في الذكرى الـ 18 على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ ينشر “جنوبية”مقتطف من كتاب للوزير السابق محسن دلول تحت عنوان “رفيق الحريري رجال في رجل محطات في عقدين من الصداقة”، نشرت الطبعة الاولى عام ٢٠٠٩ لدار النشر “الدار العربية للعلوم ناشرون”، حوار وتحرير يوسف مرتضى:
الذي لا يقبل الجدل أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمكّن بكده وممارساته أن يكون عظيماً بجهده… وهكذا اقتربت مكانته من أعلى الدرجات… اقتربت إلى المثال.
كان على الدوام كريماً رحيماً عندما يكون منتصراً.. وكان قاضياً عادلاً عندما يتسنى له أن يكون في سدة المسؤولية.
كان يتملكه الغيظ عندما كان يلاحظ أن القيادات السياسية يتبادلون الود فيما بينهم، ولكنهم في الوقت ذاته يدعون لا بل يشجّعون قواعدهم على التقاتل الشرس… ولكن ليس لحساب الوطن والمجتمع… وإنما يتقاتلون لحسابهم أي لحساب تلك القيادات التي تدعي جوازاً أنها تؤلف “نخبة المجتمع”.
الذي لا يقبل الجدل أن الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمكّن بكده وممارساته أن يكون عظيماً بجهده… وهكذا اقتربت مكانته من أعلى الدرجات… اقتربت إلى المثال
وكم كان يحلو له أن يردد باستمرار: أن الحر هو الذي لا يبيع عقله ولا فكره ولا موقعه ولا وطنه للآخرين..
كان يتوقف ملياً عند القول: إن حرية الإنسان تعني إنسانيته. هكذا يجب أن نربي أبناءنا، أي أن نكون نحن نحن، لا أن نكون الآخرين. أن نكون الصوت لا الصدى. أن نكون الواقع ولا نكون الظل.
لقد أثبت الرئيس الشهيد رفيق الحريري حقيقة المقولة: إن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ وليس التاريخ هو من يصنع الرجال.
كان يتجنب في كل ممارساته الانتقام من خصومه، ويقول: علينا ألا نواجه الآخر بلهيب الانتقام، لأن ذلك يبعدنا عن المقصد الحسن، ونحن الحكم العادل.
أثبت الرئيس الشهيد رفيق الحريري حقيقة المقولة: إن الرجال هم الذين يصنعون التاريخ وليس التاريخ هو من يصنع الرجال
وما أعظمه وهو يركز على الجيل الناشئ، بأن يأخذ بأسباب العلم، لأن في إيمانه أن الصراع في العالم هو صراع العلم، وأن من هو أكثر علماً سيكون الأكثر إنتاجاً.
والشيء المدهش والغريب أن الكثيرين ممن يسعون لخفض رايته كان معظمهم يختبئ بظلالها.
إنه – أي الشهيد الكبير – بشجاعته المميزة وبكثير من الشرف والإخلاص للمثل العليا نبذ القسوة والجشع…
هذه الصفات أقدم رفيق الحريري… فقاتل الأنانية العمياء الضيقة… وأنشأ حالة من الوعي وممارسة السياسة بمعرفة وبمفاهيم واضحة.
وفي نقاش مستفيض حول مفاهيم الدولة والسلطة كان الرئيس الحريري يؤكد ويثبت بالعمل، أن الحكم لا يستقر ولا يدوم إلا برجال ذوي نفوذ وهيبة.
وعندما يفقد الحاكم هيبته تهتز معاً لم الحكم وتتفكك المؤسسات ويحصل الشلل العام.
بهذه القيم المتعالية والمرتفعة سمواً نمى الرئيس الحريري مهارات أساسية في السياسة وبسهولة غير عادية وآثر أن يبرز مواهب نادرة في التعاطي والممارسة.
وبهذه القيم المتعالية والمرتفعة سمواً، نمى الرئيس الحريري مهارات أساسية في السياسة، وبسهولة غير عادية، وآثر أن يبرز مواهب نادرة في التعاطي والممارسة.
وبهذه الصفات بات قصة شعبية ضخمة، ومثال إعجاب، لأنه كان يؤمن أن الحكم بالنتائج. من هنا أرى، أنه يستحق بكل تأكيد مكانته المميزة في التاريخ.
