أصاب الانهيار المفاجئ لنظام بشار الأسد، في 8 ديسمبر 2024، الكثير من الدول في المنطقة والعالم بحالة من الدهشة، لكنَّ الوضع في سورية ما زال يتسم بالسيولة والغموض. ويَتَمَثَّلُ السؤال المهم فيما إذا كان بوسع الفصائل الإسلامية المعارضة تعزيز سيطرتها بالكامل نظراً لحالة الضعف التي ستظل الدولة السورية تعاني منها. ويبدو أن “هيئة تحرير الشام” – المجموعة المصنفة على أنها تنظيم إرهابي والتي قادت الهجوم لإسقاط النظام السوري– تفهم ضرورة تعزيز بناء الدولة. وتنظر الولايات المتحدة إلى هذا التطور الدراماتيكي في سورية بحذر، فهي إن كانت تُقر بالفرص التي يجلبها سقوط نظام الأسد، إلا أنها لديها مخاوف تجاه ماهية الحكام الفعليين في دمشق حالياً وسياساتهم المستقبلية.
تغير موازين القوى في سورية
يُمَثِّلُ الوضع الجديد في سورية مخاطرَ وفرصاً كبيرة للولايات المتحدة وحليفها الإقليمي الرئيس، إسرائيل. وتواجه واشنطن مع هروب بشار الأسد من سورية، عمليةَ إعادة اصطفاف للقوى والفاعلين في أرجاء الشرق الأوسط. ووصف الرئيس الأمريكي بايدن إطاحة الأسد بأنه “عمل أساسي من أعمال العدالة” و”لحظة تاريخية تحمل فرصة للشعب السوري”. كما أكَّدَ مسؤول بارز في إدارة بايدن بأن السياسة الأمريكية ساعدت في إضعاف نظام الأسد و”كافة المكائد المدعومة من إيران في المنطقة”، مشيراً إلى أن سقوط النظام السوري “غيَّر بالكامل المعادلة في الشرق الأوسط”.
اقرأ أيضاً: مستقبل الفصائل العراقية المسلحة بعد إطاحة نظام الأسد في سورية
وتتمثل الفرصة الكبيرة بالنسبة لواشنطن وتل أبيب في أن سورية ولأول مرة منذ نصف قرن لم تعد وكيلاً لإيران أو روسيا. فقد شَكَّلَ نظام الأسد بالنسبة لطهران رأس حربة في استراتيجيتها الدفاعية والحليف العربي الرئيس كدولة. ويحرم سقوط الأسد طهرانَ من جسر بري مهم للوصول إلى وكيلها “حزب الله”، الذي يُعَدُّ الآن بحاجة كبيرة للدعم الإيراني لإعادة البناء والتسلح. ولعل من غير المحتمل أن تتمكن إيران – التي جرى ضرب تموضعها الاستراتيجي على مدى عقود في سورية – من التعافي من هذه الانتكاسة الكبيرة في المستقبل المنظور. كما يواجه النفوذ الروسي مستقبلاً غامضاً، إذ من المحتمل أن تخسر موسكو بوابتها الوحيدة إلى شرق المتوسط. إلا أن ميزان القوى في سورية قد تَحَوَّل من طهران وموسكو إلى صالح أنقرة. واعترف الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب نفسه خلال مؤتمر صحفي له في 16 ديسمبر 2024 بأن تركيا الآن تلعب دوراً مُهماً في تشكيل مستقبل سورية ما بعد الأسد.
كما اتفقت إدارة بايدن مع الرأي القائل بأن تركيا ستحظى بنفوذ غير مسبوق في سورية على ضوء تراجع النفوذين الإيراني والروسي هناك كثيراً، فقد جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأخيرة إلى أنقرة شاهداً على ذلك.[iv] وتحتفظ تركيا بالفعل بوجود عسكري قوي في معظم شمال سورية من خلال قواتها البرية ووكيلها الرئيس “الجيش الوطني السوري”. ومن المحتمل أن تتسع هذه المنطقة العازلة على حساب القوات الكردية –”وحدات حماية الشعب الكردية”– التي تُمَثِّلُ بدورها الوكيل الرئيس للولايات المتحدة على الأرض. وتدرك واشنطن أن أنقرة تحظى بعلاقات قوية مع “هيئة تحرير الشام”، فقد احتفظت على مدى سنوات بخطوط اتصال ونفوذ خرجت إلى العلن بعد زيارة رئيس الاستخبارات التركي إبراهيم قالين ثم وزير الخارجية هاكان فيدان إلى دمشق.
