حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: «ثنائي» محنتا الشيعة.. والثالثة في الطريق

حارث سليمان
لم يستوعب اهالي الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت، كما اهالي منطقتي بعلبك والهرمل، حجم الخسارة والمحنة التي وجدوا انفسهم يواجهونها، تهجيرا وتشريدا، دمارا وقتلا وجراحات في العائلات والاهل والابناء والامهات، وهم حسبوا ان "حزب الله" قادر على ردع اسرائيل وتهديدها، إضافة لتأمين سلامتهم وصون بيوتهم وقراهم، بعد صدقوا شعارات الثنائي الحزبي المذهبي على مدار السنوات العديدة "نحمي ونبني"، ولم يستفيقوا في أغلبيتهم من صدمة و هول ما لحقهم من مهانة وإنكسار، وقد اجبروا على الفرار الى شوارع وساحات، لا سقف لها يحميهم ولا بيت فيها يأويهم، ولا يد تمتد لتمنحهم مساعدة او إغاثة، كانَّهم قُطِعوا من فرع شجرة منفردة في بيداء...

بين ليلة وضحاها، أجبَرَتْ الوحشيةُ الاسرائيلية اكثر من مليون لبناني، على الرحيل من بيوتهم وقراهم واحيائهم، لا لذنبٍ إقترفوه، بل لأنَّهم إرتضوا او سكتوا على مضض، ان يُتَسمُّون بغير هويتهم الوطنية، وبأن يُعَرَّفوا بغير صفاتهم الطائفية، وان يتحولوا من مواطنين مدنيين او لبنانيين شيعة، الى سياج واسوار قلعة اسبارطية تدعى؛ “بيئة حزب الله”.

 “بيئة حزب الله” المزعومة، كما تَطرَب أسماعُ جماعة الحزب لإطلاقها، وكما تأنس السنة خصومِه بتردادها، وجدت نفسها نزيلة في مضافة بيئات أخرى، طالما حسبتها بيئات عدوة او عميلة او متآمرة، والبيئة هذه كانت قد وُعِدَت وتربت ان تكون دائما في موقع القوة والانتصار، وانها فئة أُسمِيَت بـ “اشرف الناس” تنعم بالعزة والكرامة، وتتلطف على غيرها من اللبنانيين، بأوسمة الاحترام والوطنية، أذا ابدوا الولاء والخضوع، وتوسم آخرين بوصمات التخوين والعمالة ان أظهروا خصومة او عداء…

الانخلاط يكشف حقائق

وفي خضم هذا الإنخلاط المأساوي في قلب المحنة، اهتزت الصورة التي كان يرسمها الاعلام الحزبي والطائفي، وخطب زعماء الاحزاب السياسية، وذلك بتصوير لبنان كناية عن بيئات متنافسة، متقاتلة ومتنابذة. في خضم الإنخلاط يكتشف اللبنانيون كافة، واولهم الشيعة في محنتهم، حقائق عميقة ومذهلة  لكل الأطراف.

اول هذه الحقائق ان المجتمعات المضيفة، قد اكتشفت ان الشيعة كعائلات وافراد يشبهون بقية اللبنانيين، قسم منهم يلتزم القواعد والطقوس الدينية، في الملبس والمأكل ونمط العيش الذي يعتمده “حزب الله” ومذهب ولاية الفقيه، لكن القسم الآخر لعله الأغلبية، يشبه سلوكه ونمط حياته، حياة اي مواطن لبناني من البيئات الاخرى، يعيش نمط حياة مدنية وحديثة…

وثانية هذ الحقائق اكتشفها الشيعة انفسهم، وعلى رأسهم الحلقة اللصيقة ب”حزب الله: و”حركة أمل”، الذين جرى تعبئتهم وتحريضهم، تارة ضد السنة بذرائع مذهبية تاريخية، وطورا بتنافس سياسي على النفوذ واغتنام عوائد السلطة ومواردها، وقد اكتشف النازحون الشيعة، الى طريق الجديدة وطرابلس وصيدا وعكار وعرسال وسعدنايل وغزة والبقاع الغربي، انهم ينزلون ضيوفا عند اخوة لهم في الدين والوطن والانسانية، يخففون اوجاعهم ويدارون احزانهم، ويحفظون كرامتهم وراحتهم، ويدارون عائلاتهم واطفالهم.

