تحيلنا سيرورة الانتخابات البلدية الأخيرة إلى طرح العديد من التساؤلات.
ما دلالات تحالف قوى متناقضة كالثنائي الشيعي و”القوات”، أو “القوات” و”التيار الوطني الحر”، إلى ما هنالك؟ هل يدل هذا التحالف على أن ما يجمع القوى السياسية اللبنانية في العمق، حتى لو اختلفت شعاراتها، هو مصلحة بقاء النظام الزبائني الذي يمنحها موارد السلطة والنفوذ؟ فتنقلب أولوياتها وتُعلَّق الخصومات الإيديولوجية مؤقتًا عندما تهدد الانتخابات التغييرية مصالحها!
الدلالة الأخطر أن “الخلافات” الطائفية كثيرًا ما تُستخدم كوسائل تعبئة فقط، بينما التفاهمات الحقيقية تحصل في الكواليس لحماية امتيازات النخب.
ثم كيف ينعكس هذا التحالف على مصداقية الخطاب السياسي؟ هل يفكك هذه المصداقية أمام المواطن، الذي يرى بأمّ العين أن التناحر الطائفي هو نوع من تمثيلية تُغذّى عند الحاجة وتُعلّق عند تهديد النظام نفسه؟ أم يظل مأخوذًا بها، وقد يتفاقم لديه الشعور باللاجدوى، وازدياد اللامبالاة، وتراجع الثقة بالسياسة، خصوصًا عند الشباب؟
إن لبنان غارق منذ عقود في أزمة مركّبة: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وأخلاقية. ومع كل تفاقم، يتكرّر سؤال محوري: هل لدينا قيادات قادرة على إنقاذ البلاد؟
السؤال لا يتعلق فقط بوجود أشخاص في مواقع السلطة، بل بمدى أهليّتهم الأخلاقية، الفكرية، والسياسية لقيادة مسار تغييري جريء يعيد تأسيس الدولة على أسس حديثة عادلة.
ما هي القيادة المؤهلة للتغيير؟
فماذا نعني بـ”القيادة المؤهلة للتغيير”؟
ليست كل شخصية سياسية قيادية. القيادة هنا تعني:
- رؤيا واضحة للمستقبل تنطلق من تشخيص دقيق للواقع.
- قدرة تنفيذية على تحويل الرؤيا إلى برامج قابلة للتطبيق.
- مصداقية شعبية تؤمّن لها الشرعية والاستمرار.
- استقلالية القرار عن المحاور الإقليمية والدولية.
- التزام وطني جامع يتخطى المصالح الطائفية والفئوية.
من هذا المنظار، لا تكفي الخبرة أو الشعارات، بل يُشترط وعي عميق بالتركيبة اللبنانية، وحكمة في إدارة التوازنات، وجرأة في المواجهة مع البُنى المعرقلة.
عند النظر إلى القيادات التقليدية، نرى أنها:
- إما مستفيدة من الواقع القائم ولا تملك مصلحة في تغييره.
- أو عاجزة عن تخطي القيود البنيوية التي تربطها بمحيطها الطائفي والسياسي.
وهي، رغم ما تمتلكه من شبكات دعم ومؤسسات حزبية، تظل تفكّر ضمن منطق الحفاظ على الحصص لا على إعادة بناء الدولة. حتى من يُظهر خطابًا إصلاحيًا، غالبًا ما يتراجع أمام لحظة الحقيقة خوفًا من فقدان النفوذ.
فعند الممارسة، نجد أن قوى السلطة، التي تُجمع على أن الفساد مستشرٍ والانهيار عميق، تتراجع فور طرح أي تغيير يمسّ بنية النظام الطائفي.
كما أن حركات التغيير داخل البرلمان: بعضها يمتلك نوايا جيدة، لكنه محكوم بعدم التجانس، ويفتقر للبرنامج الموحد، والقدرة على فرض التغيير من داخل مؤسسات مشلولة.
