تتبدّى حساسية واقع السواد الأعظم من اللبنانيين، وأيضاً دقّته، في أنهم يعجزون عن استرجاع استقرارهم، على المستويات كافة و منها النفسي. ويعود السبب في ذلك، إلى الأزمات التي تكدّست، إن صح التعبير، على مدى عقود من الاضطرابات الأمنية والحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها التي اختبرها وطنهم ولايزال. وكان من الطبيعي أن يحمل كل ذلك، ويلات و مآسٍ أثقلت كاهل الحياة النفسية للبناني، الذي بات يصارع في سبيل الخروج منها. وتعدّ حالات الانتحار، التي بتنا نسمع عنها بشكل شبه يومي دليلاً على ما آلت إليه أحواله، أي اللبناني.
تعدّ حالات الانتحار التي بتنا نسمع عنها بشكل شبه يومي دليلاً على ما آلت إليه أحواله أي اللبناني
و تبيّن لنا ملاحظة حال القسم الأكبر من الشعب اللبناني، وأيضاً معايشتها مدى معاناتهم من عدم استقرار نفسي، نتيجة معايشتهم لضغوط، تلقي بظلالها على عافيتهم النفسية وتستهدفها.
ولعلّ مقاربة نفستحليلية، سريعة و موجزة، لهذا الواقع قد تفي لتوضيحه أكثر، باعتبارها تسهم في الكشف عن الأواليات النفسية الدفاعية، التي يلجأ إليها قسم كبير من اللبنانيين، في سعيهم إلى حماية أنفسهم، عبر تجنّب المآسي والأزمات التي تثقل كاهلهم. ولا يخفى من أن استخدام هذه الأواليات، يشكّل دليلاً حاسماً على وجود صراع، أو عدم استقرار نفسي لدى الفرد.
وقبل عرض الأواليات الدفاعية النفسية المشار إليها، لا بدّ من عرض سريع لماهيّة أوالية الدفاع النفسية، بشكل عام، من أجل فهم أكثر لكيفية مواجهة اللبناني واقعه المؤلم.
طوّر سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، نظريته حول أواليات أو ميكانزمات الدفاع ليشرح كيفية إدارة الفرد لانفعالاته و صراعاته الداخلية و ضبطها. بتعبير أدق، تعدّ أواليات الدفاع، سيرورات لا واعية يستخدمها الفرد، ليتمكّن من مواجهة انفعالاته وأفكاره و وضعياته الكدرة، التي تهدد استقراره النفسي، بغية تجنّبها و تفاديها. وبمعنى أوضح، تمكّن هذه الأواليات أو الميكانزمات الفرد، من الدفاع عن نفسه ضدّ أي تهديد يطال حياته النفسية.
وبالعودة إلى الأواليات الدفاعية، التي يلجأ إليها الكثير من اللبنانيين، تتجلّى لديهم أوالية الإنكار، من خلال رفضهم اللاواعي لواقعهم المرير، فنراهم يحولّون أنظارهم، إن صح التعبير، عن أزماتهم المعيشية كالبطالة و الفقر و غياب الضمان …. من أجل الهروب من الشعور بالإحباط والعوز و العجز عن مواجهة هذا الواقع.
ويأتي الإسقاط، كأوالية دفاعية، ليبرهن أكثر على وجود صراع نفسي، عند قسم كبير من اللبنانيين، الذين يلجأون إلى “رمي” كلّ ما لا يرغبون به في ذواتهم، سواء كانت أفكار أوانفعالات أو أحكام ذاتية…، على الآخرين، و سيّما المختلفين عنهم في التوجّهات السياسية والدينية. فعلى سبيل المثال، يسعى هؤلاء إلى اتهام الآخرين بالتعصّب لتحميلهم الذنب أو تشويههم … بهدف إخفاء تعصّبهم. ويمكن القول، أن الاسقاط يحمي الفرد من الشعور بالألم، الناجم عن اتهام الذات.
يأتي الإسقاط كأوالية دفاعية ليبرهن أكثر على وجود صراع نفسي عند قسم كبير من اللبنانيين
و بدوره، يتبدّى التسويغ أو العقلنة أوالية دفاعية نفسية، يستخدمها الكثير من اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى إيجاد شروحات أو تبريرات، أوحتى أعذار منطقية، لتبرير سلوكيات أو وضعيات أو ردود أفعال غير سوية ولاعقلانية. و مما لاشكّ فيه أن هذا التسويغ يكشف عن الحاجة الملحّة إلى هذا التبرير، باعتباره يعدّ منقذاً لهؤلاء من الشعور بالذنب، و بالتالي من المسؤولية.
كذلك الأمر، تُبيّن ردود الأفعال التي تتخذ منحى عدوانياً، يظهر بشكل شبه يومي من حياة اللبناني، أوالية الكبت الذي يطال الانفعالات السلبية والكدرة. و تشكّل الحياة اليومية، برهاناً قوياً على الضغط النفسي الكبير، الذي يعاني منه اللبناني ، فنراه يدخل بسهولة في المشاكل مع الآخرين، حتى لو لم يكن هناك ما يستدعي اقحام نفسه في هذه المشاكل، كأحقية المرور مثلاً.
و أيضاً، يعد التماهي أوالية دفاعية تشكّل سبيلاً للتعويض عن احساس باللاأمان، الناجم عن ضغوط الحياة و أعبائها، التي تعجز الدولة عن حلها. إذ يلجأ اللبناني المنهَك إلى التماهي بزعيم أو بجماعته لينهل الشعور الوهمي أو الهذياني بالانتصار أو القوّة، من أجل الهروب من الشعور بالعجز و العزلة.
خلاصة، تظهر الأواليات النفسية الدفاعية، التي يتخذ مسارها منحى جماعياً، خطورة الواقع النفسي اللبناني، الذي يدخل تدريجياً في حالة من عدم استقرار يمكن وصفها بالدقيقة والحساسة لأنه تهدد الحيوية النفسية لشعب بأكمله.
ويبقى السؤال، إلى متى ستبقى عافية لبنان الاقتصادية والاجتماعية و أيضاً النفسية ….مستهدفة؟!

