في تصعيد هو الأعنف ربما منذ بدء الهدنة الهشة، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية صباح يوم الخميس، 8 أيار 2025، ما وصفه الإعلام بـ«حزام ناري» كثيف، تمثل في تنفيذ ما بين 15 إلى أكثر من 30 غارة جوية متتالية استهدفت منطقة حرجية وتلالاً وعرة تقع بين بلدتي النبطية الفوقا وكفرتبنيت في قضاء النبطية جنوب لبنان.
هذا القصف المكثف، الذي دوّت انفجاراته في أرجاء المنطقة وأثار هلع السكان، لم يستهدف موقعاً عادياً، بل طال منطقة ذات أهمية استراتيجية وتاريخية بالغة، تقع ضمن ما يُعرف بـ«جبل البوفور» أو محيط قلعة الشقيف التاريخية، وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه دمر فيه «موقعاً مهماً تحت الأرض» تابعاً لمنظومة «حزب الله» العسكرية. فما هي الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لهذه المنطقة؟ وماذا تكشف هذه الضربة عن طبيعة الصراع المستمر ودلالات التصعيد الأخير؟
قلعة الشقيف ومحيطها: جغرافيا الصراع ورمزية التاريخ
تتمتع منطقة قلعة الشقيف (المعروفة أيضاً بقلعة بوفور Beaufort أي الحصن الجميل) بأهمية استراتيجية استثنائية. تشرف القلعة والتلال المحيطة بها، التي ترتفع لأكثر من 700 متر، على مساحات واسعة من جنوب لبنان (سهل مرجعيون، مجرى نهر الليطاني) وشمال فلسطين المحتلة (الجليل الأعلى، سهل الحولة).
هذا الموقع الجغرافي الفريد جعلها عبر التاريخ نقطة تحكم وسيطرة ونقطة مراقبة لا غنى عنها لأي قوة تسعى للسيطرة على المنطقة أو الدفاع عنها.
- تاريخ حافل: منذ العصور الصليبية مروراً بالمماليك والعثمانيين، كانت القلعة محوراً عسكرياً. وفي التاريخ الحديث، شكلت معقلاً أساسياً لمنظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، ومنصة لإطلاق العمليات ومراقبة التحركات الإسرائيلية. وشهدت أسوارها ومحيطها عام 1982 واحدة من أعنف المعارك خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث واجهت القوات الإسرائيلية مقاومة شرسة قبل احتلالها.
- الاحتلال الإسرائيلي وما بعده: حولت إسرائيل القلعة ومحيطها إلى موقع عسكري رئيسي لها طوال فترة احتلالها للشريط الحدودي، وتعرضت القلعة نفسها لأضرار وتغييرات كبيرة. شكل تحريرها على يد «حزب الله» مع الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 حدثاً رمزياً كبيراً للحزب، واعتُبرت المنطقة منذ ذلك الحين جزءاً أساسياً من البنية العسكرية والأمنية للحزب في الجنوب، مستفيداً من طبيعتها الجبلية الوعرة التي تسهل عمليات التحصين والتمويه والأنشطة تحت الأرض.

أهمية الموقع اليوم: «حزب الله» والتشبث بالحصن المنيع و«المسافة صفر»
من وجهة النظر الإسرائيلية، لا تكمن أهمية منطقة قلعة الشقيف فقط في تاريخها، بل في دورها الحالي كـ«تهديد استراتيجي قائم». تشير التقارير والتصريحات الإسرائيلية إلى أن الجيش الإسرائيلي يعتقد أن «حزب الله» يستغل التضاريس الوعرة والمرتفعات الشاهقة في هذه المنطقة (المعروفة إسرائيلياً بـ«جبل البوفور») لأغراض عسكرية حيوية.
في المقابل، وبالرغم من شح التصريحات المباشرة من «حزب الله» حول استخدامه الحالي المحدد لمنطقة الشقيف، إلا أن الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة له تبدو واضحة بناءً على التاريخ والجغرافيا. فبالإضافة إلى القيمة الرمزية الهائلة للقلعة كموقع شهد هزيمة للجيش الإسرائيلي وانسحابه عام 2000، فإن طبيعة المنطقة الجبلية الحصينة توفر غطاءً طبيعياً مثالياً ومواقع دفاعية قوية. يُعتقد أن الحزب يستفيد من هذه الميزات لـ:
- القيادة والسيطرة والمراقبة: إقامة مراكز قيادة ميدانية ومواقع مراقبة متقدمة تستفيد من الارتفاع والإشراف الواسع على التحركات الإسرائيلية ومناطق الجنوب اللبناني.
- التحصين والأنفاق: استخدام التضاريس لإنشاء شبكات أنفاق ومخابئ ومخازن تحت الأرض (وهو ما يتوافق مع الادعاءات الإسرائيلية)، بهدف حماية المقاتلين والعتاد وتسهيل الحركة والتخفي.
- القيمة التكتيكية: الاستفادة من الموقع كـ«مسافة صفر نحو أي هدف»، كما نُقل عن مسؤول لبناني سابق في صحيفة «الأخبار»، مما يعني قدرة الموقع على التأثير المباشر في الميدان سواء بالرصد أو بالنيران (وإن كان القصف الإسرائيلي الأخير استهدف، بحسب التقارير، مناطق حرجية وليس منصات إطلاق واضحة).

