بات من المعروف لا بل من المُسَلَّم به في الحياة السياسية اللبنانية، أنه عشية كل إستحقاق سياسي ووطني لبناني كبير، تتجه الأنظار فوراً وبدايةً إلى الزعيم “الدرزي” ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي “البيك” النائب السابق وليد جنبلاط، لمحاولة معرفة إتجاه الريح السياسية في لبنان، بما عرف عنه من حسن إلتقاط “ذبذبات” التطورات الإقليمية وتأثيراتها على الداخل اللبناني، عبر “أنتيناته” العالية الجودة بغض النظر عن الوضع السياسي الداخلي لوليد جنبلاط نفسه، سواء كان في قمة توهجه أو في فترة “كسوف” لطالما دخلها موقتاً، منتظراً على “ضفة النهر” بإنتظار مرور القطوعات السياسية وما أكثرها في حياته، تبعاً للتطورات السياسية وتناقضاتها وتحالفاتها المختلفة، ومن ثم محاولات التحجيم التي تعرض لها على مدى السنوات السابقة منذ ما بعد 2005 وحتى اليوم، وكان آخرها في الإنتخابات النيابية الأخيرة التي خرج منها منتصراً كعادته بالضربة القاضية هذه المرة، مقصياً كل خصومه داخل الطائفة الذين كانوا رأس حربة حلف الممانعة في حربه ضده، وذلك بقوة الولاء الذي يكنه له أنصاره الذين يستجيبون بوفاء لحملات التجييش، التي يجيدها في اللحظة السياسية المناسبة.
فاجأ وليد جنبلاط الوسط السياسي اللبناني، بإنفتاحه على حزب الله في الداخل من موقع “المنتصر” في الإنتخابات النيابية الأخيرة، والعَصي على الشطب من المعادلة السياسية اللبنانية
اليوم وعشية الإستحقاقات الوطنية والسياسية اللبنانية وما أكثرها، من مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، إلى إستحقاق تشكيل الحكومة المعطَّل بفعل طموحات وتطلعات “الصهر المعطِّل” كالعادة، إلى إستحقاق التفاوض مع صندوق النقد الدولي حول خطة الحكومة للتعافي والإصلاح الإقتصادي، التي عملت عليها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، إلى الإستحقاق الأكبر والأهم المتمثل بإنتخاب رئيس جديد للجمهورية، عشية كل هذه الإستحقاقات فاجأ وليد جنبلاط الوسط السياسي اللبناني، بإنفتاحه على حزب الله في الداخل من موقع “المنتصر” في الإنتخابات النيابية الأخيرة، والعَصي على الشطب من المعادلة السياسية اللبنانية وهو ما يُحسَب له في هذا الإطار بحيث أنه لا “يسكر بزبيبة” كما يقال في المثل الشعبي ولا يغرق “بشبر مي” كغيره من المبتدئين في مضمار السياسة، بل يُبقي رجليه على الأرض وهو الخبير برمالها المتحركة دائماً، ويحاول مد اليد بشجاعة وحكمة دون كلل أو ملل، وبغض النظر عن نتيجة هذه المحاولات، ما دام قد إتخذ قرار الخروج من ذهنية الحرب والصدام العسكري سواء عن قناعة – وهو الأرجح – أو عن إستحالة المواجهة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي تكونت في السنوات الأخيرة، علَّه يتوصل إلى نقاط مشتركة مع الخصم تقي البلد وبالتالي “الطائفة” – وهذا حقه في بلد كلبنان – المزيد من الأزمات، مع ثبات في الموقف الإستراتيجي المتعلق بسيادة لبنان، وضرورة حصر السلاح بيد القوى العسكرية والأمنية الشرعية، وكذلك حصرية قرار الحرب والسلم بالمؤسسات السياسية للدولة اللبنانية.
يأتي قرار وليد جنبلاط بالحوار مع حزب الله، وتلقف هذا الأخير للقرار الجنبلاطي بإيجابية، في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة، فضلاً عن الإستحقاقات الداخلية
يأتي قرار وليد جنبلاط بالحوار مع حزب الله، وتلقف هذا الأخير للقرار الجنبلاطي بإيجابية، في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة، فضلاً عن الإستحقاقات الداخلية المذكورة آنفاً، من تطورات الحرب الأوكرانية التي قلبت كل المعادلات وأدخلت أوروبا وروسيا في نفق الحروب مجدداً، بما تحمله هذه الحروب من إنعكاسات على حياة الناس اليومية في كل المجالات، وأهمها مجال الطاقة، الذي وصلت تداعياته إلينا عبر إزدياد حاجة العالم للغاز ما حرَّك ملف ترسيم الحدود البحرية بيننا وبين العدو الصهيوني، وما يحمله هذا الملف من تعقيدات قد تؤثر – سلباً أو إيجاباً – على وضعنا كلبنانيين، إلى التوتر الأميركي مع الصين على خلفية قضية تايوان، وزيارة نانسي بيلوسي لها في تحدٍ واضح ومستفز للصين، إلى قصة “إبريق الزيت” بين أميركا وإيران وهي قضية مفاوضات الملف النووي بين الجانبين، برعاية أوروبية والذي يشهد تقلبات على طريقة “هبة باردة” وأخرى ساخنة ، إقليمياً هناك المفاوضات بين إيران والمملكة العربية السعودية، التي كانت على وشك تحولها من أمنية إلى سياسية في ظل تهدئة في المواقف الإيرانية من المملكة، تصل حد التمني بإعادة العلاقات معها وذلك قبل تطورات الأوضاع الأخيرة في العراق، وهي تطورات لها تأثيرها أيضاً في المشهد السياسي الإقليمي، لا يقل عن تأثيرات ما بدأ الحديث عنه من الجانب التركي عن إمكانية التطبيع مع نظام بشار الأسد في سوريا، وكذلك الإعلان عن إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين إسرائيل وتركيا، في ظل توتر الأوضاع الدائم في كل من فلسطين وسوريا، التي شهدت مؤخراً أحداث أمنية خطيرة في السويداء قد تكون من أهم أسباب الإنفتاح الجنبلاطي على حزب الله، لما لهذه الأحداث من تداعيات خطيرة إذا ما تطورت على الأوضاع في سوريا، ولبنان نظراً لترابط الساحات والمكونات الطائفية والإجتماعية بين البلدين.
