جنيف بين الحرب والسلام: هل تعيد الدبلوماسية رسم مشهد المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية؟

بينما كانت الطائرات الإسرائيلية تشنّ أعنف غاراتها على منشآت في العمق الايراني، والصواريخ العابرة الثقيلة تدك تل أبيب وحيفا، وفي لحظة اقتراب المنطقة من حافة الانفجار الشامل، التأم في جنيف اجتماع نادر بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ووزراء خارجية الترويكا الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) بحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس.

رغم أجواء التصعيد، وُصفت المحادثات بـ”الجدّية والمنفتحة”، وانتهت باتفاق مبدئي على عقد جولة تفاوضية جديدة لم يُحدّد موعدها بعد. لكن السؤال الذي يتقدّم الآن: هل تأخرت الدبلوماسية عن لجم الانفجار؟ أم أنها لا تزال تملك الوقت الكافي لتغيير المسار؟

العرض الأوروبي عبارة أربعة مفاتيح لنزع فتيل الأزمة، فقد شملت أربعة محاور تعتبرها أساسية لاستئناف الاتفاق النووي، وهي:

  • وقف التخصيب عالي النسبة.
  • رقابة دائمة ومشددة على البرنامج النووي الإيراني.
  • تجميد تطوير الصواريخ الباليستية.
  • التزام طهران بعدم تصدير التكنولوجيا العسكرية إلى حلفائها الإقليميين.

ورغم الترحيب النسبي الذي أبدته إيران، فإن العراقجي سارع للتأكيد أن بلاده “لن تقبل بتصفير التخصيب”، وهو المطلب الغربي القديم المتجدد، والذي لا تزال طهران تعتبره مسًّا بـ”السيادة التكنولوجية”.

الفرصة الأخيرة… أمريكيًا

بالتوازي، كشفت شبكة “ABC” أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح إيران مهلة أخيرة تمتد لأسبوعين قبل اتخاذ قراره النهائي بشأن الانخراط العسكري المباشر في الحرب إلى جانب إسرائيل.

هذا التصريح الصريح يُدخل الدبلوماسية في سباق مع الوقت، إذ تبدو واشنطن وكأنها تُمهل ولا تُهمِل، واقفة  بين خيار الحرب وخيار التسوية المشروطة.

المقايضة الممكنة: التخصيب مقابل الوقود

في محاولة لابتكار حل وسط، قدّم المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف عرضًا إلى طهران يسمح لها بالحصول على وقود نووي مخصّب عبر “كونسورتيوم إقليمي”، بشرط وقف التخصيب الداخلي.

ووفق تسريبات دبلوماسية، فإن إيران أبدت استعدادًا للعودة إلى تخصيب بنسبة 3.67% فقط، بما يتوافق مع الاستخدامات السلمية، دون التنازل عن “الحق السيادي” بالتخصيب. لكن هذا الطرح، الذي رفضته واشنطن في السابق، قد يتحوّل إلى قاعدة تفاوضية جديدة إذا اشتدّت الحاجة إلى مخرج سياسي للأزمة.

“الديبلوماسية لا تملك ترف الوقت، والحرب لا تنتظر الضوء الأخضر”، بهذه العبارة لخّص دبلوماسي أوروبي الوضع القائم.

بين فيينا وجنيف… هل تعود روح الاتفاق؟

منذ انهيار الاتفاق النووي الموقع في 2015 (JCPOA)، دخلت المنطقة في دوامة من الانفجارات المتقطعة، والصراعات بالوكالة. أما اليوم، فالوضع اختلف: إسرائيل تشن حربًا مباشرة غير مسبوقة ضد أهداف إيرانية، معلنة أنها “لن تسمح ببرنامج نووي يهدد وجودها”.

وبينما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران تمتلك كميات مخصبة تكفي لصنع عشر قنابل، تنفي طهران سعيها لصنع أي سلاح نووي، مكرّرة روايتها بأن البرنامج “مدني بحت”.

السيناريوهات المقبلة: تصعيد مقنّع أم تهدئة موقتة؟

لا يمكن الجزم اليوم إذا كان اجتماع جنيف مجرد هدنة كلامية مؤقتة أم بداية مسار جديد نحو اتفاق شامل. الأكيد أن كل الأطراف تدرك خطورة الحرب الشاملة وتداعياتها غير المحسوبة. لكن الأهم هو أن الجميع بدأ يبحث عن مخارج وسط النيران، قبل أن تتجاوز النيران قدرة الاحتواء.

في النهاية، الدبلوماسية ما زالت حيّة، لكنها تتنفس بصعوبة في غرفة عمليات مفتوحة على أكثر من جبهة. فهل تنجح جنيف في إعادة رسم حدود اللعبة؟ أم أننا أمام ما يشبه رقصة أخيرة على شفير الهاوية؟

اقرا ايضا: لبنان يمتثل لقواعد الاشتباك..وصمت حزب الله يُقلق الحلفاء ويُربك الخصوم

السابق
استهداف منشأة أصفهان النووية… وإيران: لا إصابات ولا خطر إشعاعي
التالي
بين نبرة قاسم وضمانة برّي: الحزب يرفع الجهوزية دون الانخراط المباشر