الفكر وحركته، لكنه، كالحلّاج، قابل جلاديه بالمحبة، وطلب المغفرة لهم، لأنهم لا يعلمون ما يفعلون.
أخيرًا، صحيح أن الأمم الحية تكرّم مبدعيها، وتتخذهم مصابيح تنير دروبها، وكواكب تُضيء سماءها، بفكرهم يهتدون، وبمعارفهم يتقدمون، وحبيب صادق واحد من هذه الأمة، كبير في عطائه، عميق في ثقافته، لكن خطيئة الكلمة أنها تجرح نبله. من هنا، فنحن لا نكرّم حبيب صادق، وهل يُكرّم من تتجسّد فيه الكرامة؟ بل نكرّم أنفسنا، نحن الذين عملنا معه، ونهلنا من فكره، وازددنا أصالة وصلابة من مواقفه، فإذا به يمثّل جيلًا نفخر بتسميته “جيل حبيب صادق”.

