ماذا بعد الهجوم الإسرائيلي «المدروس بدقّة» على إيران؟!

هشام حمدان

لطالما كرّرت إسرائيل أنّها ستوجّه ضربة عسكريّة دقيقة لإيران. وعليه، أكّدت بوضوح منذ البداية، أنّها ستقوم بتحييد المرافق النّوويّة ومرافق النّفط في ايران، وأنّها ستقتصر الضّربة على المرافق العسكريّة. كان هذا كافيا كي ندرك منذ ذلك الحين، أنّه لم يكن لدى إسرائيل رغبة بالذّهاب إلى حرب شاملة، وأنّها تحترم المخاوف الأميركيّة بهذا الصّدد.
وقد برزت معلومات قبل أيام من زيارة الوزير الأميركي أنتوني بلينكن إلى إسرائيل، عن إمكانيّة إمتناع إسرائيل عن توجيه ضربتها العسكريّة، إذا قدّمت إيران إلتزامات بإنهاء “حزب الله” في لبنان. وقد زاد تسريب المعلومات الإستخباراتيّة الأميركيّة عن خطّة الضّربة، من القناعة بأنّ هناك اتّجاه فعلا، لعدم القيام بهذه الضّربة. جاءت زيارة الوزير بلينكن إلى إسرائيل، حيث تأكّد بوضوح ما تمّ ترتيبه ضمنيّا مع إيران بشأن الواقع اللّبناني. باعتقاد بعض المحللين ان إيران، الحليفة التّاريخيّة لإسرائيل وأميركا، لا تريد حربا مفتوحة مع البلدين. هناك منافسة في المصالح، لكن لا يجب ان تتحول هذه المنافسة إلى تدمير لهما. لذلك، يمكن القول، أنّ الضّربة الإسرائيليّة لم تكن دقيقة فحسب، بلّ كانت “مدروسة بدقّة” أيضا؟ بحيث تنهي الحرب المباشرة بين الجانبين.

باعتقاد بعض المحللين ان إيران الحليفة التّاريخيّة لإسرائيل وأميركا لا تريد حربا مفتوحة مع البلدين هناك منافسة في المصالح لكن لا يجب ان تتحول هذه المنافسة إلى تدمير لهما

لم نر صورا لمفاعيل هذه الضّربة، كما عوّدتنا الكاميرات الإسرائيليّة المرافقة للقصف، الذي تقوم به عادة. هذا الأمر، سمح للجانبين بنشا ما يريدانه حولها. إسرائيل قالت أنّها حقّقت أهدافها “بدقّة”، وإيران، قالت أنّها تركت آثارا سلبيّة محدودة. إيران إكتفت بالقول بأنّها تحتفظ بحقّ الرّدّ، ممّا يذكّرنا بإعلانات دمشق، التي لم تكن يوما تريد الرّدّ. وهكذا يبدو الهجوم الإسرائيلي “المدروس بدقة”، قد مهّد لاغلاق ملف الحرب المباشرة بين الطرفين.

بكل الاحوال، ساهمت هذه الضربة، بإراحة إسرائيل من وعدها لشعبها بالرّد على الهجوم الإيراني. كما أنّ إيران، ألتي لا مصلحة لها أيضا، في حرب شاملة، شعرت أن هجمتها على إسرائيل كانت كافية، فقد أزاحت عن كاهلها عبء، الإنتقام لإغتيال لإسماعيل هنيّه و والسيد حسن نصرالله، وأعادت تلميع صورتها المهتزّة في البيئة الشّيعيّة العربيّة. لا نأخذ كثيرا بما يشاع من تهديدات في الشارع الإيراني، طالما لم تتحول الى موقف رسمي معلن.

والسّؤال الان، هو كيف ينعكس هذا الأمر على الواقع اللّبناني؟!

إقرأ ايضاً: نتانياهو يَتوّعد بتصعيد الحرب على 7 جبهات..وإسرائيل تُسعّر نار الإغتيالات والمجازر!

