حفل تكريم أدمون رزق: اللبنانيون يقدرون رجال الدولة الحقيقيين

أُقيم في جامعة الكسليك، منذ أسابيع قليلة، حفل تكريم لإدمون رزق، بمناسبة إهدائه أرشيفه الغني إلى الجامعة؛ إنه كرجل دولة أكثر ما نحتاج لأمثاله في الوقت الراهن.
اللافت في هذا التكريم كان مظهر الحفاوة والتقدير اللذين استُقبِل بهما رجل الدولة التسعيني، في قاعة امتلأت بأكثر من ألف شخصية. ما جعلني أؤمن أن اللبنانيين يقدّرون حقاً رجالات الدولة الذين يتمتعون بالوطنية والمسؤولية والصدق. ولو كان جميع السياسيين من قماشة إدمون رزق، ربما لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه.

الرؤيوي الإصلاحي
إدمون رزق، رجل رؤيوي وإصلاحي ومدافع عن لبنان الحرية والسيادة والعدالة والمساواة، قبل الآخرين المتكاثرين في الآونة الأخيرة.
سعى دومًا لتحقيق العدالة الاجتماعية في لبنان، وكان معروفًا برؤيويته ونزاهته وقدرته على التعامل مع القضايا المعقدة بعقلانية وهدوء.
في مقابلات حصلت عام 2022، اعتبر أن اتفاق الطائف لم يُنفذ، ودعا إلى تغيير شامل في السلطة عبر الانتخابات، مشددًا على استبدال الطاقم الحاكم بالكامل. وهو أمر نتمنى أن يحققه العهد الجديد بمؤازرة من القوى التغييرية الحقيقية.
الأفكار التي سأعرضها عنه أصبحت الآن من الأكثر تداولاً في لبنان، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة والثورة التي سبقتها. لكنه كان بين قلة سبّاقة اعتنقها ودافع عنها باكرًا؛ ولو تبنّاها بعض من المسؤولين في حينه، لما وصلنا إلى هنا.
لقد عالج إدمون رزق، في خطبه ومقالاته، أهم الأحداث والأزمات التي عرفها لبنان ما بين 1962 و1994، واهتم بأبرز القضايا التي أدت إلى حروب متقطعة ومآزق، داخل كل طائفة وبين الطوائف، مقترحًا الحلول.
من تلك المواضيع: الحرية والديمقراطية والوحدة الوطنية والتعايش المشترك والدستور وحقوق المواطن وقيام الدولة.
لخّص فيها المآزق الوطنية في تعريف هوية لبنان وكيانه. والوطن، بالنسبة له، يقوم على أسس ومبادئ يتوحد حولها الشعب. لكن حين تتفاوت الآراء حول هذه المبادئ، تحدث النزاعات والانقسامات، وخصوصًا الطائفية منها. ويصبح كيان الوطن مهددًا.
اعتبر الحرية، عن حق، علة وجود لبنان. وتكمن في البناء والعمل الإيجابي؛ ولا تعني الفوضى. وشروطها: القانون والحقيقة والأخلاق.
ويتطلب الحفاظ على الكيان عدم شعور المواطن بالغبن؛ وما يزيل الغبن هو العدالة الاجتماعية الضرورية لتأمين الوحدة الوطنية.

الثوابت الوطنية
أما ثوابت الوحدة الوطنية وشروطها: الإيمان بلبنان واحد، سيّد، حر ومستقل، ويرفض التبعية والوصاية، ويقاوم مشاريع الضم والسلخ والهيمنة والتسلّط، مع الحفاظ على التراث الفكري.
ويعتبر الوحدة الوطنية المعاشة زائفة، لأنها وحدة سطحية، قائمة على المجاملات بين رجال الدين، والمشاركة بالأعياد وطرح شعارات متداولة.. جميعها تغطي على توزيع وظائف وتسويات وتقاسم مغانم ومحاصصات… يسمي كل ذلك تخلفًا ورجعية.
الديمقراطية تقوم على النظام البرلماني لأنها حكم الشعب. والأولوية بالنسبة له هي لتعديل قانون الانتخاب. كان هذا مطلبه مبكرًا، فكيف إذًا في الوقت الراهن؟
والنقطة المهمة التي وعاها، وهي غائبة عن أذهان سلاطين الطوائف، أن العمل الديمقراطي يقتضي وجود معارضة. لا وجود للمعارضة في لبنان، لأنها صورة عن الحكم، وهي تحتاج إلى تغيير أكثر مما يحتاجه الحكم.
يجب وجود معارضة تكون مؤهلة لأن تصبح بديلاً عن الحكومة، لا نسخة عنها. وجود معارضة حقيقية هو ما يفتقده لبنان، في السابق وفي الوقت الحالي.
لماذا لا توجد معارضة؟ لأنها، تعريفًا: تتجمع حول مبادئ وبرامج وأهداف، ولا تكون مجرد تكتل ظرفي بين أشخاص وتيارات وأحزاب، من فلول من لم يكن لهم مكان في اللوائح الانتخابية، وحُرموا “النمر الزرقاء” أو ضاعوا في زحمة “المستوزرين”…

اقرا ايضا:في ذكرى الجريمة: من قتل القضاة الأربعة في صيدا؟ ولماذا لم تنل منهم العدالة؟

السابق
لبنان بين رعد وعراقجي والعدوان الاسرائيلي
التالي
إسرائيل ستعمل على تعطيل أيّ اتفاق بين الدولة والحزب في شأن السلاح