بتكليف القاضي نواف سلام تشكيل حكومة العهد الأولى، إنتعشت آمال اللبنانيين بتحقيق – أقله – بعض التغيير في الممارسات السياسية السائدة، طيلة السنوات الماضية، خصوصاً إبان سيطرة ما بات يسمى على الطريقة اللبنانية بـ “الشيعية السياسية”، التي بدأت عملياً بعد إتفاق الدوحة العام 2008، وأدت إلى ما أدت إليه من تصحر سياسي وإنهيار إقتصادي ومالي، لتنهيها بحرب مدمِّرة غير محسوبة العواقب، فكانت النكبة.
شكَّل تكليف سلام مفاجأة مدوية بلا شك، بعد أن كانت كل المؤشرات توحي، وكأن الرئيس نجيب ميقاتي عائد إلى السرايا على “جناح إتفاق” بين “الثنائي الشيعي” والرئيس جوزاف عون بمباركة عربية ودولية الأمر الذي حاول “حزب الله” تسويقه، لمحاولة إثبات بأن “الثنائي” تعرَّض لما أسماه “كميناً” سياسياً عبر تسمية نواف سلام، في محاولة من الحزب، لإفتعال مظلومية جديدة أمام بيئته ومريديه، وهو ما نفاه بعدها المساعد السياسي للرئيس نبيه بري الوزير السابق علي حسن خليل، بطريقة بدت وكأنها محاولة لإستيعاب ما حصل إبان المشاورات الملزمة، ووضعها في إطار اللعبة الديمقراطية من ناحية، ومحاولة كتلة “التنمية والتحرير” إمساك العصا من الوسط، بالمقابل من ناحية أخرى، عبر مقاطعتها الإستشارات غير الملزمة في مجلس النواب، في رسالة تضامن أولاً مع “حزب الله”، وإستياء ثانياً مما حصل في إستشارات التكليف ورهاناً – ربما – على تغيير مسار التأليف، عبر الضغط بإسم الميثاقية على جري عادتها ثالثاً.
لا بد من الإشارة أولاً، بأنه لا يمكن القول بأن هناك “معارضة شيعية” بالمعنى التنظيمي المعروف، كي تُتهم مجتمعة بما تُتهم به، بل هناك معارضين شيعة لنهج الثنائي
هكذا بدأت مشاورات التأليف فعلياً، مع زيارة الرئيس المكلَّف نواف سلام لعين التينة، وإجتماعه بالرئيس نبيه بري يوم الجمعة الفائت، عقب إنتهائه من الإستشارات غير الملزمة في مجلس النواب، حيث بدأت التسريبات، عن أن “الثنائي” يُصر كالعادة على حقيبة المالية، وأن سلام وافق مبدئياً – أو أقله لا يمانع – منحها له، خاصة مع توالي إجتماعاته مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد والخليلين بما أوحى بأن رجعت “حليمة” لعادتها القديمة في التشكيل.
يجب الإعتراف بكل محبة وأسف، بأن المعارضين الشيعة قد فشلوا ومنذ سنوات في توحيد صفوفهم، أو أقله التلاقي على حد أدنى من التفاهم فيما بينهم، من ضمن إطار أو جبهة تضم كل الشخصيات
بموازاة ذلك، وما أشاعه هذا الجو، من أن أولى عقد التشكيل هي “العقدة الشيعية”، بدأت حملة غير مفهومة – شارك فيها بعض المعارضين الشيعة للأسف – على ما أسماه البعض “المعارضة الشيعية” متهماً إياها – إذا سلَّمنا جدلاً أن هناك بالفعل معارضة شيعية – بأنها بدأت بالتسابق والتقاتل للوصول إلى السلطة، عبر تمثيلها في الحكومة، بشكل بدا وكأنها هي من يعرقل التشكيل، بطريقة فيها الكثير من المبالغة والظلم لهذا المكون اللبناني الوطني، بغض النظر عن حجمه وقوة تأثيره على الأرض، خاصة في ظل ظروف قاسية، يعيشها ويعاني منها في بيئته منذ سنوات، وهي ظروف يعرفها الجميع وكانت تظهر أكثر ما تظهر، إبان الإنتخابات النيابية في الدورات السابقة، حيث تعرَّض عدد من المرشحين للإعتداء، ومنعوا من القيام بحملاتهم الإنتخابية كما يجب.
إقرأ أيضا: بعد كلام جعجع.. الأمين: توزير شيعي «حيادي» لا يكفي وتحرير الطائفة مسؤولية الجميع!
هنا لا بد من الإشارة أولاً، بأنه لا يمكن القول بأن هناك “معارضة شيعية” بالمعنى التنظيمي المعروف، كي تُتهم مجتمعة بما تُتهم به، بل هناك معارضين شيعة لنهج الثنائي، منذ التحولات التي طرأت على الوضع اللبناني في العام 2005، بعد جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وكان لهم دورهم في “ثورة الأرز”، من ضمن الخط الوطني العام، وليس من كونهم مجموعة “شيعية” تسعى لتحقيق مكاسب طائفية ومذهبية – هل كانت هذه نقطة ضعفهم ربما؟ – لكن التسمية تنطلق للأسف من واقع الحال اللبناني، ونتيجة وجود “الثنائي الشيعي” وتغوُّله على الطائفة والسلطة في لبنان، في محاولة للقول بأن هذا الثنائي لا يمثل الطائفة كلها كطائفة.
