تطلّ 2023 بمشهد سيكون وفق المؤشرات أشدّ قتامة من 2022، وفي قراءة عبر”جنوبية”، أكد الخبير الإقتصادي باتريك مارديني أن “الإنهيار تواصل في العام الحالي، فالليرة اللبنانية خسرت من قيمتها، فسعر الصرف مقابل الدولار بداية السنة كان حوالي 20 ألف ليرة وفي آخرها بات مضاعفاً، وترافق هذا الأمر مع التضخم، حيث أن كل الأسعار تقريباً تضاعفت، ومداخيل الناس بالليرة اللبنانية تراجعت أكثر فأكثر، وباتت تحت خط الفقر بسبب هذا الإنهيار النقدي”.
أموال المودعين ذهبت عبر المصرف المركزي لتمويل العجز
ولفت الى “أن النمو الإقتصادي الحقيقي كان سلبياً، أي ما يقارب ناقص 5% في العام 2022، وهذا يعني أن الشركات ما زالت تقفل أبوابها وتُسرّح الموظفين، والاقتصاد اللبناني لازال يتقلّص، وبالتالي المشكلة ليست في سعر الصرف والتصخم المفرط، بل أيضاً في الإنهيار والأزمة الإقتصادية التي لم نصل إلى قعرها بعد”.
طباعة الليرة ستؤدي إلى مزيد من التضخم وانهيار سعر الصرف في 2023
وأوضح أن “الإيجابية في عام 2022 هي عودة لبنان إلى التوازن في الموازنة، فإذا نظرنا إلى نفقات الحكومة اللبنانية وايراداتها، يتضح أنه وصل لبنان إلى نوع من التوازن في موازنته، ولم يعد لديه عجزاً فيها، ولكن جاءت موازنة 2022 في آخر السنة وعرقلت ذلك وأعادت العجز في الموازنة العامة”، لافتاً الى أن ” العجز أساس كل العلل في لبنان، لأن أموال المودعين ذهبت عبر المصرف المركزي لتمويل العجز، وبالتالي هذا العجز أعادتنا اليه زيادة الزودة غير الممولة والتي ستُموّل من خلال العجز، ما يعني أن طباعة الليرة بوضع لبنان الحالي، ستؤدي إلى مزيد من التضخم وانهيار سعر الصرف في العام 2023″.
هناك مصارف عدّة ستختفي وسيتم إعادة هيكلة للقطاع العام المقبل
وعن أبرز استحقاقات العام 2023، لفت مارديني الى أن “أول انجاز هو الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، فلبنان في العام الحالي أنجز الكثير من الشروط المسبقة المطلوبة من الصندوق من أجل إنقاذ الإتفاق، ولا زال هناك موضوع الكابيتال كونترول، وهو من المواضيع الأساسية المتبقية، ويترافق مع خطة لاعادة هيكلة القطاع المصرفي أي مصير أموال المودعين وأموال المصارف، فالصندوق طلب من لبنان وضع خطة يُقرّها مجلسي الوزراء والنواب، وليس المطلوب تنفيذها وإنما اقرارها للبدء بالتعاون معه”.
ورأى أن “هذه الخطة من المفترض أن تُنجز في العام 2023، ويجب أن تُحدّد الودائع التي ستُردّ الى اللبنانيين، والحديث حول الودائع التي هي تحت سقف الـ 100 ألف دولار، ويجب معرفة آلية استرداد تلك الأموال، إن ستُقسّم بالليرة لبنانية على سعر صيرفة أم على سعر دولا السوق السوداء أم بالدولار الأميركي، وهل ستكون 400 دولار فريش و 400 دولار بالليرة اللبنانية على سعر صرف معين كما يحدث الآن، وبالتالي هذا الأمر لا بدّ أن يتحدد بشكل واضح في العام 2023”.
كلما تم ضخ الكتلة النقدية في السوق فإن الناس سيستخدموها لطلب الدولار
ولفت مارديني الى “أن مصير المصارف سيتحدد، فهناك مصارف عدّة ستختفي وسيتم إعادة هيكلة للقطاع المصرفي، لذلك هناك مشاحنات في البلد بين نائب رئيس الحكومة والمصارف وكل الذين يرتبطون بهم كزننا ذاهبون باتجاه اختفاء عدد من المصارف”، وقال:” السؤال بالنسبة للمصارف التي ستبقى مهما كان عددها، هل سيبقى القطاع المصرفي مقفل ومحمي، وهل سيتم منع دخول مصارف أجنبية تُقدّم خدمات أفضل للمواطن اللبناني، هل سيتم منحهم احتكار على سوق اللبناني ام سيتحرر هذا القطاع”.
أضاف:”القطاع المصرفي في لبنان مقفل، ولا يُسمح للمصارف الأجنبية بالدخول وهذا جزء من الأزمة”، مشيراً الى أن “السؤال أيضاً حول مصير أموال المودعين الذين معهم فوق الـ 100 الف دولار، وهل سيتم تحويلهم إلى شيء يشبه سوليدير واعطائهم اسهماً في صندوق وما هي الأصول؟”.
وشدّد مارديني على “أن موازنة العام 2023 هي استحقاق مهم جداً، وكان من المفترض اقرارها في أواخر العام إلا أنه لم يتم اقرارها، ومن المفترض اقرارها أوائل العام المقبل، والأسئلة الأساسية التي ستُطرح في موازنة 2023،حول سعر الصرف الرسمي الذي أصبح على سعر 1500 في موازنة 2022، هل سيُرفع إلى مستوى منصة صيرفة في 2023 لأن شرط وهدف مهم وضعه صندوق النقد توحيد جميع اسعار الصرف الرسمية التي سوف تتوحد في النهاية على سعر منصة صيرفة”.
وقال:” في حال حصل هذا التوحيد على سعر 23 ألف ليرة، ماذا عن الدولار الجمركي، وهل سيتم تخفيض ضرائب من أجل التعويض عن الزيادات التي تحدث في سعر الصرف الرسمي أم سنستمر في زيادة الضرائب؟”، لافتاً الى أن “هذه أسئلة مهمة سيتم طرحها مع موازنة العام 2023”.
واعتبر مارديني “أن الموضوع الأهم هو استمرار انهيار سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار، فخلال الأشهر الأربعة الأخيرة زادت الكتلة النقدية من حوالي 40 ترليون ليرة إلى أكثر من 70 ترليون ليرة لبنانية، وبالتالي لدينا زيادة حوالي ضعف الكتلة النقدية، وهذه الليرة التي يتم طبعها ستدخل في السوق في العام 2023 وستستمر الليرة في الانهيار خلاله”.
وأوضح أن “الليرة التي يتم ضخها في السوق من أجل تمويل عجز الموازنة العامة، هل ستستمر بسبب الزيادات في الرواتب ولتمويل سحوبات اللبنانيين في المصارف كونها وضعت دولاراتها لدى مصرف لبنان الذي يسحبهم بالليرة ويقوم بطبعها، وبالتالي كلما تم ضخ الكتلة النقدية في السوق، الناس سيستخدموها لطلب الدولار، والدولار سيواصل الارتفاع، وهذا الأمر سيستمر في العام 2023”.