كما اكتشف النازحون الشيعة، في مناطق الدامور والضاحية الشرقيةوالبترون وزغرتا، وبعبدا والمتن وزحلة ودير الاحمر والقاع، وشليفا وعيناتا والشوف وعالية واقليم الخروب، انهم لدى اخوة وشركاء في الوطن، يبذلون كل جهد ممكن لنجدتهم وتأمين احتياجاتهم، وان الخلافات السياسية مع خيارات “حزب الله” والثنائي الشيعي، لا تحرر هذه المناطق من التزاماتها الاخلاقية، ومن واجب شراكة المصير والتضامن الوطني…

اكتشف النازحون الشيعة، الى طريق الجديدة وطرابلس وصيدا وعكار وعرسال وسعدنايل وغزة والبقاع الغربي، انهم ينزلون ضيوفا عند اخوة لهم في الدين والوطن والانسانية

  وبناء لما تقدم سقطت لغة الاستعلاء والاستقواء، التي اكثر ما روجها ابواق “حزب الله” وجماعة نشرة الاخبار، وخفتت لهجة الشتيمة واستبدل خطاب التهديد والتخوين، بلغة الامتنان وعرفان الجميل، وتقضي النزاهة والفضيلة، ان يحتفظ شعب لبنان بكل فئاته بهذه الروح الايجابية، وان ينبذ كل من يحاول العودة الى الاستفزاز والتحريض لاي مبرر او سبب، كما انزوت الى اضيق الحدود شعارات فئوية من مثل “ما بيشبهونا”، ولعل المحنة الراهنة كانت ابهى تجسيد واقعي لمعنى العيش معا…

انهيار المنظومة

ولكي يستكمل تعافي الوجدان الشيعي ،ويستعيد المجتمع اللبناني رشده الوطني، فلا بد من ان ندرك جميعا، وان نسلم بحقيقة  انهيار منظومة كاملة، من الخطابات والنظريات والمعادلات والقواعد، التي تليت على مسامعنا خلال عشرات السنوات، حول قوة محور الممانعة وصلابته ووحدته وتضامنه، وهي منظومة لغوية لم تكن الا جعجعة فارغة وعنتريات جوفاء، فاين ذهبت وحدة الساحات، وكيف ترجمت فوائدها او كوارثها، واين هي غرفة العمليات المشتركة، وكيف تفاعلت اطرافها وتكاملت مواجهاتها، واين أصبحت تذاكر السفر الى القدس، والدعوة للصلاة فيها؟! في الوقت الذي لم تعد  ممكنة صلاة مؤمن في بيت يملكه او مسجد اعتاد ريادته.

اين ذهبت وحدة الساحات، وكيف ترجمت فوائدها او كوارثها، واين هي غرفة العمليات المشتركة، وكيف تفاعلت اطرافها وتكاملت مواجهاتها، واين أصبحت تذاكر السفر الى القدس

لذلك لا بد ان ندرك ان تحميل لبنان اكبر من طاقته، واكثر من قدرته على الفعل، لا يفيد فلسطين وقضيتها، بل يدفع بلبنان نحو خراب عميم.

لقد أثبتت الوقائع والاحداث ان الثنائي المذهبي “حركة امل” و”حزب الله”، لا يستطيعان حماية لبنان، ولاحماية شيعته ولا صيانة مصالحهم، لا من العدو الخارجي ولا من الفساد الداخلي والانهيار المصرفي، الذي نتج عنه  سرقة جنى أعمار اللبنانيين عامة، والشيعة خاصة، والذين قدر حجم ودائعهم المسروقة ب ٤٢ مليار$…

كأنه لا يكفي شيعة لبنان محنة اولى بودائعهم وجنى اعمارهم، ومحنة ثانية بتهجيرهم ودمار عمران مدنهم وقراهم، لتحل بهم محنة محتملة ثالثة، بعودة الاحتلال الى جنوب لبنان…

بين السلبطة الايرانية والوحشية الاسرائيلية..آن اوان القول كفى ولتحترق ايران ويبقى لبنان.

السابق
نتانياهو «يحاصر» بيروت بالقصف..ورعد «يظهر» وينعى المفاوضات!
التالي
بعد انذارها: 10 غارات إسرائيلية استهدفت منطقة الحوش شرق مدينة صور