الموقف الأسلم اليوم للمعارضة بكل أطيافها، الشيعية منها وغير الشيعية، هو أن تؤكد ثقتها بالرئيس نواف سلام، وذلك عبر إطلاق يده في تشكيل الحكومة، وعدم وضع الشروط عليه
هؤلاء المعارضين كانوا أول من دفع الثمن للأسف نتيجة “التحالف الرباعي” الذي أبرمته قوى الرابع عشر من آذار، في بداياتها مع “الثنائي الشيعي”، بذريعة إستيعابه وطمأنته – كما يحصل اليوم – بأنه غير مستهدف بخروج قوات النظام السوري من لبنان، فكانت النتيجة أن تمسكن الثنائي حتى تمكَّن، وإستبدل هذا التحالف بتفاهم “مار مخايل” مع التيار الوطني الحر، ليؤمن له حاضنة مسيحية بمواجهة الثنائي السني – الدرزي، الذي كان يمثِّل عصب قوى 14 آذار يومها ، حتى كان يوم 7 أيار 2008، فدفع المعارضون الشيعة كغيرهم مرة أخرى الثمن سواء في بيروت أو الجنوب قمعاً وتسلطاً وتهجيراً، كما حصل مع المفتي السيد علي الأمين في مدينة صور، والذين أصروا رغم ذلك على موقفهم، برفض ممارسات الثنائي، على الرغم من دخول قوى 14 آذار بعدها، في تسوية “إتفاق الدوحة”، الذي عاد وإنقلب عليه الثنائي، ليحتكر بعدها التمثيل الشيعي في الحكم، سواء في الحكومة أم في مجلس النواب، ليأتي البعض اليوم ليتهم المعارضين بالقصور عن فهم التوازنات في البلد ،وبأنهم طلاب سلطة – وقد يكون البعض منهم كذلك ولكن ليسوا كلهم بالتأكيد – مع أن هذا الطموح مشروع ومطلوب وضروري، للخروج من أسر الثنائي للطائفة، الذي ينعكس أسراً للسلطة بكل مكوناتها في لبنان.
إذا أردنا التغيير فعلاً، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا، عبر ممارسة سياسية سليمة وناضجة وحكيمة، وبذلك نكون قد سحبنا الذرائع، من يد كل من يحاول عرقلة مسيرة الإصلاح المأمول، مع بداية العهد الجديد
نقول هذا، ليس بهدف إظهار المعارضين الشيعة كملائكة، بل بهدف رفض شيطنتهم كلهم دفعة واحدة، ففي الحياة البشرية بشكل عام والسياسية بشكل خاص، قد يوجد “شياطين” ولكن بالتأكيد لا يوجد ملائكة، بل بشر لهم تطلعاتهم وأهدافهم، المشروعة منها وغير المشروعة ربما، وذلك بحسب سلوكيات كل شخصية وطريقة تعاملها مع الأحداث.
وهنا يجب الإعتراف بكل محبة وأسف، بأن المعارضين الشيعة قد فشلوا ومنذ سنوات في توحيد صفوفهم، أو أقله التلاقي على حد أدنى من التفاهم فيما بينهم، من ضمن إطار أو جبهة تضم كل الشخصيات، خاصة إبان ثورة 17 تشرين، رغم الجهود التي قاموا بها خصوصاً في الجنوب، حيث القابض على إستقلاليته وحريته هناك، كالقابض على الجمر، بدل الإكتفاء بالمعارضة الفردية عبر الكتابة على صفحات الفيسبوك أو المواقع الأخرى، وذلك مع معرفتنا التامة بالظروف الصعبة التي عايشوها، والتي كان يجب أن تكون المحفز على التلاقي لا العكس، الأمر الذي كان يمكن له اليوم، أن يشكل عامل دعم لهم، ويعطي مصداقية أكثر لمواقفهم، بدلاً من أن يحصدوا نتيجة فشلهم في بناء هذا الإطار، إتهامات من هنا وتنمر من هناك.
إقرأ أيضا: «سلاح» الميثاقية.. لإلغاء التعددية
مع ذلك نقول، بأن الموقف الأسلم اليوم للمعارضة بكل أطيافها، الشيعية منها وغير الشيعية، هو أن تؤكد ثقتها بالرئيس نواف سلام، وذلك عبر إطلاق يده في تشكيل الحكومة، وعدم وضع الشروط عليه، فإذا أردنا التغيير فعلاً، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا، عبر ممارسة سياسية سليمة وناضجة وحكيمة، وبذلك نكون قد سحبنا الذرائع، من يد كل من يحاول عرقلة مسيرة الإصلاح المأمول، مع بداية العهد الجديد، فهل من يستجيب؟