ما وراء التصعيد الأخير؟
1- استمرار النهج الإسرائيلي: يؤكد هذا الهجوم استمرار السياسة الإسرائيلية الهجومية ضد «حزب الله» رغم الهدنة الهشة القائمة. فبعد اغتيال القائد اللوجستي المزعوم عدنان حرب قبل يومين، يأتي استهداف موقع قيادة وسيطرة (حسب الادعاء الإسرائيلي) ليظهر إصرار إسرائيل على تقويض قدرات الحزب العسكرية والعملياتية، سواء جنوب أو شمال الليطاني، ومنعه من إعادة بناء أو تأهيل بنيته التحتية التي تضررت في الأشهر السابقة.
2- فراغ الدولة اللبنانية؟: يرى محللون أن مثل هذه العمليات الإسرائيلية الواسعة داخل الأراضي اللبنانية، والتي تأتي رداً على وجود ونشاط عسكري لـ«حزب الله» تعتبره إسرائيل خرقاً للقرار 1701، تُستغل أو تُصبح ممكنة بسبب ما يعتبره البعض عجزاً أو تباطؤاً من الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية (بما فيها الجيش) عن بسط سلطتها الكاملة على كافة أراضيها، وتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بنزع السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني. هذا الواقع، من وجهة نظر البعض، يترك لإسرائيل مبرراً (في نظرها) للقيام بـ«المهمة بنفسها»، مما يضعف سيادة لبنان ويزيد من خطر الانزلاق لحرب أوسع، كما يقول الإعلامي في صحيفة «النهار» علي حمادة

3- جدل السلاح والإصلاح: تُثير هذه الأحداث مجدداً الجدل اللبناني الداخلي حول أولوية نزع السلاح غير الشرعي مقابل الإصلاحات السياسية والاقتصادية. فبينما يرى البعض (خاصة من حلفاء الحزب) أنه لا يمكن نزع السلاح قبل بناء دولة قوية وتحقيق إصلاحات جذرية، يرى فريق واسع من اللبنانيين وبعض القوى السياسية أن العكس هو الصحيح؛ إذ يعتبرون أن وجود سلاح خارج سيطرة الدولة هو العائق الأكبر أمام بناء الدولة والإصلاح الحقيقي، وأن حصر السلاح بيد القوى الشرعية هو «حماية للإصلاح» وليس نتيجة له
4- الرسائل الإسرائيلية: تحمل الضربة رسائل متعددة: رسالة ردع لـ«حزب الله» بعد أي عمليات قد يكون نفذها، ورسالة استعراض قوة وقدرات استخباراتية وعملياتية، ورسالة للحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي مفادها أن إسرائيل لن تتسامح مع ما تعتبره تهديداً استراتيجياً يتشكل على حدودها، حتى لو تطلب الأمر عمليات واسعة النطاق.
منطقة الشقيف.. صراع لا ينتهي
مرة أخرى، تجد منطقة قلعة الشقيف نفسها في قلب الصراع. تاريخها الطويل كحصن وموقع استراتيجي، ورمزيتها الكبيرة لكافة الأطراف، يجعلان منها ومن محيطها مسرحاً دائماً للمواجهات.
القصف الإسرائيلي العنيف اليوم ليس مجرد حادث عابر، بل هو مؤشر على استمرار الصراع العميق بين «حزب الله» وإسرائيل، وعلى هشاشة الهدوء النسبي، وعلى تعقيدات الوضع اللبناني الداخلي حيث يتداخل ملف السلاح غير الشرعي مع تحديات بناء الدولة وسيادتها. وتبقى منطقة الشقيف، بما تمثله من تاريخ وجغرافيا ورمزية، شاهداً على صراع يبدو أنه لا يزال بعيداً عن نهايته.

