برهان غليون يُواجِه العَرب بسؤال مَصيري تاريخي

المفكر والكاتب السوري الدكتور برهان غليون، يضَع العرب أمام سؤال مصيرهم التّاريخي ، في كتابه الجديد، الذي يحمل عنوان : ” سؤال المَصِير ( قَرنان من صراع العرب من أجل السّيادة والحرّيّة )” . ( وهذا الكتاب ، الصادر ، حديثاً ، وفي طبعة أولى 2023 ، هو من منشورات ” ألمركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات ” في بيروت – وقطر .
وبحسب هذا الكتاب ، فإنّ العصر الحديث ، أو ما عُرف ب ( عصر الحداثة ، الذي اتّصف بأنّه عصر التّقدّم الحضاريّ ) ، لقد شَهِد ، ومنذ بدايته ، وإلى الآن ، لا يزال يشهد ، بأنّ التّخلّف الحضاري ، هو السِّمة الرّئيسة للعرب . هذا وبالرّغم من أنّ هذا التخلّف – وعلى ما يؤكد غليون في هذا الكتاب – ” لا علاقة له بطبيعة ثقافتها أو إرثها السّياسيّ” .

برهان غليون

وبرهان غليون ، الذي هو واحد من المثقفين العرب الإصلاحييّن والتنويرييّن الكبار ، ( والذي شغل منصب أستاذ علم الإجتماع السياسي ومير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس ( 1990 – 2017 ) ، والذي اختير في عام 2011 رئيساً للمجلس الوطني السوري المُعارض بعد اندلاع الثورة السورية ) ، يتناول طبيعة التّأخُّرالحضاريّ العربيّ ، في بحثه التحليليّ القيِّم الذي يضمّه هذا الكتاب ، تناوُلاً نقديّاً يتّصف بالجدليّة الموضوعيّة ، من أجل تغيير الواقع العربيّ الحاليّ ، ألتّغيير الذي يَنشُدُه غليون ، واضعاً الشروط العمَلانيّة ( العِلميّة والواقعيّة والتاريخية ) والتفصيليّة ( التّبيينيّة ) التي تختصّ بهذا التغيير ، على أمل تحقيقه ، الذي ما زال حصوله ممكناً ، على حدّ قوله .

هذا البحث هو محاولة نقدية وجدلية لإعطاء تحوّلات وأحداث العالم العربي التاريخية معنىً

السؤال التغييري

والسؤال التغييريّ الذي يواجِه به غليون العرب ، هنا ، ( وهو السؤال الذي يطرحه ويجيب عليه باستفاضةٍ ، من ناحيته ، لكنّه يريد من العرب الإجابة عليه ، بدَورهم ) ، هو السؤال المركزيّ الذي يشكّل – برأينا – عِمادَ فَرَضِيّة هذا البحث ،إذ هو سؤالٌ إستبداليّ ( إلغائيّ بالضرورة ) يضعه الكاتب بدلاً من الأسئلة القديمة ، التي – وعلى حدّ قوله – ” لَم يتوقّف المثقفون العرب عن طرحها ، وهي تلك الأسئلة ذاتها ، التي لم يكفّ أسلافهم عن طرحها منذ القرن التاسع عشر ، عن تقدُّم الآخرين وتأخُّر العرب .” . ففي الصّفحتين ( 191-192 ) يقول الكاتب : إنّ العالَم الحديث الذي نحن جزءٌ منه ، تشكَّل في خضمّ صِراعاتٍ متعدّدة ومتجدّدة ( وهي التي يستعرضها ،غليون في هذا الكتاب ) . ويضيف القول : ” وإنّ التشكيلات الإجتماعية المتنوّعة التي نَعرفها اليوم ، تعكس حصيلة الصراع الذي خاضته مجتمعاتها للإندراج القسريّ أو الطوعيّ في الحداثة ، وخصوصيَّتها وفرادتها . ” . كما ويشير موضحاً : ” لذلك ، أصبح سؤال : لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم ؟ ومعه سؤال : ” لِمَ تقدّم الأوروبيون وتأخّرنا نحن ؟ من الماضي ومن دون معنىً . لذا فبرأي غليون إنّ ” المطلوب هو الإجابة على سؤال لماذا نجحت بعض الدول النامية أو المستعمَرَة في تغيير واقعها الاستعماري والمتخلّف وأعادت بناء نفسها من جديد وأخفقت الأقطار العربية ؟ وهذا يعني – ووفق ما يقول الكاتب – التفكير في سياساتنا وخططنا نحن الذين نعمل من أجل التقدّم والحداثة منذ قرنين ؛ لا، في خطط أجدادنا ، وأن نسأل عمّا إذا لم يكمن الخطأ في خياراتنا الاستراتيجية الداخلية والخارجية ، ونناقش في الخيارات الجديدة المطروحة أمامنا لتحقيق ما فشلنا فيه واستعادة قدرتنا على التّحكّم بمصيرنا ؟ ” .

