البلد «الغارق» بين «الثقافة» السائدة و«العائمة»!

ياسين شبلي

منذ أيام قليلة وطأت قدماي أرض لبنان، الغارق بمشاكله المتعددة والمتفاقمة على كل المستويات، وذلك على وقع مشكلة جديدة هي “المعركة” المحتدمة بين محطة تلفزيون “الجديد” من جهة، وبين ما يسمى إعتباطاً “البيئة” لغاية في نفس “يعقوب السياسي” من جهة أخرى، تسمية تختصر وتجسد محاولة إختزال طائفة ما بأكملها، أو مناطق معينة من لبنان لمصلحة هذا الـ”يعقوب” الثنائي الرأس، وتجديد هذا الإختزال في كل مرة يخبو فيها وهجه، بفعل عتمة المشاكل والمآسي التي يعاني منها الناس، سواء على المستوى المعيشي جراء التلاعب بسعر صرف الدولار الأميركي، وغياب السياسة الإقتصادية الواضحة والمعالجات الناجعة، التي تنعكس رفعاً للأسعار، مع ضمور للمعاشات والمداخيل، أو السياسي بفعل الفراغ الرئاسي والحكومي، الذي ينعكس فشلاً على فشل، سواء في الممارسة أو المقاربات أو الأهداف، بفعل الخلافات بين أطراف الفريق الواحد، والحاكم بأمر “حزب الله”، أو الأمني جراء تداعيات الأحداث المتفرقة، سواء كانت غير مقصودة، أو نتيجة خطأ في الحسابات الميدانية، ومن ثم السياسية المترتبة عليها، كما حصل مؤخراً في قضية الهجوم على اليونيفيل.

تجديد هذا الإختزال والتذكير به لكل من القريب والبعيد، لا يتأتى إلا عبر إفتعال إشكالات من نوع هذا الإشكال السخيف والمفتعل، والذي يكشف ويؤكد هشاشة وتفاهة هذه “الثقافة” المجتمعية التي وصل إليها البعض، وساهم في نشرها على مدى سنين، سواء في تناوله لقضايا الناس و “فشة خلقهم” عبر برنامج سمج و”ثقيل الدم” لا يمت للكوميديا السوداء المتعارف عليها والهضامة بشيء، أم بردود أفعال سوقية وشوارعية، قام ويقوم بها أناس غير أسوياء أخلاقياً، مدفوعين بنعرة طائفية مذهبية من جهة، وبنظرة إجتماعية ذكورية مقيتة ومقرفة من ناحية أخرى، يرفدها توجيه سياسي وإيديولوجي بعيد كل البعد حتى عن الشعارات السياسية والأخلاقية، التي يرفعها أصحاب هذا التوجيه، ما يجعل هذا السجال يدور عملياً بين أبناء “الصف الواحد”، ولكن بوجهين لعملة رديئة واحدة.

مقابل هذا الإشكال الذي إتخذَ، بعدها ولا يزال، شكلاً أبشع بكثير من السماجة والسخافة التي بدأ بها، وتفاهة ردود الفعل الكلامية عليه، حيث تم التعامل مع المحطة ب “فائض القوة” نفسها التي يُتعامل بها عادة مع الوضع القائم بالبلد، تارة عبر الرصاص المتفلت والمولوتوف للترهيب، وأخرى عبر الضغوط “الأهلية” المعنوية والسياسية والقانونية للإعتذار، وهو الأمر الذي يؤكد – إذا ما حصل الإعتذار والتراجع من قِبل القناة – على نجاح هذا الإختزال للمذهب والطائفة، في نمط واحد معين يقوده طرف، لطالما إشتكى هو نفسه من التنميط، وحارب معارضيه السياسيين عبر “جيوشه” الإلكترونية بهذا النوع من البذاءة في اللفظ، الذي أُستعمِل في البرنامج والذي يشتكي منه اليوم، خاصة عندما كانت المعارضة تأتي من سيدة، وليس ما حصل عدة مرات مع الإعلامية ديما صادق ببعيد، وكذلك ما يحصل اليوم ضد داليا أحمد وجوانا كركي.

نقول أنه مقابل هذه السلوكيات المقززة، التي تُبرز جانب من “ثقافة” ما يمكن أن نسميه “نظام التفاهة والسفاهة” السائد اليوم في لبنان، للأسف لدى العديد من الأطراف السياسية والإعلامية ومتابعيها، هناك جانب مشرق لا يزال يقاوم ويُصِرْ على البقاء رغم الصعوبات، وهو جانب الثقافة الحقيقية بما هي فعل إنساني حضاري، يسعى المرء من خلاله إلى تطوير نفسه وفكره، عبر توسيع مروحة مداركه، وعبر الإنفتاح على ثقافة الآخر وإهتماماته، من دون التخلي عن ثقافته الأم، بل عبر ما يمكن تسميته بـ”تزاوج الثقافات” والتلاقح بين الأفكار ، في محاولة لتهذيبها وغربلتها وفرز الغث منها عن السمين، لتصبح الحياة أفضل وأيسر في التعارف والتعامل بين البشر، وإزالة حالة العداء بين الثقافات والحضارات، الناتجة غالباً عن سوء فهم وقلة معرفة بالآخر.