يعتقد المحلّلون أنّ نتنياهو قد بدّل موقفه، بعد أن قبض ثمنا لذلك. تعتقد د. ليلى نقولا مثلا، أنّ الأميركي، قايض الضّربة المحدودة على إيران، بإسقاط الإدعاء ضدّه في المحكمة الجنائيّة. ويرى آخرون، أنّ إسرائيل وكذلك إيران، لا ترغبان بإغضاب الدّيمقراطيّين، أمام الإنتخابات الوشيكة في الولايات المتّحدة. لكن اخرين، يعتقدون أنّ هذا التّطوّر، حصل في إطار تسوية شاملة تشمل أيضا غزّة ولبنان. إيران، ستضغط باتّجاه قبول حزبها في لبنان، للتّسوية السّياسيّة التي تعرضها فرنسا والولايات المتّحدة، كما أنّها لن تعرقل الجهود التي يقوم بها رعاة “حماس” في تركيّا وقطر، بشأن تحقيق انفراج في اتّفاق إطلاق الرّهائن في غزّة. وقد سارعت إيران للمطالبة فعلا، بوقف الحرب في لبنان وغزّة.

ساهمت هذه الضربة بإراحة إسرائيل من وعدها لشعبها بالرّد على الهجوم الإيراني كما أنّ إيران ألتي لا مصلحة لها أيضا في حرب شاملة شعرت أن هجمتها على إسرائيل كانت كافية

في الواقع، ليس مهمّا مناقشة ذلك الثمن الذي سيقبضه نتنياهو، ولا الثّمن الذي ستقبضه إيران. المهم، ‎أن ندرك أنّ لبنان، هو السّاحة النّازفة المستمرّة حتّى الآن، في لعبة الصّفقات. كلّ القراءات بشأن الوضع اللّبناني، تستند إلى مواقف الخارج، وليس الى ما يريده اللّبنانيّون. لا رجال دولة في بلدنا. نرى كبار السّياسيّين في لبنان، ينافسون الإعلاميين على منصاتهم، في التّحليل وقراءة المعطيات. كأنهم مثلنا، مراقبون، وليسوا جزءا من صانعي القرار. يريدوننا أن نصدق أنّهم محايدون، أو أنّهم معارضون، لكنّهم يجلسون معا على طاولة الحكومة ذاتها. لم أر يوما مثل هذه المسرحيّة السّياسيّة في النّظم الدّيمقراطيّة. والمضحك المبكي، أنّهم يقولون في تعليقاتهم الإعلاميّة شيئا، ثم يقومون، في الغرف الدّاخليّة، بوضع البصمة على ما يأتي من الخارج.

هل يتراجع السّياديون المصرّون على تطبيق القرار 1559 فيقبلون بوساطة فرنسا لإبقاء السّلاح بأيدي حزب إيران بعد أن قبض ايمانويل ماكرون الثّمن بتزكية الحزب لبلاده لإعادة إعمار المرفأ؟

لن أدخل في لعبة استقراء الغد. الغد بين أيدينا. هل سيخضع أهل الجنوب والمقاومة، ألمصرّون على الإقبال على الموت المجاني والدمار، الى قرار إيراني بسحب السّلاح وتطبيق القرارات الدّوليّة، هل يرفضون، فينفتح الباب امام حرب اهلية، أو هل يتراجع السّياديون المصرّون على تطبيق القرار 1559، فيقبلون بوساطة فرنسا لإبقاء السّلاح بأيدي حزب إيران، بعد أن قبض ايمانويل ماكرون الثّمن بتزكية الحزب لبلاده، لإعادة إعمار المرفأ؟ هذان أمران خارج أيّ استقراء، فلا رجال دولة في لبنان، يمكننا أن نستند إلى مواقفها لنقرأ الغد.

السابق
وسائل إعلام إيرانية: بث تلفزيوني يكشف عن يأس النظام وسط تصاعد الضغوطات
التالي
حريق كبير في خلدة.. وسيارات الاسعاف تهرع للمكان