عن مضمون هذا الكتاب

ف” بالعودة بنظره – وهذا عن مضمون هذا الكتاب – إلى استعراض قرنين من تاريخ اندراج العرب بحضارة عصرهم ، يسعى برهان غليون ، في هذا الكتاب ، إلى الدفاع عن أطروحةٍ تفيد بأنّ التّخلّف الذي تعانيه المجتمعات التي بقيت على هامش الحضارة أو ملحقة بها ، ومنها العربية ، لا علاقة له بطبيعة ثقافتها أو إرثها السياسي ، بمقدار ما هو نتيجة مباشرة وثمن التّقدّم الذي عرفته الدول المركزيّة : فالدول الصناعية – في نظره – لم تحتلّ الموقع المركزي الذي تشغله الآن في النظام العالمي بسبب ما حققته من سبقٍ عِلميّ وتقنيّ مقارنة بالدول أو المجتمعات الأخرى ، لكن بسبب نجاحها في احتكار عناصر هذا التقدّم ومنع الدول الأخرى من الحصول عليه أو مجاراتها فيه . ولم يكن النظام الاستعماري وحروبه لاحتكار طُرُق التجارة وتدمير الإمبراطوريات القديمة وتفكيكها للوصول إلى مواردها وتحويلها إلى أسواق لبضائعها ، إلاّ تجسيداً عمليّاً لإرادة السيطرة والاحتكار .

إنّ تخلّف المجتمعات التي بقيت على هامش الحضارة ومنها العربية لا علاقة له بطبيعة ثقافتها أو إرثها السياسي


لذا ، فإذا لم تنجح مجتمعات ما بعد الاستعمار في تغيير مكانتها في هذا النظام ، فلأنّ معظم نُخَبها الإجتماعية ، باستبطانها الأيديولوجيا العنصريّة الصّانعة التفوق والدونية ، أعادت من دون أن تدري بناء العلاقة الاستعمارية ذاتها بين السيّد والتابع ؛ أي بين من يستحق أن يحكم ويملك ، ومن لا خيار له سوى الخضوع ، لكن هذه المرّة على مستوى الدولة الجديدة والمجتمعات المحلّيّة . هكذا لم يعد لمثقفيها خطابٌ أو هَمٌّ سوى إقناعنا وعموم الجمهور بأننا ، عرباً أو مسلمين ، أو أفارقة ، لا عقلانيين ، عاطفيين ومتعصبين ، منفصلين عن التاريخ ، مشوَّهين نفسيّاً وأنانيين ، لا نعرف معنى الوطنيّة ولا الأخلاق ولا السياسة ولا الدولة ولا المجتمع المدني ؛ وحدهم من يشبهون الغربيين ويتشبّهون بهم قادرون على الحكم والتملّك وصُنع التاريخ . ” .

محتويات هذا الكتاب

ومحتويات هذا الكتاب تتألف من : مقدّمة ؛ وخمسة فصول ؛ وخاتمة .

وعناوين الفصول جاءت ، تباعاً ، على الشكل التالي :
” وعيُ التاريخ ( هل قاوم العرب والمسلمون الحداثة ) ؟ ” ؛ ” ألحداثة المغدورة ( أو كيف صنع الغربُ الشَّرقَ الكسيح ) ” ؛ ” مفارقات الحداثة – العنصرية ( العربية ) وإعادة إنتاج السيطرة الغربية ” ؛ ” أوهام العقل من التغيير إلى التنوير ” ؛ ” مَكرُ التاريخ أو كيف صنع المثقفون (العرب) الشعب الكسيح ” . ولقد جاءت الخاتمة تحت عنوان : ” عودة العرب إلى التاريخ ” .
ومما جاء في المقدّمة :” سيحاول هذا البحث ، من خلال إعادة قراءة الوقائع التاريخية ونقد المفاهيم التي تحولت إلى بدهيّات ، حتّى لا نقول إلى أوثان ، بسبب استخدامها كحقائق مطلقة وثابتة ، أن يبيّن أنّ لا شيء استثنائي ، أي يصعب فهمه باعتماد المفاهيم العامة للعلوم الإجتماعية ، في ما شهده العالم العربي من تحوّلاتٍ وأحداث منذ قرنين. وأنّ قراءة نقديّة وجدليّة لهذه الأحداث والتّحوّلات هي وحدها التي تستطيع أن تعطي لهذا التاريخ ووقائعه المتناقِضة والمفارِقة معنىً” .

إنّ عدم نجاح مجتمعات ما بعد الاستعمار في تغيير مكانتها في النظام العالمي فلأنّ معظم نخبها الإجتماعية باستبطانها الأيديولوجيا العنصرية أعادت من دون أن تدري بناء العلاقة الإستعمارية ذاتها


ويؤكد الكاتب على أنّ النُّخَب التي سيطرت ولا تزال على السلطة في البلدان المتخلّفة ، أعاقت تنمية هذه البلدان .
لذلك ، فإنّ ” في هذا الكتاب – وكما تفيد المقدمة أيضاً – محاولة للبحث عن جذور هذه الإعاقة على خطَّين متقابلَين ومتقاطعَين معاً : سياسات الدول الكبرى واستراتيجياتها وما أدّت إليه من استقطاب عالمي بنيوي بين المجتمعات المركزية المتقدمة والمجتمعات الطرفية المتخلِّفة . هذا على الخط الأول ؛ أمّا على الخط الثاني ، سيركّز هذا البحث على الخيارات السياسية والاستراتيجية للنخب التي سيطرت ولا تزال على السلطة وأدارت عمليات التّنمية وبالأحرى إعاقة التنمية في البلدان المتخلِّفة . “

السابق
نواب المعارضة يحضّرون تقييماً لمقاربة لودريان والقوّات: حرص على وحدة الموقف
التالي
اليكم سعر دولار صيرفة اليوم