منظومة لها مصلحة في تجهيل المجتمع ونشر “ثقافتها” ونظامها للتفاهة والسفاهة

هذا السلوك الحضاري، تمثل مؤخراً في بيروت بحدثين كان لي الحظ بمتابعتهما، الأول هو رسو السفينة – المكتبة العائمة أو معرض الكتب العائم LOGOS HOPE في مرفأ بيروت، والإقبال الشديد عليها – الأمر الذي فاجأني صراحة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها البلد والناس – الأمر الذي يضيء شمعة في ليل لبنان، ويعطي جرعة أمل، بأن السائد التافه ما هو إلا مرحلة عابرة في تاريخ هذا البلد، نتيجة الظروف التي يمر بها، جراء تسلط منظومة متكاملة عمادها السياسة والمال والسلاح، منظومة لها مصلحة في تجهيل المجتمع ونشر “ثقافتها” ونظامها للتفاهة والسفاهة، ومحاربة كل فكر إنساني نظيف، منفتح ومتطور.

الإشكالات المفتعلة التي تساهم في إطالة أمد تغييب الوعي لدى الناس، وتشغلهم عن متابعة الهم الرئيسي والأساسي لهم

الحدث الثاني كان إستمرار عرض مسرحية “هيكالو” للكاتب والمخرج المسرحي يحيى جابر، التي تحكي قصة نشأة أحد أشهر الأحياء المثيرة للجدل في لبنان، وهو حي الشراونة في بعلبك وسبل الحياة فيه، والذي لا تختلف قصته عن قصة الكثير من الأحياء والمناطق اللبنانية – بغض النظر عن خصوصية كل منطقة – ، يحيى جابر الذي لا يمكننا إلا أن نثني على جهوده ومثابرته، هو الذي يقاوم على طريقته وب “سلاحه” الذي يُحسِن إستعماله جيداً، ليوصل رسالته الوطنية والإنسانية بطريقة محببة، عبر فن الكوميديا السوداء الحقيقية والصادقة دون تجريح أو تلميع، ويعالج القضية التي يطرحها بمشرط الجراح الماهر ، وذلك بإصراره على وضع المجتمع اللبناني وجهاً لوجه أمام حقيقته دون إفراط أو تفريط، بأسلوب راقٍ تسيل معه الدموع مختلفة الطعم – إذا جاز التعبير – دمعة “حلوة” ناجمة عن ضحكة نابعة من القلب ، ودمعة “مُرَّة” ناجمة عن حزن وألم، نابعين بدورهما من القلب على واقع مرير مرارة الحقيقة، ومعاناة جسدها بصدق وإحساس عميقين الممثل عباس جعفر – طبعة يحيى جابر – التي تختلف عن صورة عباس جعفر التي عرفها الناس، والذي تفوق فيها على نفسه، وأعاد إكتشافها على يد المبدع يحيى جابر، الذي يصح فيه وصف مصمم “الجواهر الفنية”، الماهر والمحترف في محترفه و”منجمه” المسرحي.

هذان الحدثان هما النقيض والرد الجميل والموضوعي، الذي يجب أن يكون دائماً على مثل الحدث الأول وتطوراته، سواء بالفعل الذي “إقترفه” البرنامج “الساخر” أو رد الفعل، وعلى غيره من الإشكالات المفتعلة، التي تساهم في إطالة أمد تغييب الوعي لدى الناس، وتشغلهم عن متابعة الهم الرئيسي والأساسي لهم، وتأخذهم إلى مواقع بعيدة كل البعد عن واقعهم الحقيقي المعاش، عبر إثارة غرائزهم الطائفية والمذهبية والإجتماعية، بهدف الظهور بمظهر الحماية الكاذبة والوهمية لهم من الآخر، كي تبقى لهؤلاء السيطرة عليهم وتسهيل إختزالهم، والتحدث بإسمهم والمتاجرة بمصالحهم، في سوق السياسة والمال والإيديولوجيا والنفوذ.

السابق
بسبب «رداءة الجودة».. طالبان تعيد 26 شاحنة وقود إلى إيران!
التالي
كتاب «يوسف بك الزين من جبل عامل إلى الجنوب اللبناني».. سيرة زعيم نهض بالتعليم و قاوم الحرمان