وتمتلك تركيا ثلاثة أهداف رئيسة في سورية الجديدة:
أولاً، الحفاظ على نفوذها وتعميقه لدى “هيئة تحرير الشام”، إذ ترغب أنقرة في أن تكون المُحاوِر الرئيس للهيئة وجسْرها إلى المجتمع الدولي.
ثانياً، تركيا مصممة على تقويض “قوات حماية الشعب الكردية” عسكرياً، وإحباط رؤيتها للحصول على حكم ذاتي أو حكم فيدرالي في سورية، إذ تَعتبر أنقرة “قوات حماية الشعب الكردية” الجناح السوري لـ “حزب العمال الكردستاني” المصنف على أنه تنظيم إرهابي من جانب تركيا والولايات المتحدة.
ثالثاً، وربما الأهم بالنسبة لموقف أردوغان السياسي في الداخل، رغبة أنقرة في تسهيل عودة نحو أربعة ملايين لاجئ سوري يُشَكِّل وجودهم مصدر توتر داخلي متزايداً.
وفي المقابل، تُمَثِّلُ الحقائق الجديدة في سورية نعمةً مزدوجة بالنسبة لإسرائيل، إذ إن تحييد تهديد إيران و”حزب الله” في سورية، وعرقلة قدرة طهران على إعادة تسليح “حزب الله” بسهولة في المستقبل، يشكلان نصراً مُهماً بالنسبة لتل أبيب. لكنَّ احتمالات تولي مجموعة كانت تابعة لتنظيم “القاعدة” في الماضي السلطةَ في دمشق يُعَدُّ أمراً مثيراً للقلق، وستسعى إسرائيل إلى احتواء أي آثار عليها في حال دخول سورية في فترة من الفوضى الشديدة. وبدأت تل أبيب، إدراكاً منها لهذه التهديدات المحتملة، باتخاذ خطوات لتعزيز أمنها -كما تدعي- فعملت على نشر قوات لها في المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في مرتفعات الجولان، وتواصل توجيه ضربات جوية ضد القواعد والأصول العسكرية الاستراتيجية في سورية. ويصل ما حققته إسرائيل بالفعل من خلال هذه الضربات الجوية المستهدفة في سورية خلال الأسبوعين الأخيرين إلى حد نزع سلاح سورية بشكل كامل،[vi] واليوم لم يبقَ أي شيء تقريباً من القدرات البحرية والجوية والبرية السورية.
مصالح الولايات المتحدة ورؤيتها الاستراتيجية في سورية
تُفرز حقبة سورية ما بعد الأسد فُرصاً وتحدّيات مُحتملة بالنسبة للولايات المتحدة. ومن المؤكّد أن سقوط نظام كان مُعادياً للمصالح الأمريكية في المنطقة، وزوال النفوذ الإيراني والروسي من سورية، يُمثّل مكَسباً كبيراً للولايات المتحدة. ولكن في ظل وجود جماعة مُصنّفة كجماعة إرهابية في موقع القوة الرئيسة في البلاد، ستواجه الولايات المتحدة تحدّيات شائكة حول كيفية التعامل مع هذه الجماعة، وضمان عدم حدوث نتائج سيّئة. وفيما إذا كانت هيئة تحرير الشام قد أصبحت معتدلة حقاً أم لا، كما تدّعي، فإن ذلك سيكون أمراً محورياً في تحديد خيارات واشنطن. وفي تصريحات أدلى بها في 8 ديسمبر، أقرّ الرئيس بايدن بأن “بعض الجماعات المُتمرّدة التي أسقطت الأسد لديها سجل أسود في الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان”، وقال “لن نُقيّم أقوالهم فحسب، بل أفعالهم أيضاً”.
