وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: نعيم قاسم للبنانيين.. قواعد اللعبة باقية

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

لم يعد احتلال الحزب للجليل الأعلى يحصل برمشة عين، إنما الاكتفاء بمنازلة العدو فوق أرض الجنوب

قدم الأمين العام ل”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في كلمته الأخيرة تنازلات لإسرائيل بالجملة: تنازل عن الربط بين حرب غزة والحرب في الجنوب، تخلى عن حملة الدعم والإسناد، قبِل تنفيذ القرار 1701 من دون قيد أو شرط، أي إخلاء جنوب الليطاني من السلاح، تخلى عن طموحه بتحرير القدس، تخلى عن إعلانه بزوال إسرائيل. أي قدم لإسرئيل كل ما تحتاجه لضمان أمنها وسلامة سكانها.

هذه التنازلات أرفقها قاسم بتغيير كامل لسردية “حزب الله” التي اعتمدها بعد حرب 2006. فلم تعد الولايات شيطان أكبر، بل وسيط لا بد منه. لم يعد الغرض هزيمة العدو، بل إلحاق أكبر الضرر به. لم تعد الغاية زوال إسرائيل، بل إطالة مدة الصمود ضده. لم يعد احتلال الحزب للجليل الأعلى يحصل برمشة عين، إنما الاكتفاء بمنازلة العدو فوق أرض الجنوب. لم تعد الحرب المقبلة بين الحزب وإسرائيل نهاية حتمية لإسرائيل، بل إثبات بطولة نادرة. لم يعد هنالك توازن رعب بين الحزب وإسرائيل، بل استبدل بمعسكر غيبي بين هم مع الله ومن هم ضده. لم تعد إسرائيل “أوهن من بيت العنكبوت” بل وحش كاسر لا رادع أخلاقي له. لم يعد دور الحزب توفير الأمن اللازم، لبقاء أهل الجنوب في دورهم وأرضهم، بل الأساس صبرهم وولائهم الثابت للحزب. ولم يعد المدار ما يقدمه الحزب للبنان واللبنانيين، بل استعداد الأهالي بالتضحية بكل ما يملكون، للدفاع عن الحزب وسلاحه. ولم يعد الاعتناء بالنازحين وإعمار بيوتهم مسؤولية الحزب، بل هي مهمة ملقاة على الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي. ولم يعد الإنتصار كسراً للعدو، بل يقدر ببسالة مقاتلي الحزب، وشدة بأسهم وصمودهم الأسطوري. 

التغيير الكامل لهذه السردية، خفَّض سقف الإنتصار، من كسر العدو وتدمير كامل لمنشآته العسكرية وقطاعاته الإنتاجية، إلى حكايا عن بطولات صمود وشهادات تضحية، وروايات ثبات نتداولها ونتغنى بها ونفاخر بها. هي محاولة لخفض سقف التوقعات، والتنصل من الوعود الكبيرة، التي أطلقها الحزب ولم يف بأكثرها، والتغطية على عدم صدقه في أكثر ادعائاته السابقة. هي محاولة مبتذلة في تصوير الهزيمة انتصاراً، والإخفاق إنجازاً والعجز غلبة. بل هي قطع الطريق على المحاسبة والمسائلة، داخل البيئة الشيعية، وامتصاص النقمة المتنامية، في أكثر مكونات المجتمع اللبناني، ضد مغامراته المتهورة وسوء تقديره وحتى لامبالاته، بالمآلات الكارثية على لبنان واللبنانيين. 

قدم “حزب الله” كل ما يضمن أمن الإسرائيلي، لكنه ما يزال يرفض أن يقدم للبنانيين، ما يوفر أمنهم واستقرارهم ورخائهم. تجده يستبق الأمور للتأكيد على “ثلاثية” الجيش والشعب والمقاومة، ولم يعلن التخلي عن سلوكه في تعطيل رئاسة الجمهورية، وقدم إشارات متناقضة وملتبسة حول التزامه باتفاق الطائف. كل ذلك ليقول لمن في الداخل، بأن قواعد اللعبة السياسبة قبل هذه الحرب ما تزال قائمة، وأنه صاحب اليد العليا في اتخاذ القرار الداخلي، وأنه المرجعية النهائية في قرار الحرب والسلم، وأنه الوصي على سيادة الدولة. بل تكاد تلمس من تصريحات العديد من مسؤولي الحزب، بأن الحساب ضد معارضيه سيكون عسيراً وقاسياً.

هذا يشي بأن “حزب الله” بدأ يتحضر للمعركة الداخلية، بعد ان ادرك ان الاتفاق الامني مع إسرائيل بات قريبا. وفق هذا الخطاب، يريد “حزب الله” الاحتفاظ بالسلاح، الذي يضمن سطوته في الداخل اللبناني، من دون أن يضر إسرائيل بشيء، يريد الاستفادة من مقدرات الدولة ومواردها، من دون أن يمنحها فرصة النهوض والتعافي، يريد البقاء فوق القانون وفوق الملاحقة القضائية، في الكثير من الملفات المتورط بها، والتي اهمها حملة الاغتيالات الداخلية وانفجار المرفأ، يريد نشاطاً اقتصاديا ومصرفيا خارج رقابة الدولة ونظامها الضريبي، يريد احتكار التمثيل الشيعي ولو بالقوة، يريد عزل الطائفة الشيعية عن بيئتها الطبيعية في لبنان وعن مجالها العربي، يريد اختزال التشيع والوجدان الديني، بتبعية كاملة للولي الفقيه في إيران.

وقع “حزب الله” ضحية نرجسيته التي حرمته من قراءة الواقع

وقع “حزب الله” ضحية نرجسيته التي حرمته من قراءة الواقع، والتعامل معه وفق معطياته الفعلية لا المتخيلة او المتوهمة. نرجسية دفع ثمنها غالياً، وكانت كلفتها على لبنان عالية، فلا بلداً بنى ولا أرضاً حمى. رغم ذلك فإن حالة نكران ومكابرة، ما تزال مسيطرة على ذهنية مسؤولي وممثلي “حزب الله”، بالاستمرار بنفس الرهانات السابقة، والاحتفاظ بترتيبات داخلية وولاءات خارجية، فقدت كل أرضيتها وكل مسوغاتها. لحظة الحقيقة ليست في الاستماتة في الدفاع عنها، بل هي الكشف عن آلاعيب المنتجين لها، والتحرر من سطوة من يدعون النطق بإسمها. 

السابق
بوريل: ١٠٠ الف منزل دمر في لبنان.. ولا مبرر لعدم وقف اطلاق النار
التالي
عشية اتفاق وقف اطلاق النار.. ادرعي يدعي سكان الضاحية للإخلاء!