يكون اللقاء بين وليد جنبلاط وحزب الله هو بمثابة “لقاء الضرورة” لطرفين يُعرَف عنهما البراغماتية المفرطة في عملهما السياسي، بعيداً عن الشعارات الحادة التي يطلقانها في عز السجال بينهما، وهو بالتالي لقاء يخدم الطرفان في ظل كل هذه الإستحقاقات داخلياً وإقليمياً
إنطلاقاً من كل هذه المعطيات، يكون اللقاء بين وليد جنبلاط وحزب الله هو بمثابة “لقاء الضرورة” لطرفين يُعرَف عنهما البراغماتية المفرطة في عملهما السياسي، بعيداً عن الشعارات الحادة التي يطلقانها في عز السجال بينهما، وهو بالتالي لقاء يخدم الطرفان في ظل كل هذه الإستحقاقات داخلياً وإقليمياً، غير الواضحة معالمها بعد حتى اليوم – بغض النظر عن مدى تأثيره على حلفاء كل منهما – ما يسمح لهما بإلتقاط الأنفاس وتمضية الوقت بأقل الخسائر الممكنة، ولو عن طريق ” تقلب المواقف ” على طريقة “ألف قلبة ولا غلبة”، وهي قمة الواقعية السياسية التي قد يسميها البعض إنتهازية، وقد لا تروق للبعض الآخر على أساس أنها “تضليل” وخداع للناس، بينما يراها أصحابها قمة في نكران الذات والتضحية في سبيل الجماعة، على إعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة، والغاية هنا هي المصلحة العليا للجماعة، وهو صراع فكري وأخلاقي سيبقى قائماً ما دام هناك مصالح تتصارع، تلتقي أحياناً وتفترق أخرى، وقد تتقاطع في غالبية الأحيان خاصة في بلد كلبنان، مكون من جماعات عدة سياسية وطائفية ومذهبية منخرطة كلها في كل مجالات الحياة في البلد، وبالتالي لا يمكن لأي مكون من هذه المكونات الإستئثار بكل البلد لكل الوقت، ولو بدا للبعض بأنه قد تمكن منه لبعض الوقت، وهذا ما أثبتته التجارب والأيام بحيث تنتهي الأحداث دائماً، بالشعار الأقرب إلى المزاج اللبناني شعار “لا غالب ولا مغلوب” – بغض النظر عن واقعيته – وإن كانت ترجمة هذا الشعار والخلاف حوله، قد يتحول في غالب الأحوال إلى مشروع أزمة جديدة، في ظل نظام ” مُوَلِّد ” للأزمات ومبرمج على توقيت أزمات المنطقة وما أكثرها.
إقرأ أيضاً: بعد فتاوى «التحريم» الانتخابي.. شبلي يردّ على السيد فضل الله
خيار جنبلاط بالإنفتاح على حزب الله، كان هو نفسه خيار الرئيس سعد الحريري تحت مسمى “ربط نزاع”، والذي لم يلقَ قبولاً يومها عند الكثير من الأطراف السياسية في البلد والإقليم
في الختام لا بد من التنويه بأن خيار جنبلاط بالإنفتاح على حزب الله، كان هو نفسه خيار الرئيس سعد الحريري تحت مسمى “ربط نزاع”، والذي لم يلقَ قبولاً يومها عند الكثير من الأطراف السياسية في البلد والإقليم، من بينها أطراف من بيئة سعد الحريري السياسية والوطنية والطائفية، وهو ما جعل الكثيرين في الداخل والخارج ينقلبون عليه وينفضّون من حوله، ويحملونه مسؤولية ما وصلت إليه أمور البلد والسُنة بشكل خاص جراء فشل هذا الرهان، ما دفعه لتعليق عمله وتياره السياسي حتى إشعار آخر، لكن الأمور مع وليد جنبلاط تبدو مختلفة، ربما بسبب الإلتفاف الدرزي الواسع حوله، وربما بسبب تغير الظروف الإقليمية بعدما تعب الجميع من الصراعات، التي لم توصل إلا لدمار كل من سوريا والعراق واليمن، وكذلك تبدل الدور الأميركي في التعامل مع دول المنطقة خاصة الخليجية منها، التي بدا أنها ضاقت ذرعاً بالخشونة الأميركية معها في السنوات القليلة الماضية، ما دفعها للتفكير بإعتماد سبل الحوار فيما بينها، ومحاولة تصحيح العلاقات مع جيرانها في كل من إيران وتركيا وقطر، وهو ما تُرجم بزيارات متبادلة وحوارات، بعضها علني وبعضها سري ما بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر من جهة، وكل من إيران وتركيا من جهة أخرى، الأمر الذي يوحي ببداية حلول لمشاكل المنطقة، وهو الأمر الذي قد يكون رأى فيه وليد جنبلاط فرصة لإعادة التواصل وربط النزاع مع حزب الله، بإنتظار تبلور المواقف النهائية لكل الأطراف التي قد تنتج حلولاً معقولة للصراعات داخل المنطقة ولبنان. فلننتظر ونرى، وإن غداً لناظره قريب.