هل هذا يعني عدم وجود شخصيات مؤهلة للقيادة؟
بالطبع لا، هناك طاقات بشرية تمتلك مؤهلات القيادة الحقيقية، لكنها غالبًا ما تبقى خارج السلطة لعدة أسباب:
على مستوى المجتمع المدني:
يوجد عدد من الشخصيات التي أثبتت كفاءة في العمل النقابي، الحقوقي، والاقتصادي، ولديها مقاربات عميقة لمشاكل لبنان البنيوية. ظهر منها خلال انتفاضة 17 تشرين، وتميّزت بالنضج السياسي والشجاعة في طرح قضايا مثل استقلال القضاء، إعادة توزيع الثروات، ورفض المحاصصة.
لكن العقبة تظل في غياب التنظيم السياسي، والانقسامات الداخلية، ونرجسية البعض. ولا ننسى شيطنة الإعلام الموالي للسلطة لهذه المبادرات.
هناك الجيل الشاب لما بعد الحرب – خصوصًا من تلقى تعليماً نوعياً في الداخل والخارج – لديه وعي مختلف للعالم، وعلاقات أقل بالطائفية، وهو أكثر قابلية للعمل التشاركي. لكن هذا الجيل لا يزال مهمّشًا سياسيًا، ومعظمه هاجر أو يطمح بالهجرة.
عوائق هيكلية أمام نشوء القيادة
إن التحديات كثيرة ومعقدة أمام مثل هذا التغيير الجذري، ويتطلب نظرة شاملة للوضع اللبناني منذ الحرب الأهلية وحتى الانتخابات البلدية الأخيرة ونتائجها.
فأمامنا التحديات الهيكلية والسياسية التالية:
- النظام الطائفي: القائم على المحاصصة الطائفية، هو ما يؤدي إلى توزيع المناصب على أساس الانتماء الطائفي وليس الكفاءة. هذا النظام يُغذي الولاءات الطائفية على حساب الولاء للدولة، ويجعل من الصعب بروز قيادات وطنية عابرة للطوائف قادرة على فرض أجندة إصلاحية شاملة.
- الفساد المستشري: الذي يعاني منه، هو فساد هيكلي عميق يتغلغل في كل مؤسسات الدولة. هذا الفساد لا يقتصر على الهدر وسوء الإدارة، بل يشمل أيضًا استخدام مؤسسات الدولة والمناصب لتحقيق مكاسب شخصية وفئوية، مما يقوّض أي جهود إصلاحية.
- تأثير القوى الخارجية: لعب التدخل الخارجي دورًا كبيرًا في تشكيل المشهد السياسي اللبناني، حيث تدعم قوى إقليمية ودولية أطرافًا معينة، مما يزيد من تعقيد عملية اتخاذ القرار الوطني، ويحدّ من استقلالية القيادات المحلية. ولم يتم التخلص من هذا التأثير بعد.
- غياب المساءلة: هناك ضعف كبير في آليات المساءلة والشفافية، مما يسمح للعديد من الأطراف السياسية بالإفلات من العقاب على الفساد وسوء الإدارة.
- فراغ السلطة وتعطيل المؤسسات: شهد لبنان فترات طويلة من الفراغ الرئاسي، وتعطيل عمل الحكومة والبرلمان، مما مأسس الفساد والزبائنية، ما يعيق اتخاذ القرارات الضرورية وتنفيذ الإصلاحات.
خاتمة
ختامًا، يوجد في لبنان أفراد ومجموعات تملك مؤهلات القيادة المطلوبة للتغيير. لكن لا يمكن القول إن لدينا “قيادات” مؤهلة بمعنى القيادة الفاعلة، لأن النظام والظروف لم يسمحا بعد بولادة مثل هذه القيادة في مواقع القرار.
اقرأ ايضا: النووي الإيراني تحت النار..سكان تل أبيب في الملاجئ..وسماء لبنان ممرّ للصواريخ!