ويظهر أن إدارة بايدن اختارت الانخراط مع أحمد الشرع قائد إدارة العمليات العسكرية التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، فأرسلت وفداً برئاسة مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف، للقاء الشرع في دمشق في 20 ديسمبر. ويبدو أن أجندة الزيارة تركزت في مناقشة مستقبل مهمة مكافحة “داعش”، وسياسات الإدارة السورية الجديدة بخصوص الحوكمة وحقوق المكونات السورية. لذا اشتملت الزيارة على لقاءات مباشرة مع قادة المجتمع المدني السوري ونشطاء من خلفيات متنوعة. وعقب الزيارة أشادت ليف بالشرع ووصفته بأنه “براغماتي”، مشيرة إلى آرائه المعتدلة حول حقوق المرأة والمساواة.[viii] وكبادرة إيجابية أعلنت واشنطن عن إلغاء مكافأة بقيمة 10 ملايين دولار كانت قد عرضتها في الماضي للحصول على معلومات تساعد في القبض على أحمد الشرع.
تُمثل مُكافحة تنظيم “داعش” مركز ثقل استراتيجية واشنطن في سورية؛ فإدارة بايدن تتوخّى الحذر من احتمال عودة ظهور التنظيم في البلاد، فقد أمضت الولايات المتحدة ما يقرب من عقد من الزمن في مُحاربة تنظيم “الدولة” في سورية والعراق المُجاور. وفي حين أن التنظيم قد خسر تقريباً كل ما كان يطلق عليه في السابق دولة الخلافة، إلا أن تهديده لم يتبدّد بشكل كامل. بل على العكس، فقد شنّ التنظيم ما يقرب من 700 هجوم في سورية منذ يناير الماضي، ما يزيد مُعدّل هجماته بمقدار ثلاثة أضعاف المُعدّل ذاته خلال العام الماضي.[ix] واليوم، تخلّت قوات نظام الأسد، التي كانت تحاول صد رغبة تنظيم “الدولة” في التوسّع، عن مواقعها في وسط سورية. وقد سعى مقاتلو المُعارضة السورية بالفعل إلى ملء بعض تلك المساحة، لكن تظل أعدادهم ضئيلة، وقُدرتهم على تنسيق حملة عسكرية مُعقّدة ضد تنظيم “الدولة” محدودة. وليس من قبيل المصادفة أن الزيارة الرسمية الأمريكية إلى دمشق جاءت في أعقاب إعلان وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” بأن عدد القوات الأمريكية في سورية ارتفع من 900 إلى 2,000 جندي، ما يشير إلى المخاوف إزاء احتمال استغلال “داعش” للوضع الجديد. وقد جاء أول رد أمريكي على هذا الفراغ المُفاجئ بنفس سرعة سقوط النظام في الثامن من ديسمبر، عندما قصفت الطائرات الأمريكية أكثر من 75 هدفاً لداعش في جميع أنحاء وسط سورية.
وفي السياق نفسه، فإن مُستقبل شركاء واشنطن على الأرض، الأكراد في شمال شرقي سورية، يكتسي أهمية أساسيّة بالنسبة للأمن القومي الأمريكي؛ فعلى مدى السنوات الثماني الماضية، دخلت الولايات المتحدة في شراكة مع قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وهو تحالف بقيادة الأكراد، والذي مهّد الطريق لسقوط دولة “داعش” في الرقة عام 2017. وتواجه “قسد” الآن لحظة حرجة مُحتملة؛ فقد استولى الجيش الوطني السوري، المدعوم من تركيا، على بلدات استراتيجية من “قسد” في شرق حلب، مثل منبج، وهو الآن يضع مدينة عين العرب/كوباني ذات الرمزية الكردية نُصب عينيه. ويبدو أن وقف إطلاق النار، الذي توسطت فيه الولايات المتحدة بين هذين الفصيلين المتُحاربين، على وشك الانهيار.[xi] وقد حذّر عضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية، في بيان على وسائل التواصل الاجتماعي من أنه مُستعد للدفع باتجاه فرض عقوبات اقتصادية على تركيا إذا ما هاجمت القوات الكردية، قائلا: “إذا قامت تركيا بعمل عسكري ضد القوات الكردية في سورية، فإن ذلك سيُعرّض مصالح أمريكا للخطر بشكل كبير”.
