مع ترنّح المبادرة الفرنسية أمام تعنّت فريق الثنائي الشيعي واختلاق “بدعة” دستورية تتغلق “بتشييع” وزارة المالية وكذلك تسمية الوزراء الشيعة ودخول عملية التأليف الحكومي في حلقة مفرغة، أخذ الرئيس سعد الحريري مجددا المبادرة، متجرعا السم على قوله وعرض حلا وسطا لفك عقدة حقيبة المالية، وذلك من خلال مساعدة رئيس الوزراء المكلف مصطفى أديب لتمسية لشخصية شيعية مستقلة للمنصب، وهذا المقترح هو بمثابة الفرصة الأخيرة لإنقاذ جهود تشكيل حكومة في لبنان.
وجاء مقترح الحريري بعد يوم من تحذير الرئيس ميشال عون من أن البلاد تنقاد نحو الجحيم في حال لم يجر التوصل إلى اتفاق سريع لتشكيل الحكومة.
اقرأ أيضاً: الحريري يتجرع السم مجددا.. ويتنازل لشروط «الثنائي الشيعي»!
حتى الساعة، لا تزال الضبابية تلف المشهد الحكومي، في ضوء اصرار الثنائي الشيعي على مطلبه بالحصول على وزارة المالية، على الرغم من كل المبادرات التي تسعى الى كسر الجمود الحاصل على الساحة الداخلية، وكان آخرها تلك التي أعلن عنها الرئيس سعد الحريري أمس، حول قبوله بتسمية شخصية شيعية مستقلة لتولي الوزارة.
الاّ ان هذا القرار، شكل معارضة على الساحة الداخلية من الحلفاء قبل الخصوم. ففي حين لم يصدر اي موقف رسمي من كل من حزب الله وحركة أمل حول هذا القرار، أكد رؤساء الحكومات السابقين، ميقاتي والسنيورة وسلام ان المبادرة شخصية، وانه “بعد الضجة المفتعلة التي أثيرت بشأن حقيبة وزارة المال فإننا نعتبر أنفسنا غير ملزمين بهذه المبادرة. وتبقى القضية الأساس بالنسبة لنا كما هي بالنسبة لسائر اللبنانيين في أهمية الالتزام بالاحترام الكامل والثبات على مبدأ الحفاظ على الدستور”.
الحريري والعقدة الشيعية
مصادر مطلعة لـ”الجمهورية” أشارت الى أن الموقف الشيعي لم يتبدّل بعد كلام الحريري ولا يمكن للحريري أن يعطي لنفسه او للرئيس المكلف حق تسمية وزير مال شيعي أو أي وزير شيعي آخر.
وكشفت المصادر لـ”نداء الوطن” أنّ بيان الحريري جاء “نتيجة اتصالات مكثفة خلال الساعات الـ48 الماضية بينه وبين الرئيس الفرنسي من دون تنسيق مع أي طرف آخر، وخلصت المشاورات إلى فكرة طرح هذه المبادرة، فتواصل الحريري مع الرئيس المكلف ولمس منه قبولاً وترحيباً بالفكرة مع التأكيد على ضرورة ألا يتحول إسناد حقيبة المال لوزير شيعي إلى عرف دستوري فكان تشديد على وجوب اعتماد هذه المبادرة الإنقاذية “لمرة واحدة” بما يفضي إلى تسمية أديب وزيراً شيعياً لحقيبة المال أسوةً بتسميته سائر الوزراء الآخرين في تشكيلته الوزارية”.واوضحت مصادر مواكبة لعملية تأليف الحكومة لـ”اللواء” ان مبادرة الرئيس الحريري هي ضوء في النفق المظلم ومن الواضح ان خلية الازمة الفرنسية تحركت على خط الحريري ادى الى هذا الموقف وهناك انتظار الموقف الرسمي للثنائي الشيعي ومبادرة الرئيس المكلف وعليه ان يحضر الى قصر بعبدا بتشكيلة حكومية على ما اتى في المداخلة الحكومية لرئيس الجمهورية.
ودعت مصادر مطلعة إلى التركيز على الاجتماعات التي عقدت في القصر الجمهوري وآخرها الاجتماع المالي في ما خص مواصلة الدعم للمواد الأوّلية. إلى ذلك، أوضحت مصادر قصر بعبدا ان هناك انتظار للخطوة التي تلي مبادرة رئيس الجمهورية أمس وقالت ان هناك اتصالات حكومية لكن لا شيء عملانياً بعد ولم يرصد أي اتصال بين الرئيس عون ورئيس الحكومة المكلف.
وفي وقت رأت فيه أوساط سياسية لـ”الأخبار” أن “قرار الحريري قد يكون مقدمّة لتذليل العقدة، أي وضع الكرة في ملعب الرئيس المكلف وفتح الباب أمامه للاتفاق مع الثنائي على اسم وزير للمالية، تحت عنوان وزير مستقلّ”، اعتبرت الأوساط أن ذلك لا يعني الإفراج عن الحكومة، فهناك عقبات كثيرة تتعلق “بإدارة التشكيل مع الرئيس ميشال عون والحصة المسيحية، فهل سيقبلَ عون بأقل مما قبِل به الثنائي، أي اختيار الوزارات وتسمية الوزراء”، وهل “سيبقى الوزير جبران باسيل على تعفّفه بالبقاء خارج الحكومة، وسيقبل بأن يُعطي الحريري وزارات لجهة معينة ويمنع وزارات عن جهات أخرى، أم سيفتَح هذا الأمر شهيته من جديد للتفاوض على حصته الى جانب رئيس الجمهورية”؟
الثنائي الشيعي يرفض المبادرة؟
وفي حين ساد انطباع مبدئي لدى بعض الأفرقاء مساءً يراهن على تعامل “حزب الله” وحركة “أمل” مع مبادرة الحريري “بعقلانية” فيسارعا إلى تلقفها باعتبارها “مخرجاً معقولاً” للأزمة الحكومية شرط عدم إفساح أي مجال لفتح أي “بازار جديد” يتعلق بالحصص والحقائب بشكل يستنزف مزيداً من الوقت في عملية ولادة الحكومة، نقلت في المقابل أوساط مقربة من الثنائي الشيعي لـ”نداء الوطن” أجواء مناهضة لهذه المبادرة من جانب قيادتي الثنائي مؤكدةً أنهما “لا تزالان متمسكتين بوجوب تسمية وزرائهما الشيعة بنفسيهما، ويعتبران أنّ الحريري بمبادرته هذه إنما تقدم شكلياً خطوة إلى الأمام لكنه في الجوهر لم يقدم جديداً يمكن البناء عليه في سبيل حل إشكالية حقيبة المالية”. وقالت: “البيان (بيان الحريري)، يظهر بالشكل انه خطوة إلى الامام بينما هو خطوة إلى الوراء..”. وفي السياق، اياه، تحدثت مصادر “الثنائي” انه يتمسك بتسمية الوزراء الشيعة بالتفاهم مع الرئيس المكلف
ولعل المفارقة اللافتة تمثلت في ان محطة “المنار” سارعت الى نقل أجواء منسوبة الى مصادر الثنائي الشيعي تساءلت عبرها “كيف يسمح الحريري لنفسه بان يحدد ويشترط في تسمية الوزير الشيعي”؟ كما نقل عن مصادر حركة “امل ” ان النقطة التي وردت في بيان الحريري عن مرة واحدة فقط بالنسبة الى اسناد حقيبة المال الى شيعي ليست هي ما يطالب به الثنائي الشيعي.