كان يريد المستقبل واقعاً ونتيجة لما نعده ونقدمه، ويرفض أن يكون المستقبل مستنسخاً من ماضٍ أو من نماذج أخرى.
ولا أزال أذكر نقاشاً حاداً جرى معه حول واقع لبنان، عندما قلت له: إن لبنان الوطن مفقود، وإننا نعيش في ظل دولة مزارع.
رفض هذه المقولة واعتبرها حالة انهزامية. وعندما عقبت بالقول: إن لبنان ولايات غير متحدة.
أخذه الحزن بشدة، وذكر لي أنه يراهن على الشعب لصهر أحاسيس المواطنين في مفهوم واحد.
كان يراهن على النخبة لتقدم هي بدورها في النوعية والالتزام الوطنيين، لأنه كما يُقال: لا ولاء لوطن عندنا، ما دام المرء يلتزم بطائفته أكثر مما يلتزم بوطنه.
وعندما سألته لماذا تتضاعف المشاكل عندنا… أجاب ضاحكاً: إن لبنان هو الرئة التي تتنفس فيها مشكلات المنطقة.
وهكذا فإن وعيه وثقافته المكتسبة، أكسباه بعداً إنسانياً واسعاً يتخطى حدود الطائفة والمذهب.
وكما كان يبدو مطمئناً عندما كان يردد: إذا كنا نريد اللحاق بركب الأمم المتقدمة.. علينا أن نعرف كيف نشق طريقنا عبر التاريخ الحديث لننجز مراحل التنوير والمستقبل وما بعدهما.
وفي حوار حول، لمن نفكر اليوم؟ وبماذا نفكر؟ وما هي الحدود المسموح لنا أن نفكر فيها بينما نحن نتموضع في حرم الممنوع؟
قال الرئيس الحريري: إذا لم نفكر في المبدأ، نتحول إلى جثة هامدة تفوح منها نتانة التخلع والتعفن والتحلل.
ثم أضاف: واجبنا أن لا نقطع صلتنا بالتراث، لأنه تاريخنا الذي به نفتخر… ولكن علينا التنبه بأن لا نبقى أسرى لهذا الماضي فنقع في الجمود القاتل.
كان يبدو مطمئناً عندما كان يردد: إذا كنا نريد اللحاق بركب الأمم المتقدمة.. علينا أن نعرف كيف نشق طريقنا عبر التاريخ الحديث لننجز مراحل التنوير والمستقبل وما بعدهما.
وتابع مؤكداً: أن الحضارة الإنسانية والتقدم لا يقومان على العزلة والتقوقع داخل مفاهيم وأطر ضيقة. وبالذات ليس على ادعاء امتلاك الحقيقة دون الآخرين.
وكأن في اعتقاده… أن ألف باء التقدم والتطور هو بعدم السعي إلى تقديس الذات ولا إلى نبذ الآخر.
وبهذا أدركت أننا كنا وبالذات مع الرئيس رفيق الحريري نعيش قواعد اشتباك ممنوعة. وأنه كان يسير على رؤوس أصابعه من الحائط إلى الحائط في حقل ألغام قائم في كل زاوية من زوايا الطريق.
لقد سمعته يوماً يحذر قائلاً: إن الزمان الذي بات شعاره القوة فوق العدل، هو الزمان الذي يبدو أن لا مكان فيه لمودة إنسانية، أو لسكينة تنزع إليها الأمم.
وكما سمعته مراراً يردد مبتسماً: المجتمع كمياه البحر، من السهل السباحة فيها، ولكن من الصعب ابتلاعها.
حكاية الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع الوطن ومع المجتمع ومع الناس حكاية حلوة… ولكنها انتهت بفاجعة استشهاده ففقده الجميع وهم أحوج ما يكونون إليه
والشيء المميز بالرئيس الشهيد أنه نجح في استيعاب كل المخاوف، واستطاع أن يحولها إلى عوامل إيجابية في الحياة.
وحكاية الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع الوطن ومع المجتمع ومع الناس حكاية حلوة… ولكنها انتهت بفاجعة استشهاده، ففقده الجميع وهم أحوج ما يكونون إليه.
ولا غلو في القول: إن بعض مؤيديه قد أحبوه إلى حد الإضرار به.. وإن خصومه كرهوه إلى حد الإضرار بالوطن…