وفي الوقت الراهن، وكما يظهر من خلال زيارة قائد القيادة العسكرية الوسطى الأمريكية، الجنرال إريك كوريلا، لقوات سورية الديمقراطية في 10 ديسمبر، فإنه لا يوجد أي مؤشّر على تراجع الدعم الأمريكي لحلفاء الولايات المتحدة الأكراد في الحرب ضد “داعش”. ولكن ينبغي للمرء أن يتوقّع بعض التغيير في ظل إدارة ترمب، حيث سيكون الرئيس الجديد مُنفتحاً على الاقتراحات التركية باستبدال الأكراد في هذه الحملة بقوات تركية ووكلائها على الأرض، ولتولّي أيضاً مسؤولية الإشراف على العديد من مراكز الاحتجاز لعشرات الآلاف من سجناء التنظيم وعائلاتهم.
يُعَدُّ الوضع الاقتصادي في سورية أحد أدوات النفوذ التي تملكها واشنطن تجاه دمشق، فما زالت سورية تواجه عقوبات أمريكية ضمن إطار “قانون قيصر” و”قانون مكافحة الكبتاجون”، إذ تحرم هذه العقوبات دمشق من الأموال والمساعدات التي تحتاج إليها سورية حالياً لغايات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.[xiv] لذا فإن رفع العقوبات الأمريكية يُعد أمراً مُهماً لمنح القيادة السورية الجديدة فرصة لبناء نوع مختلف من الحكم والدولة. ومع أنه سيكون من السهل سن مشاريع قوانين لتطبيق بعض الإعفاءات من العقوبات على الأمد القصير وإجراءات مماثلة تسمح بدخول المساعدات الإنسانية، إلّا أن من المؤكد أن رفع العقوبات بشكل كامل سيكون مشروطاً بالحوكمة التي تشمل جميع السوريين وأداء الحكومة الجديدة ضد “داعش”. وإذا ما واصلت “هيئة تحرير الشام” احتكار السلطة، كما فعلت في إدلب وحين تشكيل الحكومة المؤقتة في دمشق، فإن من المرجح أن يعتبر المشرّعون الأمريكيون هذا مؤشراً سلبياً ويُبقون على العقوبات خلال الفترة الحالية.
الخُلاصة
بينما تُفسح نشوة زوال نظام الأسد المجال لبناء سورية جيدة، بدأت التحدّيات أمام عناصر السلطة الجُدد في البلاد في الظهور؛ فالفراغ في السلطة والتهديدات التي قد تتعرّض لها الأقليات العديدة في سورية يُمكن أن تؤدّي إلى تجدّد الفوضى ودائرة العنف في البلاد، ومع ذلك يُمكن أن يُدمَج الجميع في سورية الجديدة وأن تعكس فسيفساء الطوائف الدينية والمجموعات العرقية فيها.
وستتمثّل الأولوية الرئيسة لإدارة ترمب المقبلة في سورية، وفقاً لمايكل والتز الذي سيتولّى منصب مُستشار الأمن القومي، في “الاستمرار بمنع ظهور تنظيم داعش مُجدّداً”.[xv]وتتمتّع الإدارة الأمريكية بنفوذ بفضل إدراج هيئة تحرير الشام على قائمة المُنظّمات الإرهابية. ومن المُرجّح أن يتم إلغاء تصنيفها ضمن قائمة المنظّمات الارهابية في المُستقبل القريب بناءً على التقييمات على الأرض. وسيعتمد الرفع المشروط للعقوبات عن النظام الجديد على ثلاثة عوامل رئيسة: مدى فعالية هيئة تحرير الشام في مُحاربة داعش؛ ومدى استعدادها للتفاهم مع “قسد” ذات الأغلبية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة، ومدى احتواء النظام السوري الجديد للأقليات السورية مثل المسيحيين والدروز والعلويين، بالإضافة إلى مدى احترامها للمساواة بين الجنسين.

